{ صعود العذراء إلى السّماء بعد رقادها (أَم) دون رقاد }


لطالما آمنت الكنيسة شرقاً وغرباً بانتقال العذراء بالنفس والجسد إلى السماء بعد موتها, وقد استقت الكنيسة هذا الإيمان من التّقليد. وكثير من الآباء والقدّيسين قد تحدّثوا عن رقاد والدة الإله وانتقالها إلى السّماء ومنهم القدّيس موديستوس بطريك أورشليم, القديس جرمانوس بطريك القسطنطينية, والقديس أندراوس الكريتي والقديس يوحنا الدمشقي.
ويرفض البروتستانت الإيمان بصعود العذراء إلى السماء بعد موتها, اذ أن الانجيل لم يذكر شيئاً عن رقاد والدة الإله كما أنه لم يسلّط لنا الضوء على تفاصيل حياتها أيضاً. إنما ما يذكره القديس يوحنا الدمشقي في عظته الشّهيرة حول رقاد السيدة كاف لتثبيت التّراث الشّفهي الذي شاع في الكنيسة منذ القرون الأولى. ونقل إلينا في مخطوطة بعنوان "كتاب يوحنا اللاهوتي حول رقاد والدة الإله الكلّية القداسة" وقد وجدت نسخ من هذه المخطوطة باللّغات اليونانية والسّريانية والعربية وكلها تعود إلى أوائل القرن الرابع الميلادي (300-320م تقريباً).
ويقول التقليد في ذلك أن الرّسل بعد العنصرة أخذوا يجتمعون معاً بانتظام واذا اتّكئوا للغذاء بعد الصّلاة كانوا يتركون ما بينهم موضعاً خالياً ويضعون على الوسادة قطعة من الخبز الذي يأكلونه يدعونها جزء الرّب. واذا نهضوا بعد الغذاء وصلّوا وشكروا يأخذون تلك القطعة فيرفعونها قائلين "المجد لك يا إلهنا المجد لك, المجد للآب والإبن والروح القدس" وكانوا يردّدون المسيح قام لفترة تتراوح بين الفصح والصّعود. وأما من بعد الصعود فكانوا يهتفون "عظيم اسم الثالوث القدوس, أيها الرب المسيح أعنّا" وهكذا حتى افترقوا للكرازة.
ولما بلغت العذراء الستّين مع العمر جاءها ملاك من الرب في اليوم الثاني عشر من شهر آب عام 44م فبشّرها أنها بعد ثلاثة أيام ستنتقل من دار الشقاء إلى دار الهناء والبقاء, ففرحت فرحاً عظيماً وصلّت شاكرة الرّب وطلبت أن ترى أولادها الروحيّين أي الرسل الأطهار الذين كانوا متفرّقين في أقطار المسكونة فإذا بروح الرب يخطفهم في اليوم الخامس عشر من شهر آب ويجمعهم لدى الأم البتول باستثناء توما الرسول الذي كان منشغلاً بتعميد إبنة ملك الهند حيث كان يكرز هناك. ففرحت بهم وأخبرتهم سبب حضورهم العجيب, وعزّتهم على حزنهم وأن الدنيا كلها إلى زوال, وصلّت من أجل سلام العالم واضطجعت كما أرادت وأسلمت روحها إلى ابنها وإلهها, وأما الرسل فقد حملوا السّرير بموكب جنائزي مهيب إلى القبر في قرية الجسمانية وأن أحد اليهود من سبط لاوي واسمه اثاناس مد يده إلى النّعش يريد أن يقلبه فإذا بسيف من الرب يقطع يديه الآثمتين, فوقع خوف شديد في قلوب اليهود وآمن قوم كثر منهم, وبعد أن وضعوا جسد العذراء في القبر كان الرّسل يتناوبون على الزيارة مدّة أسبوع يتلون التّسابيح.
ويذكر التقليد أيضاً أن الرّسول توما حضر بعد ثلاثة أيام وأصرّ أن ينظر محيّا والدة الإله ويتبرك منه ويودّعه مثل باقي الرّسل فلما رفعوا الحجر من باب القبر لم يجدوا الجسد, بل كان الضريح فارغاً والأكفان وحدها, وعندها قال لهم الروح القدس: "إن الرب لم يشأ أن يبقي جسدها في الأرض". فآمنوا أن العذراء انتقلت بالنّفس والجسد إلى ملكوت السماوات, وأن هذا المكان المقدس في الجسمانية قد بني فوقه كنيسة بناها البطريرك الأورشليمي يوفيناليوس عام 431م, ثمّ بنى الامبراطور ماورينسبو كنيسة فوق القديمة عام 490م وهي تحمي القبر المقدّس.

والآن لنلقي الضوء على رأي كافة الطوائف في صعود العذراء بالنّفس والجسد:
* رأي البروتستانت:
كما ذكرنا سابقاً فإن أخوتنا البروتستانت لا يؤمنون بصعود العذراء بالنّفس والجسد اذ لم يتكلّم الكتاب المقدّس عن هذا الأمر وكونهم يرفضون التّقليد كلياً فلم يقبلوا بهذا القول, وأعلّق على رفضهم هذا بنقطتين:
أولاً: هل ذكر الكتاب المقدس كل شيء ؟ بالطبع لا ! فهناك الكثير من الشّواهد الكتابية التي تبيّن أن الكتاب المقدس لم يذكر كل شيء ومنها:
"وَأَشْيَاءُ أُخَرُ كَثِيرَةٌ صَنَعَهَا يَسُوعُ، إِنْ كُتِبَتْ وَاحِدَةً وَاحِدَةً، فَلَسْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْعَالَمَ نَفْسَهُ يَسَعُ الْكُتُبَ الْمَكْتُوبَةَ. آمِينَ" (يو25:21).وأيضاً "وَآيَاتٍ أُخَرَ كَثِيرَةً صَنَعَ يَسُوعُ قُدَّامَ تَلاَمِيذِهِ لَمْ تُكْتَبْ فِي هذَا الْكِتَابِ" (يو30:20).
وبالنسبة لمعجزات الرب, فليس فقط ما ورد في الإنجيل هي كل المعجزات اذ يقول الكتاب "وَعِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، جَمِيعُ الَّذِينَ كَانَ عِنْدَهُمْ سُقَمَاءُ بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ قَدَّمُوهُمْ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَشَفَاهُمْ" (لو40:4) ما عدد هؤلاء المرضى ؟ كثير جداً. ولم تسجل حوادث الشّفاء وأيضاً يقول الكتاب "وَكَانَ يَسُوعُ يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْب" (مت23:4) ما هي حوادث شفاء كل مريض ؟ لم تذكر.
وفي معجزة الخمس خبزات والسمكتين, كان يعلّم الناس من الصّباح حتى بدأ النّهار يميل. فماذا كان تعليمه لهم ؟ لم يذكر شيء عنه في الإنجيل.
وقد أمرنا الرّسل القديسين بحفظ التّقاليد:
اذ يقول بولس الرسول "فَاثْبُتُوا إِذًا أَيُّهَا الإِخْوَةُ وَتَمَسَّكُوا بِالتَّقَالِيداتِ الَّتِي تَعَلَّمْتُمُوهَا، سَوَاءٌ كَانَ بِالْكَلاَمِ أَمْ بِرِسَالَتِنَا" (2تس15:2) وقال أيضاً "تَتَجَنَّبُوا كُلَّ أَخٍ يَسْلُكُ بِلاَ تَرْتِيبٍ، وَلَيْسَ حَسَبَ التَّقْلِيد الَّذِي أَخَذَهُ مِنَّا" (2تس6:3) وقال لأهل كورنثوس "فَأَمْدَحُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ عَلَى أَنَّكُمْ تَذْكُرُونَنِي فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَتَحْفَظُونَ التَّقَالِيد كَمَا سَلَّمْتُهَا إِلَيْكُمْ" (1كو2:11).
وللأسف فإن أخوتنا البروتستانت في الترجمة البيروتية للكتابالمقدس وضعوا كلمة "تعاليم" بدلاً من كلمة "تقاليد" في الأمور التي تؤيد فكرة التّقاليد. واستبقوا كلمة التقاليد في كل ما يدل على التّقاليد الباطلة وترفضه الكنيسة المقدسة !!
رغم أن الكلمة جاءت باليونانيةparathosis والتي تعني بالعربية التقليد أو التسليم ولم يستخدم الرسول بولس كلمة "التعاليم", ورغم ذلك يترجمون التقليد تعليم برغم دقة اللغة اليونانية في التعبير فقد استعمل الرسول الكلمة parathosis بمعنى التقليد أو التسليم ولم يستعمل الكلمة didiskalia التي تعني التعليم.
ومما سبق يتبيّن بوضوح أن الكتاب المقدس لم يذكر كل شيء وبأن الآباء الرسل أوصونا بحفظ التّقليد سواء كان مكتوباً أو بالكلام. وأكتفي أخيراً بقول الرّسول يوحنا الحبيب "وَكَانَ لِي كَثِيرٌ لأَكْتُبَهُ، لكِنَّنِي لَسْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْتُبَ إِلَيْكَ بِحِبْرٍ وَقَلَمٍ. وَلكِنَّنِي أَرْجُو أَنْ أَرَاكَ عَنْ قَرِيبٍ فَنَتَكَلَّمَ فَمًا لِفَمٍ" (3يو13:1-14) فإذا رفضنا كل تقليد وكل تسليم شفوي حفظته الكنيسة فلنرفض إذن قول يوحنا الحبيب الذي لم يدوّنه بحبر وقلم وقول القديس بولس وبقية التعاليم الشّفوية للآباء الرسل القدّيسين.
ولن أخوض في هذا المجال أكثر إذ هو ليس موضوعنا إنما ذكرته للرّد على انكار التّقليد والتّسليم الشّفوي !
ثانياً: قد يتخيل البعض أن رواية صعود العذراء بالنّفس والجسد هي رواية خياليّة بعيدة عن الحقيقة والموضوعيّة. ولكن من يقرأ الإنجيل بإيمان ويؤمن بآياته لا يستغرب تقليداً كهذا بل هو تتمّة منطقية لحياة أم النور مريم, وتتويج طبيعي لحياة طاهرة كحياة مريم التي اتّخذ السّيد جسداً من جسدها. أليس هو القائل "من آمن بي وإن مات فسيحيا" أليس بعد بموته على الصّليب وقيامته "الْقُبُورُ تَفَتَّحَتْ، وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ، وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ، وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ" (مت52:27-53). وأيضاً ماذا عن الشاهدين اللذان سيشهدان للرب قبل مجيئه الثاني, فبعد موتهما يقول الكتاب: "ثُمَّ بَعْدَ الثَّلاَثَةِ الأَيَّامِ وَالنِّصْفِ، دَخَلَ فِيهِمَا رُوحُ حَيَاةٍ مِنَ اللهِ، فَوَقَفَا عَلَى أَرْجُلِهِمَا. وَوَقَعَ خَوْفٌ عَظِيمٌ عَلَى الَّذِينَ كَانُوا يَنْظُرُونَهُمَا. وَسَمِعُوا صَوْتًا عَظِيمًا مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً لَهُمَا:«اصْعَدَا إِلَى ههُنَا». فَصَعِدَا إِلَى السَّمَاءِ فِي السَّحَابَةِ، وَنَظَرَهُمَا أَعْدَاؤُهُمَا" (رؤ11:11-12) فإذا كان هؤلاء القدّيسين الرّاقدين قد قام كثير منهم بالجسد بعد قيامة الرب, والشاهدان كذلك قد قاما بالنفس والجسد بعد ثلاثة أيام ونصف من موتهما فكيف بالحري من جسّدت الإيمان بشخصها وحوت بأحشائها سيد العالم وخالقه وحملت بين يديها جابل الإنسان بيديه؟

يتبع ...