تابع المقال
10- المسؤول واقعي صبور:
قلنا ان المسؤول ذو خيال، ولكن ذلك لا يعني أن خياله يسبح في الأوهام فاقدًا الصلة بالواقع. إن قبول الواقع علامة نضوج على الصعيد النفسي لأنه افلات من نرجسية الطفل ومركزية اناه، وهو علامة تواضع وشجاعة على الصعيد الخلقي. انه على كل حال شرط أساسي لفعالية الرئيس.
المسؤول الحق لا يكتفي بكلمات وأحلام يتغنى بها، فان ذلك من بقايا الفكر السحري الذي يتميز به الطفل والإنسان البدائي والذي لا يميّز بين صورة الشيء وواقعه. ان عند بعض المسؤولين تضخماً في الأفكار والتصورات والخطط ولكنهم لا يأبهون لتحقيقها، وكأنهم يكتفون به عن تنفيذها واظهارها إلى حيّز الوجود الواقعي. لذا فمن البديهي أنه من الأفضل للرئيس أن تكون له أفكار أقلّ يحقّقها من أن تكون له أفكاركثيرة لا يحقق منها شيئًا، كما يذكر كورتوا.
المسؤول الحق يعرف في آن واحد الإمكانيات والصعوبات. هذا هو قبول الواقع. قبول الواقع ليس مرادفاً للموافقة عليه أو الإذعان له. (هذا التباس احاط مثلاً ولا يزال يحيط بالتحليل النفسي الذي يطلب من الإنسان أن يقبل بواقع غرائزه، وهذا لا يعني، كما فهم الكثيرون، الموافقة على الغرائز دون قيد أو شرط وإطلاق العنان لها، انما يعني فقط مجابهتها الواعي دون ذاك التجاهل الأعمى المضرّ الذي هو الكبت، ذاك الكبت الذي هو بالواقع من مظاهر النرجسية لأنه يعني بالضبط: لا يمكن أن تكون فيّ هذه أو تلك من الغرائز لأنها لا تنسجم مع الصورة المثالية التي أرسمها عن نفسي). قبول الواقع هو إذًا مجابهته بحسناته وسيئاته، أو أن نقيم له الحساب، أن لا نرفض رؤيته عن جبن أو اكتفاء. هو أن نأخذه كنقطة انطلاق نحو الأحسن، كمادة خام نستخدمها على أفضل صورة لتحقيق مُثُلنا.
المسؤول الحق يعرف أولاً إمكاناته الخاصة وحدوده، كي يتسنى له اتخاذها وتعهدها بوعي. انه لا يرسم عن نفسه صورة مثالية ترضي نرجسيته أو بالعكس صورة مسوَّدة قاتمة قد تكون هي أيضاً، بصورة لا شعورية، رد فعل كبرياء جريحة أو تبريرًا وتغطية للكسل. بل يرى نفسه كما هو، بقوّته وضعفه، ومن هنا ينطلق ليبلغ الأكمل والأفضل. والمهم، كما يقول الأب كورتوا، أن تكون لنا شجاعة قبول ما نحن قبل أن تكون لنا شجاعة الإنطلاق نحو ما نريد أن نكون.
المسؤول الحق يعرف أيضاً امكانات وحدود مرؤوسيه. انه واقعي هنا أيضاً فلا يرسم عنهم صورة مثالية خيالية لا تتعدى كونها تعبيرًا عن رغباته. ولا يتوقف بالعكس عند نقائصهم فيلتهي بالتشكي منها. انه ينطلق من وضعهم الحقيقي ليستخدم على أفضل صورة امكاناتهم ومواهبهم.
المسؤول الحق منفتح دوماً للواقع، مستعد دوماً لإعادة النظر في أساليبه على ضوء النتائج الحاصلة والوقائع.
ومن مظاهر قبوله للواقع أن لا يخرج من طوره وييأس للإصطدامات التي لا بد منها بينه وبين معاونيه أو بعضهم. ينبغي له أن يعي بأنه إذا اختار معاونين ذوي شخصيات بارزة قائمة بذاتها، فقد تصطدم شخصيته بشخصيتهم وقد يزعجه هذا الإصطدام. فإذا لم يتجاهل هذا الواقع وقبل ما يفرضه عليه من تضحيات، يمكنه بالإنطلاق من هنا أن يجتهد في تخفيف حدة هذه الإحتكاكات بمحبته ومرحه.
واقعية المسؤول تفرض عليه أن يذعن لضرورة تسليم بعض مسؤولياته لأفضل مرؤوسيه ليدربهم على المسؤولية ويهيئهم لتحمل أعباء أثقل ومتابعة العمل إذا احتجب هو. ان مشكلة تُطرح على كل مسؤول بهذا الصدد، الا وهي: أيجوز لي أن أسلّم عملاً لإنسان لم يختبره بعد وأسمح هكذا بأن يتدنى مستوى هذا النشاط ويخف الإنتاج فيه؟ من الخيال بمكان أن يعيش المسؤول في وهم ديمومته وأن يعلّل النفس بأنه، إذا احتجب، سيبرز من يقوم مقامه على نوع من التولد الذاتي. الواقعية تفرض بأن توزع المسؤوليات ولو أدى ذلك إلى تدني مؤقت في المستوى، لأنه بهذه الطريقة فقط يتدرب مسؤولون جدد قد يتوصلون فيما بعد إلى بلوغ المستوى الأصلي أو تجاوزه. بالإنطلاق من هذا الواقع، يمكن للمسؤول أن يعهد تدريجيًا بالمسؤوليات المختلفة لمعاونيه، متلافياً قدر الإمكان خطر الفشل أو التقهقر بمساندته لهؤلاء المعاونين دون اقتحام مسؤولياتهم.
واقعيّة المسؤول تفرض عليه أخيرًا الصبر. انه يعلم أن النتائج العميقة لا تحصل الا ببطئ، أن الخمير يحتاج إلى وقت لتخمير العجنة كلها، وأن البذار يبقى تحت الأرض شهورًا، وأن المخاض الروحي كالمخاض الجسدي قد يكون طويل الأمد أليماً. ويستلهم صبره ومحبته لله وللذين عُهد بهم إليه من الله. لا يتسرع المسؤول، لا يطالب بنتائج عاجلة- فالسعي وراء النتائج السريعة كثيرًا ما يخفي سعيًا وراء ارضاء الذات برؤية هذه النتائج - انما يتخذ حلم الله وتأنيه. يكتفي بالزرع ولا يطالب بفرح الحصاد كحق مكتسب له، لأنه لا يطلب ما لنفسه، ولا يعتبر نفسه شيئاً بل يكفيه بأنه ألقى بذار كلمة الرب في القلوب وبأن الله أهّله بأن يكون "عاملاً معه" على حد تعبير الرسول، وهذا وحده حريّ بأن يملأه فرحًا وفخرًا. إن اعطاه الله أن يرى نتائج لعمله، يفرح ويشكر، وإن لم ير تلك النتائج فهو يشكر أيضاً ويترجّى ويثق. لا ييأس المسؤول لأنه يعلم أن نعمة الله تعمل في الخفاء، وفي سر القلوب تتابع سيرها المتأني، المترفّق. "يشبه ملكوت الله إنساناً ألقى الزرع في الأرض. فسواء أنام أم استيقظ، في الليل والنهار، فالزرع ينبت وينمو، ولا يدري كيف" (مرقس 4: 26 و27). موقفه ليس موقف التفاؤل الرخيص ولا موقف اليأس- فكلاهما ليسا بمسيحيين وكلاهما لا يوافقان واقع الأشياء العميق- بل موقف الرجاء الذي فيه يلتقي الخوف بالثقة، بثقة أقوى من الخوف، لأنها ثقة بالله، ذلك الرجاء الذي دعاه مونييه "التفاؤل في المأساة" optimisme tragique. المسؤول يتأنى ويرفق- دون أن ينفي ذلك استعمال الشدة من حين إلى آخر إذا اقتضى الأمر- يحترم سرعة نمو كل واحد والطرق الخاصة التي يُقبل بها إلى الرب، لأن قصة الله مع كل انسان قصة فريدة. الرب يدعو خرافه بأسمائها أي أنه يراعي شخصية كل منها. كذلك المسؤول يقبل الآخر كآخر ولا يفرض عليه قالباً من صنعه.
11- المسؤول يضع نفسه في يد الله:
المسؤول يعمل في حقل الله. لذلك يجب أن يعتبر دوماً عمله وسيلة غايتها الله. النشاطات .. كلها تفقد فائدتها ومعناها إذا أصبحت غاية بحد ذاتها، فالطريق لا تسمى طريقاً إلا إذا استقطبها هدف.
لذا فالمسؤول الحق يكرس ذاته ويكرس عمله لله. إنه يضع ذاته ويضع عمله في يد الله وتحت نظره.
إن اكتساب الصفات التي لا بد منها للرئيس والتي ذكرناها آنفًا من انكار للذات وتجرد وتواضع وانفتاح وتفهم وصبر... والتي تعود كلها إلى المحبة كإلى ينبوعها، إن اكتساب هذه الصفات وتلك المحبة يفترض أن يعيش المسؤول في إلفة مع الله الذي هو محبة، أن يتتلمذ وينفتح لتلك المحبة المطلقة التي تجلت لنا إلى أبعد حد في المسيح يسوع والتي أعطينا أن نصبح لها مساهمين في الروح القدس: "فان محبة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس..."
المسؤول الحق هو من قبل في كل لحظة دينونة وتقويم محبة الله الكاملة لمحبته الناقصة المتعثرة.
يجب أن لا يغرب عن بال المسؤول أنه يحمل كنز الكلمة الإلهية والدعوة السامية التي دعي اليها "في إناء خزفي" على حد تعبير الرسول. هناك تجربة تهدده إذ ربما شعر انه ضعف روحيًا أو ارتكب زلة، فعوض أن ينهض بالتوبة، يترك كل شيء متعللاً بأنه لم يعد أهلاً لمسؤوليته. ان في موقف كهذا لخطر روحي، لأن كثيرًا ما يستتر فيه وراء التواضع الظاهر، كبرياء خفية ورغبة محجوبة في التهرب من العمل والجهاد. لا يمكن للمسؤول أن يقول انني ضعيف وخاطئ، إذًا أترك خدمة الله، كأننا نحن الذين اخترنا الله وليس هو الذي اختارنا والذي يُظهر قوته المشعّة والمحيية في ضعفنا وحقارتنا، وينقذ بنا آخرين فيما نحتاج نحن في كل لحظة إلى الخلاص. قد يكون هذا بدء الفتور والإنهيار عند البعض من أفضل المسؤولين أن يجتاحهم شعور الكره لأنفسهم والإشمئزاز من عملهم لأنهم لم يحققوا الغاية التي كانوا يصبون اليها. ولكن برنانوس Bernanos يقول بحق: "أنه أسهل مما يتصورون أن يكره الإنسان ذاته، النعمة هي أن ينساها". قد لا يكون كره الذات سوى مظهر للنرجسية، نتيجة خيبة الأنا الذي لم يحقق الصورة المثالية التي كان يرسمها عن نفسه. ولكن المسؤول الحق لا ينشغل بأناه وبكمال هذا الأنا، انما شغله الشاغل التلبية الحبية لنداء الله. لذا فانه لا يهتم فوق اللازم بتخبطات قلبه لأنه منشغل عنها بالإصغاء إلى دعوة الله: "وأن بكتتنا قلوبنا، فالله أعظم من قلوبنا ويعلم كل شيء" (1 يو3: 20).
المسؤول الذي يعي قلة أهليته للرسالة التي دعي إليها، الذي يشعر بالتفاوت العظيم بين ما يصبو اليه وبين ما حققه بالفعل، الذي يعي كم العلاقات مع البشر صعبة أحياناً وكيف تفاجئنا من حين إلى حين أحداث لم نكن نتوقعها تعطل تصاميمنا إلى حد ما، المسؤول الذي يدرك أن شخصية كل ممن يهتم بهم لغز وأنه هو إلى حد ما لغز لنفسه، الذي يعرف صعوبة التحرر من الأنانية، المسؤول الذي خبر كل ذلك لن يستنتج منه، إذا كان بالفعل مؤمنًا، حلاًّ رخيصاً كالتخلي عن المسؤوليّة أو الاكتفاء بالقيام بها روتينيّاً انه بالعكس يستلهم من هذه المأساة ثقة متزايدة بالذي من أجله يعمل والذي منه وحده يستمد نورًا وقوة. مقياس الممكن وغير الممكن ليس بين يدينا ولكنه في يد الله الذي ليس أمر مستحيل لديه كما قال الكتاب. لقد كتب موروا Maurois: "نطاق الممكنات نطاق مطاط". هذا ينطبق بنوع خاص على المسؤول المسيحي الذي لا حد لإمكانياته سوى مقدار انفتاحه للنعمة الإلهية الخلاّقة: "إنني أستطيع كل شيء بالذي يقويني".
نقلاً بتصرّف عن : مجلة "النور"، العدد16 والعدد 17- 1963www.mjoa.org -
المفضلات