الأعضاء الذين تم إشعارهم

النتائج 1 إلى 4 من 4

الموضوع: ما هو الإيمان الأرثوذكسي- الجزء الرابع

  1. #1
    أخ/ت بدأ/ت التفاعل
    التسجيل: Dec 2010
    العضوية: 9338
    الإقامة: سوريا
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: التراث الكنسي الأرثوذكسي
    الحالة: Victor Dora غير متواجد حالياً
    المشاركات: 42

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    New10 ما هو الإيمان الأرثوذكسي- الجزء الرابع

    إنَّ الأرثوذكسية لا تعني بأن أقرَّ بأنَّني أعرف الصواب وأمَّا أنت فلا تفعل الصواب . إنَّ الأرثوذكسيَّة تعني أن نتواضع ونقول :" ما الّذي يجب أن يتغيَّر ؟ ما الّذي يجب أن يتمَّ إصلاحه في حياتنا ؟" .

    إنَّنا نتحدَّث عن بايسيوس الشيخ والشيوخ الآخرين ونقوم باقتباس عبارات قيلت من قبلهم ونقوم بنقطها بأفواهنا ونخفي بها آراءنا الشخصيَّة . عندما قمت بزيارة قبل سنواتٍ للجبل المقدَّس كان هنالك كاهناً متوحداً وقد كان تابعاً للشيخ بايسيوس الآثوسي وكان يقرأً صلاة الحل لشيخه لأنَّ الشيخ بايسيوس ذاته لم يكن كاهناً وإذا كان لديه أيَّة أفكارٍ كان يصرّح بها لتلميذه فقال لي الكاهن المتوحد : " إِنَّ الكثير من الأمور الّتي تُقال حول باييسيوس الشيخ إنَّما تُقال لكيما يتمكَّنوا من دعم آراءَهم الشخصيَّة ، حيث أنَّ باييسيوس الشيخ لم يتفوَّه بها بهذه الطريقة . إنَّني كنت أعرفه عن قربٍ فإنَّه كان شيخي ورئيسي . لقد عشنا معاً وأكلنا معاً وصلينا معاً لم يكن ذلك روحه كما يريدون أن يقدِّموها ."

    إنَّ ما أقصده هو بأنَّنا أحيانا نقوم بذكر أسماءَ أُناسٍ روحيين كبار الّذين بالحقيقة كانوا أرثوذكسيين ولكن دعونا نقول ما نرمي إليه بطريقة مختلفة . سأعطيكم مثالاً : عندما ذهب باييسيوس الشيخ إلى كونيتسا ، كانت المدينة مليئةً بالبروتستانت . إنّ باييسيوس الشيخ هو أرثوذكسي ولكن كيف أظهر أرثوذكسيته ؟ لقد أظهرها بقداسته وبتواضعه وبتعامله وطيبة خاطره وصرامته تجاه نفسه وبتواضعه تجاه الناس الآخرين . إنَّه لم يضرب أحداً ولم يشتم أحداً ولم يشعر بغضبٍ حيالَ أحدٍ وأمَّا عند رحيله عن كونيتسا فإنَّه لم يتبقى هنالك أيَّة عائلةٍ بروتستانتيَّة في المدينة . إنَّه قد غيَّر الجميع ولكن بدون أن يفرُضَ إيمانه وبدون أن يصرُخَ وبدون أن يُظهرَ أيَّةَ عداوةٍ أو غضبٍ .

    إنَّنا اليوم نتحدَّث عن أُناسٍ قدِّيسين قد بُرهِنَ لهم أنَّهم أرثوذكسيون والّذين يقبلهم الجميع في الكنيسة . وأمَّا نحنُ فما الّذي نُطبِّقه من كلِّ ذلك الّذي نتحدَّث عنه ؟ تذكَّروا أقوال الفريسيين : " إنَّ أبانا هو إبراهيم ." أجل وهو كذلك ولكن أنتم ما الّذي تصنعونه ؟ نحن أرثوذكسيون أيضاً لأنَّنا نتحدَّث عن شيوخٍ كانوا أرثوذكسيين . ما الأعمال الّتي تقوم بتنفيذها من ضمن الأعمال الّتي قام بها أولئك الشيوخ؟ هل بإمكانك أن تغيِّر أحد البروتستانت ؟ هل من الممكن أن أحضر لك أحد شهود يهوه لكي تُكلِّمه فتقوم معاملتك له بلمس قلبه ؟ " لقد حفظت القوانين الكنسيَّة مثل أصابع يديَّ سوف أُريه من يكون !" أتظنُّ بأنَّه بحاجةٍ إلى هذا لكي يتغيَّر ؟ أتظنُّ بأنَّ أحداً ما قد صار من شهود يهوه لأنَّه لم يكتف بتعاليم الكنيسة حول القوانين الكنسيَّة ؟ أم أنَّهُ وببساطةٍ ذهبت إحدى الجماعات إليه وقالت له : " إنَّنا سنكون أصحابك لن تشعر بنفسك وحيداً إنَّنا مهتمون بك وسوف نقوم بالاتصال بك عبر الهاتف وسنحبُّك !" هكذا تمَّ جذب ذلك الإنسان وهكذا استلذّ . وهل بإمكانك أنت أن تجعل أحداً من شهود يهوه أن يستلذَّ ويقول : " واو ، إنَّه يوجد في هذا الأرثوذكسي شيئاً ما يجذبني ! ليس ثمَّةَ أيُّ شكٍّ بأنَّ إيمانه هو الإيمان الحقيقي !"

    تقول الأم جبرائيلا بأنَّه عندما كانت في الهند لم تكن تتحدَّث عن الأُرثوذكسيَّة وإنَّما كانت تغسل المرضى البرص . فذهب هؤلاء أخيراً ليسألوها :

    - نوَدُّ أن نسألك مَن هو إلهك ؟
    وكانوا يسألونها ذلك باستمرارٍ " من هو إلهك ؟" فأجابت الأم :
    - أنا أرثوذكسيَّة.
    - بمن تؤمنين ؟
    - بيسوع المسيح !
    فقالوا لها : - إنَّ هذا إلهٌ !
    - وأنتم من أين تعرفون ذلك؟
    - لأنَّه ليس من الممكن أن تكوني أنتِ هكذا والإله الّذي أنتِ تؤمنين به ألا يكون إلهاً حقيقياً!

    إنَّه في عصرنا يفهم الإنسان الآخر الحقيقة حول الإله الحقيقي هكذا . دعوني أقول لكم إنَّه لا خطر على الأرثوذكسيَّة في مجال القوانين الكنسيَّة . فإنَّه لا وجودَ للشكِّ في الكتب الأرثوذكسيَّة ومصادر واقتباسات الآباء القدِّيسين . لكن ليس هذا ما يحتاج إليه الناس لكي يحدث التغيُّر في نفوسهم . إنَّ هذا لا يكفي كما أنَّ المعاملة الحسنة ليست كافيةً أيضاً . ولكنَّنا اليوم نرفع ذلك الّذي نؤمن به كرايةٍ لنا ولكنَّ أخلاقنا وروحنا وتصرُّفاتنا لا تجذب ولا تغيَّر الآخرين . إنَّني أتعجب من أنَّني أسير في الطريق ولا أحد يوقفني ، لا أحد يتحدَّث إليَّ . لا أحد يريد أن يأخذ منّي شيئاً . ألا يُفترض أن يحصل ذلك بكوني أرثوذكسي ؟ ما الّذي يقوله المسيح : " إنَّني أترككم أنتم بدلاً منّي أنتم تلاميذي وورثتي وحينما يرغب الناس في رؤية الله سوف ينظرون إليكم ."

    ما الّذي كان يُقال عن المسيحيين الأوائل؟ انظروا إليهم كيف يحبُّون بعضهم بعضاً ! ما هو هذا الإله الّذي يؤمنون به ؟ فإنَّه هو السبب لكي يحبُّوا بعضهم بعضاً وهذا يعني بأنَّهُ هو الإله الحقيقي ! وبهذه الطريقة وبواسطة محبَّة الناس لبعضهم عرف هؤلاء الكنيسة .

    لقد أثار إعجابي الأب جبرائيل الّذي يخدم في كنيسة " القدِّيس أندراوُس " في أثينا والّذي يُعدُّ إنساناً أرثوذكسيَّاً بلا منازع وذو شهادةٍ ظاهريةٍ حسنةٍ وقد قال في مقابلةٍ صحفيَّةٍ له أمراً مهمَّاً جداً:" إنَّني أخدم في هذه الرعيَّة في كنيسةٍ صغيرةٍ جداً منذ سنين عديدة . وقد أتى إلى هنا العشرات بل المئات والألوف من الناس . ولكن لا أحد أبداً طلب منّي أن أشرح له عن قاعدة الثالوث الأقدس . ولكنَّ الجميع طلبوا منّي أن أظهرَ لهم قاعدة الثالوث الأقدس عملياً . ما الّذي يعني هذا ؟ إنَّه يعني المحبَّة والتفاهم والقبول بالآراء المختلفة ، كما للثالوث الأقدس ثلاثة أقانيم متَّحدةٍ ولكن لكلِّ أقنومٍ خصائصه ، فهذا يعني عمليَّاً أن أحبَّك وأتقبَّلك بالوضع الّذي أنت فيه . وألا أجعلك الشخص الّذي أرغب أنا في أن تكونه . الاحترام والمحبَّة والمسيح في حياتنا اليوميَّة هذا ما كان يطلبه الناس . الثالوث الأقدس في تطبيقٍ عملي في حياتنا ."

    يمكن لنا أن نكون عارفين بالقوانين الكنسيَّة وأن يكونوا شغلنا الشاغل ولكن ثمَّةَ شيءٌ ما ناقص وليس بإمكاننا أن نغيِّرَ الناس هكذا حتَّى يتعرَّفوا على إيمان المسيح الحقيقي . عندما تعرَّف إنسانٌ على بُرفيريوس الشيخ الآثوسي قال له :" لقد تعرّفت الآن على مسيحٍ جديدٍ ! وعلى كنيسةٍ جديدةٍ ! وأرثوذكسيَّة جديدة !"

    إنَّه لم يُغيِّر القوانين الكنسيَّة الّتي كان يعتقد بها فقد بقيت هي ذاتها . ولكنَّك عندما تتعرَّف على أناسٍ قد تحوَّلوا في المسيح متواضعين ومتزينين ذو نفسٍ صالحةٍ يمتلكون كلَّ الأشياء الحسنة في ذاتهم فإنَّ هذا هو ما يجذبك وإنَّك تقول في ذاتك إنَّ هذا هو الشيء الحقيقي ! إنَّك لا تتحرَّك من هناك . وأمَّا نحن فيشاهدنا الناس الآخرون وليس أنَّهم لا يقتربون منَّا فحسب بل ويعرضون عنَّا أيضاً ، حيث أنَّنا نصبح بتصرُّفنا سبباً لعثرتهم .

    وعلى كلِّ حالٍ فالأرثوذكسيَّة لا تعني أن تكون صارماً نحو الآخرين بل نحو نفسك إنَّها تعني تنازلاً كبيراً وصلواتٍ من أجلِ الآخرين والاتكال على المسيح بأنَّه باستطاعته أن يُغيِّرهم .

    ذات مرَّةٍ رأيتُ أباً ذهب إلى بُرفيريوس الشيخ الآثوسي . كان ذلك الرجل يعيش عيشةً خلاعيَّة لم يكن أمينا لامرأته وكان يذهب إلى هنا وهناك . لقد أعترف ولكنَّه لم يذكر شيئاً حول ذلك للشيخ . لم يقل له الشيخ الأرثوذكسي بُرفيريوس شيئاً وإنَّما سأله :

    - هل انتهيت من اعترافاتك؟
    - انتهيت .
    فقرأَ له الشيخ بُرفيريوس صلاة الحل . كان الرجل على وشك الذهاب ففتح الباب وأمَّا الشيخ بُرفيريوس فقال له :

    -هل أقول لك شيئاً ؟
    - أجل يا أبونا ماذا؟

    - أمَّا تلك الأمور الّتي تفعلها في المدينة والفنادق لا تقم بها بعد الآن لأنَّه سوف يرى ابنك الّذي يتبعك في إحدى المرَّات هذا الّذي تقوم به وسيُجرح قلبه . لأنَّه بما أنَّك تقوم بذلك الّذي تقوم به ولا تستطيع أن تمسك نفسك اذهب على الأقل بعيداً اذهبا بعيداً لكي لا تثيرا غضب أحد

    هل كان هذا الكلام الّذي تفوَّهَ به الشيخ بُرفيريوس أرثوذكسيَّاً أم لا؟ إنَّه لم يكن أرثوذكسياً من منطلق القوانين الكنسيَّة ولكنَّه يُعدُّ أُرثوذكسيَّاً من منطلق المسيح وخلاصِ نفس ذلك الإنسان . هذه مجازفةٌ وهذا بالذات ما تعنيه الأرثوذكسيَّة . ولكنَّ ذلك ما لم أفعله أنا ولا أنت . لكي أقوم به – كما سبق وأن قلت – إنَّهُ يجب أن يكون لديَّ أُسس بُرفيريوس الشيخ . ولكنَّ هؤلاء الناس قد بيَّنوا لنا العيِّنة بأنَّه عندما تحبُّ المسيح على كلِّ حال فإنَّك تنظر إلى الأمور بمنظارٍ آخر . عندما تتوَّصل إلى الحياة والمفهوم الأرثوذكسيين الحقيقيين فإنَّك تكفُّ عن أن تكون إنساناً شكلياً وتكفُّ عن فعل ذلك الّذي سبق وتحدثت عنه في البداية والّذي يشكو منه الشباب :" ما الّذي سأفعله في الكنيسة مادمتُ أعرف مُسبقاً الأمور الّتي ستقولها لي – لا إذا قلتُ لك إنَّني سأفعل هذا ولا إذا قلت لك إنَّني سأدخِّن سيجارةً – لا !"

    ويظنون بأنَّ جوابَ كلِّ شيءٍ في الكنيسة هو " لا!" يظنُّ أطفالنا بأنَّ الروح الأرثوذكسيَّة تكمن في أن نردَّ بـ" لا!" على كلِّ شيءٍ . وأمَّا الكنيسة فتقول بأنَّها الـ" نعم!" والـ" آمين !" بعينه . فالمسيح يُجيب بـ" نعم!" على كلِّ ما يُصلح ولكنَّ المسألة هي بأيَّة طريقة أنقل ذلك إلى الآخر .

    لقد أثار انتباهي أنَّه عندما بنى القدِّيس سرجيوس رادونج ديراً دعاه على اسم " الثالوث الأقدس " فسأله الناس لماذا دعاه بهذا الاسم ، فأجابهم: " لأنَّني أودُّ أن تصبح حياة الآباء هنا في هذا الدير قدر الإمكان ( لا يوجد توافق تام ) على مثال الثالوث الأقدس ."

    ما الّذي يعنيه الثالوث الأقدس ؟ يعني الثالوث الأقدس ثلاثة أقانيمَ في جوهرٍ واحد ، مختلفةٌ فيما بينها ولكنَّها مع ذلك متَّحدة ببعضها . هكذا علينا أن نكون نحن أيضاً أن نحِبَّ الإله ذاته ونتلوَّ الصلوات ذاتها ونكون متَّحدين ولكن ليحفظ كلُّ واحد منَّا على ملامحه وطبعه الخاص . هذا هو معنى أن يكون الثالوث الأقدس فاعلاً في حياتي . هكذا وعلى هذا النحو تقريباً كان القدِّيسون ينظرون إلى القوانين الكنسيَّة .

    يقول السيّد المسيح:" إذا كان إبراهيم بالحقيقة أباكم لكنتم لستم تفعلون الأعمال الّتي تقومون بها الآن بل إنَّكم كنتم ستقومون بأعمال إبراهيم . أنتم تريدون أن تقتلوني وتذهبون بي إلى موت الشهادة إنَّكم تكنون لي العداء وأمَّا إبراهيم فلم يفعل ذلك قطُّ . أمَّا نحن فنقُرُّ بأنَّنا أرثوذكسيون ولكنَّنا نقوم بأعمالٍ إذا كان هنالك قدِّيسون أرثوذكسيون حقيقيون عائشين بيننا لم يكونوا ليقوموا بها .

    ذات مرَّة تجادلت مع أحد أنصار شهود يهوه وفي النهاية شعرت بالدُّوار حقَّاً إنَّك لا تستطيع أن تتفق معهم وفي النهاية قلت له :" أودُّ أن أسأَلك شيئاً: إنَّك لو شعرتَ بشيءٍ في أثناء هذا الحوار هل أنت جاهزٌ لتتغيَّر ؟ أم أنَّك تقول في نفسك مسبقاً بأنَّك لن تتغيَّر حتَّى وإن أنقلبَ العالم عليك رأساً على عقب ؟"

    وأمَّا هو فاستدار نحو وقال:
    - وماذا عنك؟
    - أجل سوف أفعل!
    - وكيف ذلك ، ألست كاهناً ؟
    - صدِّق أو لا تصدِّق فإنّي جاهز لذلك.

    إذا أظهرت لي الحياة أو الكنيسة أو الواقع بأنَّ شيئاً ما لا يعطيني الراحة فإنّي لن أكون ما أنا عليه . أو بعبارةٍ أخرى قلت له بأنَّني لم أصبح أرثوذكسيَّاً صدفةً وفي هذه الآونة على وجه التحديد حيث أنِّي أصبحت كاهناً ولن أتراجع وأغيِّر رأيي فيصبح لا! هذا كان جوابي على سؤاله. كما فعلت ذلك مرَّةً بجنوني فتغيَّرت من علماني إلى كاهنٍ ، إنَّك لو أحدثت أثراً في نفسي وتجربتي الشخصيَّة وأقنعتني بأنَّ ما قيل من قبلك هو حقٌّ فإنّي سأترك العمل الّذي أقوم به . لكنَّني أنا نفسي لا أستطيع أن أفعله لأنَّ ذلك هو الأمر ذاته الّذي قاله القدِّيس بوليكاربُس أسقف سميرنا للقصَّابِ عندما أجبره أن ينكر المسيح حيث أجابه:" إنَّني أحببتهُ طوال هذه السنين وأمَّا هو فلم يحبطني ويخيِّب أملي يوماً ."

    إن خاب أملي فيه لكنتُ أنكرتُهُ . فلماذا أنكرهُ الآن؟ الأرثوذكسيَّةُ هي إيمانٌ لا يُخيِّبُ أملَك ولكنَّهُ في الوقتِ ذاته لا يجعلك متعصِّباً . إنَّنا لسنا نؤمن لأنَّه قد تمَّ هذا الحدث ذات مرَّةٍ ومكانٍ معيِّن ولذلك عليك أن تتغيَّر الآن ! لا يا عزيزي إنَّك إذا كنت تتحدَّث عن شيءٍ حقيقيٍّ فعليك أن تقوم بهِ الآن ! وابحث عنه الآن ! ليس هنالك ما يمكن للكنيسة أن تخاف منه . إنَّك بقدر ما تبحث عن الأرثوذكسيَّة بقدر ما تقتنع وبقدر ما تسجد لله وتقول:" ما أسمى الأمور الّتي نؤمن بها !"

    إنَّها أمورٌ رائعةٌ فعلاً ! لو كنتَ أرثوذكسيَّاً فإنَّك لا تخاف من البحث . يا ليته كان هناك قدِّيسون ليشتركوا في كلِّ حواراتنا مع الهراطقة ليته كان لدينا قدِّيسون ليذهبوا ويتكلَّموا أي أن يذهب إلى هناك أناسٌ قدِّيسون . كان القدِّيسون يتجولون من مكان إلى مكان ليس من أجل تلقين الأرثوذكسيَّة بل إنَّهم كانوا يعيشون المسيح وإيَّاه كان يُلقِّنونه للآخرين وينزعون أسلحتهم . وأمَّا اليوم فيحضر أُناسٌ إما لكي يخونوا الكنيسة وإما أنَّهم لا يعرفون كيف يقولون ما يرمون إليه أو أنَّه لا يحضر أناسٌ آخرون منهم لأنَّهم لا يمتلكون ذلك التنوُّر الّذي يمتلكه القدِّيسون . إنَّهُ لو كان لدينا قدِّيسون لكانوا تشجعوا وتكلَّموا . لكنّ!َهم لم يكونوا ليجازفوا ويخسروا شيئاً ما لأنَّهم كانوا سيمتلكون المسيح في قلوبهم . إنَّهم لم يكونوا ليتحادثوا شكليَّاً بل كانوا سيتحدَّثون عن الثالوث الأقدس كما سبق وتحدَّث القدِّيس باسيليوس الكبير الّذي رأى الثالوث الأقدس . إنَّه لم يجلس في أحد المكاتب وراء جهاز الحاسب لكي ينشئ مؤلفاتٍ فكرية حول الثالوث الأقدس بل إنَّه رأى الثالوث الأقدس وقال:" إنَّ الله ثالوث لقد رأيته ورأيت نورهُ !" لقد قال الآباء القدِّيسون:" لقد رأيت الآب ورأيت الابن ورأيت الروح القدس " ولذلك كانوا مقنِعين . أمَّا نحن فلسنا مقنِعين لأنَّنا لا نُبصر . وبالتالي فإنَّه ما يزال أمامنا طريقٌ طويلٌ علينا أن نعبره حتَّى نصبح نحن أيضاً أرثوذكسيين .

    ولذلك نقول بأنَّ جمال الأرثوذكسيَّة يظهر في الاضطهادات والأوقات العصيبة ، هناك حيث تتنَّحى الأمور الثانوية حيث يتنحى جهلنا ومشاكلنا الشخصيَّة لتظهر الأمور الحقيقيَّة . وفي الختام فإنِّي أظنُّ بأنَّ جميعنا بحاجةٍ لأن نتوب ولأن نفهم بأنَّنا كثيراً ما نقوم بتنفيذ أفكارنا ومشيئتنا وآراءنا باسم المسيح . وبدلاً من أن نؤمن بالوحي الإلهي فإنَّنا نؤمن بأفكارنا وإيديولوجيتنا الخاصّة يُدرج كثيراً في هذه الأيام القول بأنَّ الأرثوذكسيَّة ليست إيديولوجيَّة بل وحي موحىً من الله . إنَّنا نقوم بهذا ولدينا أفكارٌ ونظنُّ بأنَّ ما نعتقد به يعتقد به الله أيضاً وبعد ذلك يستهزئ الناس بنا . وأمَّا نحن فنفتخر :" إنَّني مضطهدٌ لأجل الإيمان والمسيحيَّة !"

    كان هناك امرأةٌ بروتستانتيَّة تسكن بالقرب من منزلي وكان رجلها يسعها ضرباً . وأمَّا هي فكانت تفرح وتظنُّ بأنَّها مضطهدةٌ من أجل المسيح . كنت صغيراً حينها ولذلك كنت أمتلك الشجاعة لأقوله لها . قالت لي: "أرأيت ما الّذي أعانيه من أجل المسيح ؟" أمَّا أنا فأجبتها:" إنَّ ذلك تعانينه ليس بسبب إيمانك بل بسبب غبائك !" قلت لها ذلك وتابعت كلامي:" اعذريني ولكن الأمر الّذي تقومين به يضرُّكِ . توقَّفي عن القيام به !"

    كانت المرأة تتحمَّل ضرباتِ زوجها وتفرح بذلك . إنَّنا نفعل الشيء ذاته إنهم يُفترون علينا وأمَّا نحن فنقول:" أرأيتني؟ إنَّني أضطهدُ مثل القدِّيسين تماماً إنَّني أرثوذكسي وسط الاضطهاد !".

    ويسأل إنسانٌ آخر :" هل أنت مضطهدٌ من أجل المسيح أم بسبب الهراء الّذي أنت تؤمن به وبسبب أفكارك الخاطئة عن الله الّتي لديك ؟".

    مَن يعلم ؟ الأرثوذكسيَّة عبارة عن مجازفةٍ إنَّها تشبه السير على الحبل تماماً . وإنَّنا في الوقتِ عينه نقول بأنَّنا متأكدين تماماً من الأمور الّتي نتفوَّهُ بها أقولها مجدداً إنَّني لا أتكلَّم عن القوانين الكنسيَّة بل عن الأخلاق الأرثوذكسيَّة . كما أنَّنا نتحدَّث مع أطفالنا بشكلٍ رئاسي:" سيجري الأمر الّذي أنا أقوله ! الآن افعل هكذا يريده الله أن يكون ! لقد انتهينا منه !"

    وهل نعلم ما الأمور الّتي يريدها الله ؟ إنَّنا عالمون بكلِّ شيءٍ ! فيذهب الرجل إلى بُرفيريوس الشيخ الآثوسي فيقول له الله أموراً مختلفةً تماماً عن الأمور الّتي قالها له أبوه . فقد كان أبوهُ يقولُ له دوماً:" لا تفعل ! لا تفعل ! لا تفعل !" .

    كان إنسانٌ سيسافر إلى الولايات المتحدة الأميركيَّة فذهب إلى باييسيوس الشيخ الآثوسي وسأله:

    - أبونا ، سأسافر إلى الولايات المتحدة الأميركيَّة ولكنِّي سأعزف موسيقا الروك ( موسيقا أميركيَّة يعبد بعض عازفوها الشياطين)؟ هل هذا يعرقل حياتي الروحيَّة؟
    فأجابه باييسيوس الشيخ بشكل حرفي:
    - إنَّني لا أفقه شيئاً من الروك والكاسي – روك . اذهب حيثما تريد . يكفيك أن تحبَّ المسيح ولا تتركه أبداً !

    لو كنت مكانه كنت سأقول له بألا يذهب ولو كان والده مكان الشيخ لقال له أن يبتعد عن هذه الأمور لأنَّها تعدُّ خطيئةً في ذاتها . ولكنَّ ذلك الشاب ما كان ليحتمل سماع ذلك . الأرثوذكسيَّة تعني أن تعرف كيف تقول للآخر الأمر الّذي تريد قوله له في اللحظة المناسبة وبشكلٍ تجعله يتقبَّله بدون أن يرفضه . وإلا فماذا يجب علينا أن نفعل؟ علينا أن نقول الأمر الصحيح بالشكل القويم لكي تتمكن نفسه من قبوله بدون أن تعترض عليه .

    عندما سُئِلَ السيد المسيح هل قليلون هم الّذين سيخلصون ومن هم وهل هم كثرةٌ أم قلَّةٌ هل هم نحن أم الآخرين أم الأرثوذكسيين ؟" أجابهم السيد المسيح:" اسعوا لكي تدخلوا من الباب الضيّق !"

    ويقول القدِّيس يوحنَّا الذهبي الفم :" أترى؟ لقد سألوه شيئاً فأجابهم بشيءٍ آخر ." لقد سألوه هل سيُخلص قلَّةٌ أم كثرةٌ من الناس ؟ أنخلص نحن أم الآخرون؟ ما الّذي يجري بالخلاص ؟ فقال المسيح:

    - لا تهتمُّوا بما لا يعنيكم ! إنَّكم تسعون مسعى حسناً !

    هل أنت أرثوذكسي ؟ اسعَ إذن أن تصبح أرثوذكسيَّاً بالفعل . إنَّنا لسنا أرثوذكسيين ولكنَّنا نصبح كذلك . هل تعرفون ما أروع أن يقول الإنسان عن نفسه :" أنا مسيحي أرثوذكسي !" يجب عليك أن تكون هكذا بحيث يرى الآخر المسيح بجانبه . مَن منَّا يمكنه أن يفتخر بأنَّه إنسانٌ أرثوذكسي كهذا؟ إنَّه ليس بإمكاننا أن نحبَّ حتَّى بعضنا بعضاً . ليس هنالك محبَّةٌ في الوسط الكنسي . هل هنالك محبَّة ؟ نحن مع هذا وأمَّا أنتم فمع ذاك . نحن لدينا هذا الشيخ ( الستارتس ) وأمَّا أنتم فلديكم ذاك الشيخ ( الستارتس ) . أي أنَّ هنالك أمورٌ الّتي إن رآها المرء في الوسط الكنسي فإنَّه سيتيَّقن أنَّه لا وجود لها حتَّى في أوساط الناس العلمانيين .

    إِنَّ أحد البروتستانت الّذي كانت قد تمَّ مسحه بالزيت قبل فترة من الزمن ليست ببعيدة وسبق أن تناقشنا قبل ذلك قد قال لي:" أبونا إنِّي عندما كنت هناك ( عند البروتستانت ) كنَّا نصلّي ونقرأُ الإنجيل لساعاتٍ عدَّة..."

    وأنصحكم أن تدعوا أولئك الّذين يقولون بأنَّ الشيطان يجعلهم يفعلون هذا . حسناً إنَّ الشيطان يجعلهم يفعلون ذلك ولكن ذلك أيضاً ليس بقليل أن تصلّي وتقرأَ الإنجيل لساعاتٍ عدَّةٍ . ليس كلُّ شيءٍ من الشيطان . ثمَّ إنَّه بما أنَّ الشيطان يجعلهم يقومون بذلك فهل يجعلنا نحن الّذين نعدُّ أرثوذكسيين أن نقوم بالأمور المعاكسة تماماً ؟ يجب علينا ألا نقرأ أبداً وألا نصلّي لأنَّ الشيطان لا يجعلنا نقوم بذلك ، نحن أرثوذكسيون ولذلك دعونا نتكاسل . ولكنَّ ذلك لا يجوز . فسألني ذلك الرجل البروتستانتي :" أبونا حينما أُصبح أرثوذكسيَّاً فهل ستجد لنا جماعةً مثل هذه ؟"

    إنَّه كان يودُّ أن يُصبح أرثوذكسيَّا وزوجته كذلك معه كانت تقول لي:" وأمَّا أنا أبونا فإنَّني حينما أتَّصل بصديقاتي البروتستانتيات فإنَّنا نتناقش عبر الهاتف طوال الوقت حول الكتاب المقدَّس وحول نصوصٍ كُتِبت من قبل يوحنَّا الذهبي الفم ونتبادل الآراء ! فإنَّنا لا نتكلَّم عن القال والقيل ولا عن شيءٍ آخر !"

    وأقول لكم بصراحةٍ خجلت من ذلك . لم أكن أعرف بماذا أرُدُّ عليها . لأنَّ أولئك الأصدقاء الّذين أعرفهم إلى حدٍّ ما بالإضافة إليَّ أنا لسنا مثلهم . إنَّني لا أستطيع أن أتكلَّم عن المسيح عبر الهاتف طوال اليوم . وأمَّا هم فكانوا يتحدَّثون عنه . بالرغم من كونهم موجودين في الضلال والهرطقة فإنَّهم كانوا يتحدَّثون عن المسيح وأمَّا أنا الأرثوذكسي فلا يمكنني القيام بذلك ولذلك خجلت من نفسي . وأنا الآن خجلٌ منكم لأنَّني أكلِّمكم بهذه الأمور وإنَّني أتوسل إليكم أن تغفروا لي لأنَّني لا أجعل من نفسي ذكيَّاً بل أقصد بذلك أخطاءً وأهواءً خاصَّة بي . وبعبارةٍ أخرى إنَّني أنتقد نفسي ( في هذا المقال ) وإذا كان هنالك بعضٌ منكم يتَّفقون معي فحسناً يفعلون وأمَّا إن وُجِدَ آخرون لا يوافقونَني في الرأي فأرجو المعذرة منهم !

    النهاية
    الكاتب : الأب الأرشمندريت أندراوُس كونانوس اليوناني
    تُرجم من الموقع البلغاري : أبواب الأرثوذكسيَّة
    فيكتور دره 12 / 12 / 2011
    http://www.dveri.bg

  2. #2
    أخ/ت فعّال/ة الصورة الرمزية John of the Ladder
    التسجيل: Jan 2007
    العضوية: 709
    الإقامة: Canada-Montréal
    هواياتي: Chanting, Reading, Walking
    الحالة: John of the Ladder غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,344

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: ما هو الإيمان الأرثوذكسي- الجزء الرابع

    موضوع جميل، ويستحق القراءة.

    لكي تتصرف أرثوذكسياً، يجب أن يكون فكرك أرثوذكسياً، فكما يقول الإشمندريت توما (بيطار) بأن حياة الإنسان لا تستقيم إذا لم يكن فكره أرثوذكسياً. فهذه هي النقطة الأولى: أن تتلقن التعليم الأرثوذكسي. النقطة الثانية في الموضوع وهي: أن تعمل ما تعلمت، وأن تحول الكلام إلى أفعال. إذا تصرفت أرثوذكسياً كما في حالة الأم غفرائيلا، فإن قلوب الناس وأفكارهم ستنفتح لتقبل الكلام منك عن المسيح. ولهذا الآباء القديسين يقولون لنا: لا تتكلم عن إيمانك ما لم تُسأل، لأنه ببساطة إن لم يكن الإنسان مستعداً للقبول، فباطل سيكون جهدك.

    في إعتقادي هنا يجب أن نفصل بين التعامل على مستوى الأشخاص وبين التعامل على المستوى الكنسي، فأنا أعامل الكل باحترام ومحبة وأتناقش معهم، ولكن لا تصل إلى درجة مشاركتهم القداديس والطقوس، لأن هذه الأمور تعبر عن الإيمان، والإيمان، وبكل أسف، ليس واحداً. أي أن المحبة لا تطغو على الحق، فكلاهما ضروري لخلاص النفوس.

    بارك الله في جهدك أخي فكتور وإلى الأمام.

    †††التوقيع†††

    إِنْ لَمْ نُدْرِكْ فِيْ أَيَّةِ حَالَـةٍ خَلَقَنَا الله
    لَنْ نُدْرِكَ أَبَداً مَا فَعَلَتْ بِنَا الخَطِيْئَةُ

    القديس غريغوريوس السينائي

    john@orthodoxonline.org

  3. #3
    المشرفة الصورة الرمزية Seham Haddad
    التسجيل: Apr 2008
    العضوية: 2961
    الإقامة: jordan
    الجنس: female
    العقيدة: الكنيسة الأرثوذكسية / روم أرثوذكس
    هواياتي: الرسم , المطالعة الروحية
    الحالة: Seham Haddad غير متواجد حالياً
    المشاركات: 1,365

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: ما هو الإيمان الأرثوذكسي- الجزء الرابع

    s-ool-422

    s-ool-460

    s-ool-423

    †††التوقيع†††

    إن أخطر أمراض النفس وأشر الكوارث والنكبات، هي عدم معرفة الذي خلق الكل لأجل الإنسان ووهبه عقلاً وأعطاه كلمة بها يسمو إلى فوق وتصير له شركة مع الله، متأملاً وممجدًا إيّاه.

    [SIGPIC][/SIGPIC]
    ان مت قبل ان تموت فلن تموت عندما
    تموت


    ايها الرب يسوع المسيح يا ابن الله ارحمني انا الخاطئة

  4. #4
    أخ/ت مبارك/ة الصورة الرمزية Mayda
    التسجيل: Sep 2007
    العضوية: 635
    هواياتي: Reading, Reading & Reading
    الحالة: Mayda غير متواجد حالياً
    المشاركات: 2,709

    Array

    Mentioned
    0 Post(s)
    Tagged
    0 Thread(s)

    افتراضي رد: ما هو الإيمان الأرثوذكسي- الجزء الرابع

    s-ool-514
    ..............................

المواضيع المتشابهه

  1. ما هو الإيمان الأرثوذكسي - الجزء الثالث
    بواسطة Victor Dora في المنتدى اللاهوت الأرثوذكسي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2011-12-03, 08:06 AM
  2. ما هو الإيمان الأرثوذكسي الجزء الثاني
    بواسطة Victor Dora في المنتدى اللاهوت الأرثوذكسي
    مشاركات: 3
    آخر مشاركة: 2011-11-27, 02:46 PM
  3. ما هو الإيمان الأرثوذكسي ؟ الجزء الأول
    بواسطة Victor Dora في المنتدى اللاهوت الأرثوذكسي
    مشاركات: 1
    آخر مشاركة: 2011-11-27, 11:40 AM
  4. الإيمان الأرثوذكسي والحياة (نشيد)
    بواسطة Gerasimos في المنتدى الثانويين والجامعيين
    مشاركات: 4
    آخر مشاركة: 2009-09-03, 06:04 PM
  5. انتصار الإيمان الأرثوذكسي
    بواسطة Fr. Boutros Elzein في المنتدى عظات وكلمات آبائية نافعة
    مشاركات: 7
    آخر مشاركة: 2009-03-20, 08:57 PM

المفضلات

المفضلات

ضوابط المشاركة

  • لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
  • لا تستطيع الرد على المواضيع
  • لا تستطيع إرفاق ملفات
  • لا تستطيع تعديل مشاركاتك
  •