بعد غدٍ تدخل كنائس الشرق معاً باب الصيام لإيمانها انه طريقها إلى الفصح. والفصح وعد العبور من الظلمة الى النور. وإبادة الظلام تحققت مرة واحدة لما قام مسيح الله من بين الأموات وبتنا نذوق الحياة الجديدة بانبعاثه. ليس لنا في المسيحية أن نعرف غير هذا إذ لم ينزل علينا سر آخر ولا تفقهنا بمضمون تعليمي آخر. كيف تتقن ما نزل عليك، كيف تصيره؟ كيف ما كان في عمق الله وسلوك ابنه يتصور فيك ويصبح مسيرتك حتى يبطل التفريق بين ما هو وحده لله وما هو لك. يبطل السؤال إذا عرفت انك تكتمل بدنوك من الرب وان هذا في الحقيقة دنوه منك. هذا هو توقك وتوقه. توقك هدية نفسه إليك هو ليس عنده غير ذاته يهديك. قد رأى ربك انك إن تحسست هديته أو تحسسته هدية تنمو به إليه.
أنت لا تخرج من نفسك إليه لأن لقاءكما يتم فيك. أنْ توغل في نفسك لاستقباله وتقبُّله لا يختلف عن تقبله إياك في أنواره وهذا التحاقك به ووحدتك فيه. هذا هو التوحيد إن شئت البصيرة وإلا يكون قابعا في فوقيته وأنت في دونيتك ولا يغدو احد منكما قد اجتاز الهوة. ردم الهوة تنازله إليك وتصاعدك إليه في اللامدى، في اللازمان، في ارتباط شاءه وأنعم به عليك، ارتباط لا يتروّض هو عليه في سماء كماله وتتروض أنت عليه بسبب من مخلوقيتك. ينبغي أن تنمو بشريتك فيك وينبغي أن يُسَرَّ هو بها ليجعلك ابنا محبوبا. الصوم محاولة من محاولات نموك يراه هو عطاء منه وتلمسه أنت التماسا للنعمة. هذا كله تروض فيك وبه أي خروج جهاد إليه ولكن من جهته هو ضمك إليه وهو ليس فيه جهاد. انه حنانه المسكوب يسهل لك الدرب إذ قلت له: "سهّل خطواتي حسب قولك ولا يتسلط عليّ إثم. نجني من بغي الناس فأحفظ وصاياك".
كل قصة الصوم أن تحفظ وصاياه. "من أحبني يحفظ وصاياي". الصوم إذًا رياضة عميقة الجذور، أمتن من أن تكون مجرد إمساك أو نظام طعام "الطعام لا يقدمنا إلى الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص" (١كورنثوس 8: 8). الصوم لا يستغرقه إمساك على نمط معيّن. وفيه أنظمة مختلفة حسب الحضارات الدينية. فيها كلها انقطاع عن الطعام في فترة محددة نفهم منها أن هذا الانقطاع ضبط للرغبات ومراقبة لها، نوع من التسلط على الجسد ابتغاءً لحرية النفس وانعتاقها من الشراهة. وقد استفاض آباؤنا النساك في الحديث عن هذه الرذيلة وجعلوا التحرر منها شرطًا للتحرر من الشهوات الأخرى. هذا اختبار الروحانيين ومن مارس الصوم طويلا مع شرط الصلاة المكثفة ومطالعات الكلمة الإلهية التي ترسخنا في معرفة الله.
الصلاة والصوم يبدوان في الكتاب القيم مجتمعين حتى التداخل أو التلازم حسب إيقاع زمني يحدده هذا الدين أو ذاك، هذا المذهب او ذاك. هناك قواعد روحية أو نفسية الإخلال بها مؤذٍ، مرتبطة بالتراث أحيانًا كثيرة. على سبيل المثال قوة الصلاة والاستعداد للفصح أو لقداس الأحد أمست أسسا ارتبطت بها نفس المصلي حتى يعسر عليك أن ترميها وتحافظ على سلامة توازن داخلي.
اهتزاز القواعد الموروثة من خبرة القديسين يعرض النفس لخطر ولاعتبار الحياة الروحية غير متصلة بالجسد. هذا الجسد أساسي في تكويننا وفي حمله الروح التائبة. هذه الوحدة بينهما منعشة لكل منهما وتجعلهما في مسالمة تصل إلى حد المصالحة.
اقتران الصوم بالصلاة ناتج من كون تفريغ الجسد من بعض طعام يستدعي ملء الكيان بالكلمة الإلهية لئلا نصل إلى الفراغ الكامل. الروح ينادي الروح. بكلام آخر، الله إذا سكب نفسه فيك يخاطب ذاته وترتفع. غير أن ثمة جانبا عظيمًا في كل مواسم الصيام انك تصوم مع الإخوة. كلكم سائرون معا إلى الفصح. كلكم تتنقون معا على مقدار النعمة التي تنسكب على الكنيسة، إذ ذاك تصبح الكنيسة كائنا فصحيا واحدا. شاهدا على أنها تخلي ذاتها من ترابيتها لتصبح ضياء المسيح.
في حقيقة هذا الجهاد تسعى الكنيسة موحدة به أن تصبح عروس المسيح. الفصح، حقيقته لا العيد فقط. أن نخطب للسيد في عرس أبدي. هذا يتطلب أن نكون للآخرين إمساكا واستعطافا وافتقارا إلى الله الذي يحبنا بوحدانيته. الله الأحد قادر وحده أن يجمعنا إليه وبعضنا إلى بعض كي لا نتشرذم ونتماسك أمام وجهه ونتدرج إليه فنتعلم الفقر إليه وانه هو الحاجة الوحيدة.
المفضلات