أقتباس أقوال لاهوتي أرثوذكسي من كتب، محاضرات ومقالات أرثوذكسية

قول لاهوتي أرثوذكسي: كتاب: الكنيسة الأرثوذكسية: إيمان وعقيدة-الفصل الثاني: الله والإنسان-الأسقف كاليستوس (تيموثي) وير


... هذا الكلام المتعلق بالتأليه والاتحاد مع الله وتجلّي الجسد والكون وفدائهما، قد يبدو بعيداً جداً عن خبرة المسيحيين العاديين، لكنّ الأمر ليس على هذا النحو إلاّ إذا أسيء فهم المعنى الأرثوذكسي للتأليه. ومن أجل إبعاد أي تفسير خاطئ من هذا النوع، تقتضي الإشارة بنوع خاص لهذه النقاط الست:

أولاً، التأليه ليس مخصصاً لفئة معيّنة من الناس، بل هو متاح للجميع، وتعتبره الكنيسة الأرثوذكسية الهدف الطبيعي لكل مسيحي، بلا استثناء. وإذا كان من المؤكد أننا لن نتأله كلياً إلا في اليوم الأخير، فإن عملية التأليه، لكل منا، يجب أن تبدأ، هنا ومنذ الآن. وفي الحقيقة إن الذين يستطيعون بلوغ كمال الوحدة الصوفية مع الله هم في هذه الحياة قلائل. لكنّ كل مسيحي حقيقي يسعى لمحبة الله وحفظ وصاياه، والإنسان الذي يثابر على السير في هذا الطريق، مهما كان ضعيفاً في محاولاته، ومهما تعددت عثراته، لا بد وأن يكون قد أصابه بعض التأله.

ثانياً، كون الإنسان يتأله لا يعني أنه لم يعد يعاني الخطيئة. بل على العكس، التأليه يفترض دائماً التوبة المستمرة. فالقديس، مهما كان متقدماً في سلم القداسة، لا يتخلّى عن استعمال كلمات صلاة يسوع: (يا يسوع ابن الله ارحمني أنا الخاطئ). وكان الأب سلوان من رهبان جبل آثوس يقول: (احفظ فكرك في الجحيم ولا تيأس أبداً) {راجع: (الراهب سلوان والحرب اللامنظورة)، منشورات النور (الناشر)}. كذلك ردّد قديسون أرثوذكسيون آخرون: (كلهم سيخلصون، أنا وحدي سأهلك). ويولي المؤلفون الروحيون الشرقيون اهتماماً كبيراً لـ (عطية الدموع) {راجع: (سر عطية الدموع في الشرق المسيحي)، منشورات النور (الناشر)}. فاللاهوت الصوفي الأرثوذكسي لاهوت مجد وتجلٍ، كما هو لاهوت توبة.

ثالثاً، ليس من شيء سحري أو خارق للعادة في السبل التي ينبغي أن نسلكها من أجل أن نتأله. وإذا سأل سائل: (كيف لي أن أصبح إلهاً ؟)، سيكون الجواب بسيطاً جداً: (يجب أن تذهب إلى الكنيسة، أن تواظب على الأسرار بصورة منتظمة، أن تصلّي (بالروح والحق)، أن تطالع الأناجيل وأن تعمل بالوصايا). ويجب أن نتذكر دائماً أن (نعمل بالوصايا). فالأرثوذكسية، تماماً كما المسيحية الغربية، ترفض بحزم كل نوع من أنواع التصوّف الذي يسعى إلى التملص من القوانين الأخلاقية.

رابعاً، التأليه ليس عملية انزوائية، بل عملية (اجتماعية). رأينا أننا نصل إلى التأليه (بإتباع الوصايا) والمسيح لخّص لنا هذه الوصايا باثنتين هما محبة الله ومحبة القريب. هاتان الوصيّتان لا تنفصلان: فالإنسان لا يستطيع أن يحب قريبه محبته لنفسه ما لم يحب الله فوق الجميع، كما لا يستطيع الإنسان أن يحب الله ما لم يحب إخوته البشر (1يو 20:4). وهكذا فلا توجد أية أنانية في عملية التأليه، إذ يتأله الإنسان فقط إذا أحب قريبه. يقول أنطونيوس الكبير: (من قريبنا تأتي الحياة ومنه يأتي الموت. إذا حزنا على قلب قريبنا، حزنا على الله، وإذا كنّا سبباً في سقوط قريبنا، نكون قد أخطأنا بحق المسيح {(أقوال آباء الصحراء)، أنطونيوس، 9}. والإنسان الذي جُعل على (صورة) الثالوث، لا يستطيع تحقيق (المثال) الإلهي ما لم يعش حياة مشتركة شبيهة بحياة الثالوث القدوس: وكما أن الأقانيم الثلاثة (يقيم) واحدهم في الآخر، هكذا الإنسان ينبغي أن (يقيم) في البشر الآخرين، فلا يعيش لشخصه وحده، بل يعيش في الآخرين ومن أجلهم. يقول أحد آباء الصحراء: (لو قُيِّض لي أن أعثر على مجزوم أعطيه جسدي وآخذ جسده، لفعلت ذلك بفرح، لأن هذا هو الحب الكامل) {(أقوال آباء الصحراء)، اغاثو، 26}. يحدد هذا القول الطبيعة العميقة للتأليه.

خامساً، محبة الله ومحبة البشر ينبغي لها أن تكون (عملية)، فالأرثوذكسية ترفض جميع أشكال المحبة المجردة التي لا تترجم إلى عمل إيجابي. والتأليه، وإن كان يبلغ أعلى درجات التجربة الصوفية، فإن له جانباً واقعياً وملموساً. وحينما نفكر بالتأليه، لا بدّ أن نفكر (بالهادئين) المصلّين بصمت وسكون، وبوجه القديس سيرافيم المتجلي. ولكن ينبغي أيضاً ألا ننسى القديس باسيليوس الكبير وهو يُعنى بالمرضى في مستشفى القيصرية، أو القديس يوحنا الرحيم وهو يساعد الفقراء في الإسكندرية أو القديس سرجيوس في خرقه البالية وهو يعمل فلاحاً في الحديقة كي يستطيع سدّ حاجات ضيوف الدير. هذان النمطان من الحياة لا يتناقضان بل يتكاملان.

أخيراً، فإن التأليه يفترض حياة في الكنيسة، حياة في الأسرار المقدسة. والتأليه يفترض حياة الشركة على مثال الثالوث القدوس، ولا يمكن لهذه الحياة أن تتحقق فعلاً إلاّ في الكنيسة. فالكنيسة والأسرار هي الوسائل التي وضعها الله في متناول الإنسان كي يكتسب الروح المقدِّس ويتحوّل وفقاً للمثال الإلهي.

إقرأ المزيد الفصل الثاني: الله والإنسان
الشبكة الأرثوذكسية العربية الأنطاكي