" إن كلَّ اهتمامٍ سماوي يُعدُّ عقيماً وكاذباً ما لم يكن مستوحى من التوبة ." ( القدِّيس إغناطيوس بريانشانينوف ) الروسي .
" السهوات من يشعر بها ؟ من الخطايا المستترة أبرئني ." ( المزمور 19: 13 ).
إنَّ من سبق وقرأَ بتأنٍ إرشادات آباء الكنيسة القدِّيسين فإنَّه قد لاحظ بلا شكٍّ بأنَّه يجري الحديث في هذه التعاليم عن التوبة والتواضع والبكاء أمام الله من أجل خطايانا أكثر من أيِّ شيءٍ آخر . ولذلك سبق للآباء القدِّيسين أن كتبوا كتابات كثيرة للغاية حتى أنَّه يمكننا أن نجد في كلِّ كتابٍ آبائي وفي كلِّ صفحةٍ منه تعليمٌ من هذا النوع . ولكنَّه ورغم غرابة الأمر إنَّه في أيامنا هذه ينحرف المسيحيون عن هذا التعليم ( تعليم التوبة ) بالذات أكثر من أيِّ تعليم آخر ، كما أنَّهم يحرِّفون ويخالفون هذا القانون الّذي يُعدُّ من قوانين الحياة الروحيَّة الأكثر أهميَّةً . وهذا لا يحدث مصادفةً ! فباقتراب نهاية هذا الدهر يحلُّ زمن الانحراف العام عن الحقيقة ، زمن الإغواء الكامل للعالم من قبل الشيطان زمن الافتنان الروحي العام حيث أنَّه أخذ الناس يغرقون أكثر فأكثر في جميع شهواتهم وفي جميع خطاياهم وضلالاتهم .
إنَّ المرض الأول من بين أمراض هذا الدهر الّذي هو مرض الكبرياء يقوم برفع هامته أكثر فأكثر . وأما عن الأزمنة الأخيرة فهذا ما تنبأ به القدِّيس الرسول بولس بوضوح في رسالته : " لأَنَّ النَّاسَ يَكُونُونَ مُحِبِّينَ لأَنْفُسِهِمْ، مُحِبِّينَ لِلْمَالِ، مُتَعَظِّمِينَ، مُسْتَكْبِرِينَ، مُجَدِّفِينَ، غَيْرَ طَائِعِينَ لِوَالِدِيهِمْ، غَيْرَ شَاكِرِينَ، دَنِسِينَ، بِلاَ حُنُوٍّ، بِلاَ رِضًى، ثَالِبِينَ، عَدِيمِي النَّزَاهَةِ، شَرِسِينَ، غَيْرَ مُحِبِّينَ لِلصَّلاَحِ، خَائِنِينَ، مُقْتَحِمِينَ، مُتَصَلِّفِينَ، مُحِبِّينَ لِلَّذَّاتِ دُونَ مَحَبَّةٍ ِللهِ، لَهُمْ صُورَةُ التَّقْوَى، وَلكِنَّهُمْ مُنْكِرُونَ قُوَّتَهَا. فَأَعْرِضْ عَنْ هؤُلاَءِ." ( 2تيموثاوس3: 2-5 ) إلخ.. ويكون الآن أنَّ كلَّ أبٍ روحي يجتهد في مساعدة المؤمنين الآتين إليه كي يعالجوا عللهم الروحية يعرف مدى صعوبة هذا العمل في أيامنا هذه ، وإلى أيِّ مدى قد اقترنت هذه الأمراض الروحية مع نفوس الناس وإلى أيِّ مدى أصيب الجميع من صغيرهم إلى كبيرهم بالكبرياء الجنونية وحب المجد الذاتي ومحبة الذات ومقدار ثرثرتهم وجشعهم وكيف أنَّ الجميع قد أصبحوا منقادين بمشيئتهم غير طائعين وغير مصغين ، ليس لديهم الثقة بأحدٍ . إنَّ هذا من أسوء ما يمكن أن يكون في الحياة الروحية . اليوم نادراً ما يثق أحدٌ بمرشده الروحي إنَّه يتبع ما يقوله له ذهنه أكثر مما يقولونه له هم وأما تجاه الآباء الروحيين فإنَّه يتكلَّم معهم شكلياً فقط لأنَّ هكذا هو التقليد المقبول عندنا وأمَّا في الواقع فإنَّه يتكل على ذاته فقط .
عموماً فإنَّ صورة حياتنا الروحية اليوم تعدُّ مأساوية في حدِّ ذاتها وإن نظر أحد الآباء القدِّيسين الأقدمين برؤيته النقية إلى حياتنا فإنه ما كان ليحتمل هذا المنظر ولكان قد بكى بكاءً مرَّاً على نفوسِنا . كان لدى باخوميوس الكبير الّذي عاش في القرن الرابع للميلاد رؤيا من الله حول أنَّه كيف سيعيش الرهبان الآخِرون . إنَّه بعد تلك الرؤيا قد بكى وحزن طويلاً رافضاً أن يتناول الطعام ( مأخوذ عن سيرة باخوميوس البار 15 أيار ) . لكنَّنا نحن قد تعودنا بوضع مثل هذا الوضع إلى حدِّ أنَّنا أصبحنا لا نلاحظ حالتنا الّتي يُرثى لها . تنتشر الكثير من الشهوات في أيامنا هذه في الأوساط المسيحية ، يتعامل معها الناس وكأنَّها سمات من سمات الطبيعة البشرية الأظرف والأقل ضرراً على النفس البشرية ، لا أحد يرتعب منها أو على الأقل يقطعها بالرغم من أنَّ الكثير من هذه " الأفعال الجنونية " تقتل النفس بشكل مباشر وتزرع الموت الروحي من حول ذلك الإنسان الّذي يحمل تلك الشهوة المعينة ويعدي بها الآخرين أيضاً .
إنَّ هذه الحالة المأساوية تؤدي إلى انحراف مهلك عن الطريق الخلاصي كما أنَّه يُعبَّر عن تلك الحالة بسبب ترك التعليم الصحيح لآباء الكنيسة القدِّيسين وبسبب غياب معلِّمي التوبة الأوفياء وذلك لانعدام الرؤية الرعائية الخبيرة والدقيقة والحريصة على الرعية وبالطبع وقبل كلِّ شيءٍ فإنَّ هذه الحالة المأساوية التي يرثى لها يُعبَّر عنها في كون أنَّ المسيحيين قد أضاعوا ( أو بالأحرى ما وجدوا ) روح التوبة القويم والنظرة الصحيحة تجاه خطاياهم ، تجاه سقطتهم . أو ببساطةٍ : إنَّنا لا نعرف من نكون على وجه التأكيد أم ما هو موقفنا تجاه الله وكيف نبدو في عينيه ونجهل مدى جلال عظمته ومدى الشرِّ المعشش فينا .
إنَّ الأرثوذكسية تجيب على هذا كله ! إنَّ هذه الكلمة المقدَّسة تعبِّر عن أشياء كثيرة : إنها تعني تمجَّيد الله على نحوٍ قويم أي أن تُفهم عظمة ومجد الله على نحوٍ قويمٍ وصحيح وأن يُسبح لهذه العظمة باستحقاقٍ وأن يُمجَّد الضابط الكل خالق السماء والأرض كلِّ ما يُرى وما لا يُرى . ولكنَّ هذه المعرفة مرتبطةٌ بشكلٍ وثيقٍ بوعينا لسقطتنا الشخصية وعدم استحقاقنا وكوننا لا شيء بشكل قويم وصحيح وأن نلفظ بورعٍ اسم الله وأن نعظم الله وأن نحط من شأننا باستمرارٍ هذه هي الأرثوذكسية !
إنَّنا إن لم نبدأ بخنق وتوطئة كبرياءنا وذهننا المتكبر كما يطأ رئيس الملائكة ميخائيل في الإيقونة رأس التنين فإنَّ الشيطان ( بحسب تعبير القدِّيس ثيوفانُس السجين ) سوف يتجرأ مباشرةً لكي يعكس تلك الهيئة القويمة على نفسه وأن يُقدِّمَ أمامنا سقطتنا على أنَّها ليست مخيفةً بكلِّ هذا القدر وأمَّا سماتنا الحسنة وكأنَّها أكثر روعةً وأكثر تفاؤلاً مما هي عليه في الواقع . ومن هنا يكون مصدر الانحراف المشوه لرؤيتنا الروحية فعيننا تصبح مظلمةً ويحلُّ الظلام القاتم على نفسنا يا لعدد الكوارث التي تخرج من هنا !
إنَّنا لو تأمَّلنا بتأنٍ في تعليمِ كلِّ هرطوقي أو منشقٍ عن الكنيسة فإنَّنا سنتمكن من رؤية أنَّ انحرافه الأكبر يكمن في التوبة وفي استيعابه لكيفية نظر الله في قلوبنا ومدى مطالبه تجاهنا ومدى رحمته علينا . فعلى سبيل المثال يظنُّ الكاثوليك بأنَّ بإمكانهم أن يخلصوا بالأعمال الخارجية فقط وكأنَّهم يشترون خلاصهم بدون أن يُطهِّروا أعماق قلوبهم . أمَّا البروتستانت فبالعكس إنَّهم يظنُّون بأنَّ الإيمان وحده يكفيهم وأما الأعمال والتوبة فغير ضرورية وبأنَّ كلَّ خطايانا قد تمَّ تكفيرها من قبل السيد المسيح على الصليب : عليك أن تؤمن وتعترف بإيمانك بالأقوال فقط ويكفيك ذلك لتخلص . وتكثر الانحرافات في هذا المنحى ذاته أي الانحرافات حول المسائل مَن نحن كيف يجب أن نعيش لكي نحصل على رحمة الله وما هي الأمور التي نحن بحاجة لها من أجل خلاصنا أكثر فأكثر .
إنَّ دربَ الحياة الروحيَّة هو صعبٌ للغاية . حيث أنَّه ليس من السهل أن يتعلَّم الإنسان الفنَّ والموسيقى . تصوَّروا مقدار الجهد الّذي يتطلب أن يبذله الإنسان ومقدار المعارف والعادات والتمارين المختلفة التي يتوجب عليه أن يتمتع بها ومع ذلك كلِّه فإنَّه تتطور الكثير من العادات في مجال الفنون لاشعورياً حيث أنَّها من غير المستطاع أن يُعبَّر عنها وأن يتوصل إليها الإنسان بعقله . وبالإضافة إلى ذلك فإنَّ الكثير من الأمور يعود الفضل فيها إلى المعلِّم والمدرسة .
ولكن أليست الحياة الروحية أصعب وأكثر سرِّية من ذلك كله ؟ إنَّ كلَّ شيءٍ في هذه الناحية هو سرٌّ عظيمٌ ، حيث أنَّ كلَّ شيءٍ هو غير مرئي في هذه الناحية من الحياة . كيف لا وإنَّ هذا العلم يُعدُّ علم العلوم وفن الفنون! إذن كيف للإنسان أن ينشغل بالحياة الروحية من دون تفكير وتمعُّن متَّبعاً مشيئته بسبب نداءٍ داخليٍّ ملغوم وغير واضح وأن يستسلم إلى سلطان شعورٍ مجهول ينتابه وأن يحكم على تحرُّكات ومزاجٍ باطنية فقط من حيث النكهة الّتي تعطينا إياها ذلك المزاج وتلك التحرُّكات الباطنية . إنَّه وفي الحياة الروحية – وتعدُّ أخطارها أروع بكثيرٍ – حيث أنَّه من الممكن لنا هنا ألا نخسر سمعتنا وضعنا الاجتماعي بل أن نخسر الأهم الّذي هو حياتنا الأبدية . فإنَّنا نصطدم هنا بأقوى الأفعال المضادة للقوى الشرِّيرة سواء داخلنا نحن أو خارجنا حيث يلقى الإنسان السائر في هذا الدرب مكر أعدائه حيث أنَّهم يقذفونه بخداعٍ وفخٍّ يليهما خداعٌ وفخٌّ آخرين .
وفي النهاية إليكم المنظر الأليم : ثمة جمعٌ غفيرٌ من المسيحيين المفتونين روحياً . البعض منهم أضاعوا رُشدهم وهم يقومون بتصرُّفاتٍ رهيبةٍ ويُعلِّمون ويُبشِّرون بأمورٍ لا معنى لها . حيث أنَّه قد بدأ التعليم الآبائي الحقيقي الأرثوذكسي المتواضع قد بدأ يُحرَّف ويُنسى وإنَّ كلَّ هذا الافتنان الروحي يٌبلَ اليوم على أنَّه ظاهرةٌ طبيعيَّةٌ حتَّى أنَّ كل مظاهر الانذهال والحماس الروحي والتعصُّب الّتي ترتكز على الانخداع الذاتي تُقبل اليوم من مظاهر " تيقٌّظ الإيمان " وبداية " حقبةٍ جديدة " ( ( New ageعلى أنَّها من عمل النعمة الإلهية .
الكاتب : الأرشمندريت لعازر أباشيدزي
من كتابه الضعفات الروحية للنفس البشرية

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات