الأهل ودورهم في التربية الدينية
دوريس بندلي أنطون
مقدّمة:
أولاّ تجدر الاشارة الى إن الغاية المرجوّة من التربية الدينية هي إيقاظ أفضل البنى النفسية لدى الطفل التي تساعده على تقبّل إعلان يسوع المسيح في أعماقه بأصالـة ودون أي تشويه. من هنا تكتسب العائلة دوراً مميّزاَ، فهي المكان الذي تتكوّن فيه أسس شخصية الانسان.
إن الاعلان الالهي لا يُسكب في أعماق الانسان كما تُدوّن كلمات على ورقة بيضاء بل يتفاعل مع الانسان الذي تبقى لديه القدرة والطواعية لقبول هذا الاعلان أم رفضه. لذلك فإن التربية الدينية ليست تعليماً دينياً، بمعنى ليست هي نقلاً لحقائق نعلمّها للطفل كمثل ما نعلّم مادة علمية أخرى. لأن ما نصبو اليه كغاية للتربيـة الدينية هو أن يعرف الطفل الله لا أن يعرف عنه، أي أن يقترب منه ويختبره حياة. ولهذا فإنني أفضّل دائماً أن أستعمل كلمة تربيـة بدل كلمة تعليم. فالتعليم يبقى بعيداً عن كياننا الانساني عكس التربية التي تعجن يسوع بحياتنا وتجعلنا نقبله بعقلنا وقلبنا وكياننا معاً.
من هنا فإن مهمّتنا الأولى، على هذا الصعيد، هي إعداد البنى النفسية للطفل كي تصبح قادرة على تقبّل التربية المسيحية للوصول به الى إنسان يحيا بنور الربّ، وبذلك فهي مثيلة لمهمّة القديس يوحنا المعمدان الاعداد لطريق الربّ وجعل سبله مستقيمة (متى 3 : 3). فلا اعتقاد أو رأي مستقيم وحسب بل خبرة معاشة تحرّك المرء وتعمّده بنور الله.
العائلة في رؤيتنا الايمانية:
ننطلق في مقاربة الموضوع من رؤيتنا الايمانية للعائلة. فالقديس يوحنا الذهبي الفم يصف العائلة بكنيسة صغيرة ويتحدث عن الزواج كقسم أساسي من الكنيسة رمز لها ويقول في اتحاد الزوجين أنه صورة الله وليس صورة لأوضاع بشرية. وفي معرض شرحه لأقوال الذهبي الفم يقول بول أفدوكيموف أن الزواج هو اتحاد مؤمنين في وحدة المحبة والايمان والأسرار للحياة الأبدية. أما القديس أغناطيوس الأنطاكيّ فيرى أن وجود المسيح، حقيقة، في كلّ عائلة يجعل منها كنيسة لأن حيث يوجد المسيح هناك تكون الكنيسة."
يُروى أن كاهناً سأل الزوجة خلال زيارته لاحدى العائلات عما إذا كان المسيح يقيم لديها. احتارت الزوجة في الجواب وسألت زوجها الذي طلب اليها أن تخبر الكاهن أنهم يذهبون كلّ يوم أحد الى الكنيسة. فردّت الزوجة أن هذا ليس هو سؤال الكاهن. السؤال هو هل يقيم المسيح في بيتنا؟"
قنوات التربيـة:
ليس من شكّ أن العائلة التي تتمحور حول يسوع المسيح تبقى هي المكان الأصلح لتربية دينية مسيحية. ويمكن لللأسرة أن تنسج هذه التربيـة عبر قناتيـن هما: مواقف الوالدين الدينية ونوعية علاقتهما بأولادهما.
1-مواقف الوالدين الدينية:
أ -تماهي الولد بمواقف الوالدين الدينية:
التماهي هو عملية أساسية في النموّ تجعل الأولاد يتمثّلون، لا شعورياً، إلى حدّ كبير ليس فقط بما يصدر عن الأبوين من أقوال وأعمال وحركات بل أيضاً، وهذا هو الأهمّ، بالمواقف والدوافع الكامنة وراء هذه الأقوال والأعمال. لذلك فإن ما يقوله الوالدون عن الله وما يعبّرون عنه حول علاقتهم به ومن خلال مواقفهم المعاشة يؤثّر عميقاً في الأولاد. لقد أثبتت الأبجاث الحديثة أن الطريقة التي يتبّعها الأهل مع إيمانهم لها الأثر الكبير في الطفل. فقد سألت أم مسيحية كيف استطاعت أن تنجح في تربية سبعة أولاد على طريق النجاح والابداع، فأجابت أن السرّ الوحيد هو أنها كانت تعيش أمامهم ما كانت ترغب أن يكونوا عليه. كما أن أحد التلاميذ الهنود قال لأحد المرسلين: نحن كثيراً ما نتعب من كثرة الوعظ وكثرة ما نسمعه عن المسيح لكننا لا نتعب أبداً إن رأينا المسيح في شخص يشبهه. هذا كلّه لا ينفي أهميّة كلام الأهل عن الله، فالمحلّلة النفسية المسيحية فرنسواز دولتو تقول: "ينبغي للأهل أن يحدّثوا ولدهم منذ صغره عن الله بكل بساطة ودون أيّ تصنّع كما يتحدّث الانسان عن أيّ أمر مهمّ في حياته. فهكذا يهيئونه كي يكتشف، في الوقت المناسب، ما يمثّله الله بالنسبة اليهم".
الوالدون هم الآلهة الأول بنظر أطفالهم. وإذ يكتشف الولد تدريجياً محدودية والديه ينبغي على الأهل أن يساعدوا طفلهم في إتمام هذا التحوّل في العبادة نحو الله. وهذه المساعدة تتمّ كيانياً، وليس عبر الكلام فقط، أيّ عبر أن يلمس الطفل لديهم هذا الاتجاه الكيانيّ نحو الله.
ب-تأثّر الولد بصلاة الوالدين
وهذا ما يحصل، خصوصاً، من خلال مشاهدة الولد لصلاة الوالدين إذ أنه بسبب من صلاته الحميمية والعاطفية بهما يختبر الله شعورياً عبر احتكاك والديه صلاتياً به. يعبّر لامارتين عن هذه الحالة على لسان صبيّ يصلّي فيقول: "أيها الآب الذي يتعبّد له أبي". كذلك تساءل المطران الأرثوذكسي أميليانوس تيميادس: " ماذا نفعل كيّ نعلّم الطفل الكلام؟ فقط نتركه مع أناس يتكلّمون، وذات يوم يتكلّم هو أيضاً. فما العمل لتعليمه الصلاة؟ لا شيء سوى أن يرى ويسمع أناساً يصلّون". وأيضاً يقول الأب بيار الشهير برسالته الانسانية والروحية: "ولدت في عائلة كان إيمانها عميقاً وكانت صلاة المساء تقام عائلياً يشارك فيها الأولاد الثمانية مع الأب والأم. إنها وقائع لها أصداء لا تُحصى أن يرى المرء، وهو طفل صغير، السلطة الممثّلة في الأب والأم تلتمس الصفح لما يكونان قد فعلاه من أمور ليست مستحسنة. إنه أمر لا يُستعاض عنه أن يكون المرء قد عاش ذلك."
ج-تربية السلوك الديني عند الولد:
أن يكون الأهل إيقوناتاً حيّة أمر يفوق تأثيره، في التربية الدينية، تأثير العادات الدينية التي، كثيراً، ما يُلزم الأهل أطفالهم بها كالصلاة والصوم والقداديس. غير أن لهذه العادات أهميّة إذا ما اقترنت بشهادة الوالدين ولُقّنت مع مراعاة حاجات الولد وميوله وإمكانياته. فالانعكاسات السلبية لأي تشدّد في الزام الأولاد اتباع العادات الدينية وقولبتهم في قوالب جاهزة لا تقتصر، عند البلوغ، على رفض هذه العادات وحسب بل تتخطاه الى رفض الله وكلّ علاقة به. هذا لا ينفي ضرورة الانتباه الى أن إهمال الولد معاشرة الكتب المقدّس والصلاة والصوم قد يقوده الى الغربة الدائمة عن هذه الوجوه العبادية. لهذا يبقى الأنجع هو تربية الولد على هذه الممارسات بلطف ومراعاة خصوصية.
2-نوعية علاقة الوالدين بأولادهما:
إن الطفل يتمرّس بعلاقته مع والديه على علاقته بالله حتى قبل أن يُذكر اسم الله أمامه. وحين يتلقّى التعليم الديني يتقبّل هذا التعليم من خلال بناه النفسية التي كوّنتها فيه علاقته بأهله. هذا يعني أن هذا العلاقة بالوالدين إما لها أن تسهّل أو تعيق استيعاب الطفل للتعليم الصحيح عن الله وعلاقته بالانسان. والخطر يكبر في حال لم يكن التعليم أميناً وترافق مع إسقاطات بشرية تشوّه صورة الله الحقيقية. في كتابنا المقدسّ ما يبرهن أن الطفل يكتشف الله من خلال علاقته بأهله. فقد دعا الله أباً، وسمّاه يسوع المسيح ومن بعده بولس الرسول "APA" وهي كلمة يهودية مرادفة لكلمة بابا يستعملها الطفل اليهودي وهو يتحدّث مع والده. وفي أمكنة أخرى يشبّه الكتاب المقدّس الله بالأم حيث يقول الله بلسان أشعياء "كمن تعزّيه أمّه، كذلك أعزّيكم أنا"(أشعيا 66 : 13). أنطلق من هنا لأقول أن حنان الوالدين، المتمثّل خصوصاً بالأم، يهيء الطفل الى إدراك حنان الله ورعايته، وأن سلطة الوالدين، المتمثلة خصوصا بالأب، تهيئ الطفل الى ادراك تعالي الله. هذا ما يُبرز أهمّية استقامة علاقة الوالدين بأولادهم فيكون حنانهم متوفّراً دون ان يكون خانقاً وتكون سلطتهم حاضرة دون أن تكون تسلّطاً. وما ينبغي الانتباه اليه هو أن لا يسخّر الوالدان إرادة الله لفرض ارادتهما على اولادهما كأن يقال للولد مثلا: الله سيخنقك اذا عذّبت أهلك. يقول عالم النفس الكبير "فريتز كونكل: "إن الطفل لايستطيع أن يميّز بين الله وأهله."
دعم العائلة في مسارها التربوي:
طبعاً ليس من الضروري أن يعي المؤمنون المقبلون على الزواج هذا الدور التربوي المهمّ لحياتهما وحياة أولادهما، خاصّة وأن لدى الانسان نزعة الى التمثّل بالنمط التربوي الذي تربّى هو عليه. من هنا تنبع أهمّية إلزام المقبلين على الزواج بالانخراط في برنامج إعداد من الناحية الروحية، النفسية، الاجتماعية والقانونية. كذلك يجب مواكبة هذه المهمّة التربوية للعائلات لمساعدتها في حلّ الصعوبات التي تعترضها مع أولادها وذلك يكون عبر أخصائيين مؤمنين، تربويين ونفسيين في إطار مكتب تربوي دائم يؤسّس في الرعايا أو الأبرشيات. والأهمّ هو إعداد الكاهن من الناحية التربوية كي يكون مؤهّلاً لمواكبة المهمة التربوية للعائلة المسيحية من خلال رعايته لها.