هل يتمُّ شفاء النفس بسرعةٍ؟ وهكذا من الواضح أنَّ عمل الخلاص برمته يجري من خلال معرفة سقوطنا الذاتي ، ومن خلال تواضعنا واعترافنا بأنَّنا غير مستحقين للمواهب الروحية أياً كان نوعها ، ومن خلال احتمالنا لجهود التوبة بصبرٍ وعدم السماح للتسرع أن ينتابنا أثناء انتظارنا لعلامات شفائنا . والأمر الأخير هو مهمٌّ جدَّا أي ألا نتسرع ! فالكثيرون يتعثرون بذلك : حيث أنَّنا جميعاً نتسرَّع ونرغب على الفور في رؤية أثمار تعبنا . إنَّنا نتوقع رحمة عظمى كجزاء لتوبتنا الصغيرة وبعدما أن نكون قد بكينا مرةً على أنفسنا نبدأ بانتظار ظهور ملائكةٍ وعلامات الرضا الإلهي تجاهنا حيث أنَّنا قد صرنا مستحقين لمواهب الروح القدُس الكثيرة . من هنا ينبع الافتنان الروحي المتكرِّر . ولكن ليس هذا بالضبط هو ما يعلِّمنا إيَّاه المجاهدون الأرثوذكسيون . حيث أنَّه يظهر بوضوحٍ من الكتب الجامعة المتضمنة تجربتهم الروحية على أيَّة قدر من التعقيد والاستمرار والصعوبة هي طريق تطهير النفس البرصة حتَّى ولو كان ذلك في أفضل شروط الشفاء المتوفرة في الأديرة والبراري . أليست الجبال البرية والأودية الخالية والغابات الكثيفة الّتي كان الكثيرون من الآباء يمارسون مسعاهم فيها وغياب أيَّة علاقة مع العالم وغالباً غياب العلاقة بالناس حتى بالإضافة إلى الصوم الأكثر صرامة والصلاة الغير المنقطعة التي تتم في الاتكال العظيم والتام على الله والبكاء الذاتي الغير المنقطع ومساعي المجاهدين القدِّيسين الأخرى الأكثر سمواً في حدِّ ذاتها ، أليست كلُّ هذه أقوى الوسائل المضادة لكلِّ جذور الخطيئة العميقة ؟ يبدو للوهلة الأولى أنَّه من المفروض على إنسانٍ قبل طريقة عيش كهذه أن يتطهر كلياً في مدة وجيزةٍ من الزمن من كلِّ أهوائه وحتى أن ينسى عن وجود الخطيئة تماماً . ولكن في الواقع الأمور لا تجري على هذا النحو . لقد قضى المجاهدون القدِّيسون الكثير والكثير من السنين والعقود في صراعٍ حاسم مع أفاعي الأهواء المعششة فيهم قبل أن يتحرَّروا من تلك الأهواء وقبل أن يُميتوهم ويبلغوا إلى سلامهم الروحي . كان الأنبا إشعياء يقول : " تحتفظ الأهواء حتى نهاية الإنسان ذاتها بقدرتها على الاشتعال فيه وليس معلوماً لديه متى وأيَّة نوعٍ من الأهواء سيقوم فيه ولهذا السبب لا ينبغي له ما دام حيَّاً أن يتوقف عن مراقبة قلبه بعنايةٍ بل عليه أن يصرخ نحو الله دون انقطاعٍ طالباً منه المعونة والرأفة " ( 11 العظة 128 ص 58 ). إنَّ مريم المصرية الّتي انصرفت إلى برية الأردن للتوبة عاشت هناك سبعةً وأربعين عاماً بدون أن تلتقي بأيِّ إنسانٍ وبدون أية مأكلٍ أو لباسٍ بل إنَّها كانت تقتات بجذور النباتات فقط . لقد حاربت مريم أفكارها طوال سبعة عشرة وكأنها تصارع الوحوش الضارية . وعند تناولها لقوتها المتواضع كانت تأتيها مباشرة أفكارٌ لتجعلها تشتهي اللحم والسمك كما كانت تشتهي الخمر وكانت تتولد لديها رغبةٌ بغناء الأغاني الغرامية كما أنَّها كانت تتردَّد على مسامعها وتحبط قلبها وأذنيها . كانت مريم تبكي وتصرخ بحزنٍ نحو السماء طالبة الإغاثة من الله . وكانت نار الأهواء تشتعل في قلبها وتحرقها بكليتها موقظةً بذلك أهواءً لاذعةً . أمَّا مريم فكانت تخرُّ أرضاً وتبقى مستلقيةً هكذا طوال الليل والنهار إلى أن تتمَّ توبتها وتطرد رحمة الله الإحباط الشرِّير منها . وكانت ظلمةٌ تلو الأخرى ومصيبةٌ تلو الأخرى تهاجمها طوال سبعة عشرة سنةً . وبعد ذلك فقط ظهرت لها والدة الإله الفائقة القداسة لتكون معينةً لها وبدأت تقودها طاردةً كلَّ إحباطٍ للمعصية من نفس مريم المصرية . ( سيرة مريم المصرية البارَّة ، الأول من نيسان ). كان يوحنَّا الكثير الآلام البار يعيش جهاده الروحي في دير اللافرا في كييف وكان يعاني كثيراً من شهوة الزنى . ولم يكن في وسع أيَّ شيءٍ إنقاذه من هذه الحال لا العطش ولا البرد ولا السلاسل الثقيلة . حينئذ سجن القدِّيس نفسه في كهفٍ حيث تعارك مع هذه الشهوة في صراعٍ دامٍ . وقد وصل به الأمر إلى حدِّ أنَّه كان يطمر نفسه في التراب حتى الركب ولكنَّ نار الشهوة لم تكن لتتركه . وكان الشيطان بين الحين والآخر يظهر للمجاهد على شكل تنينٍ معذِّباً ومندِّداً به بشدةٍ . وفي النهاية خلَّص الرَّبُّ عبده بعد مدة ثلاثين سنةً قضاها الشيخ مسجوناً في كهفٍ وبعد كلِّ هذه الكروب الكثيرة . حينئذٍ تركت الشهوة يوحنَّا وأنار النور الإلهي المجاهد القدِّيس . ( سيرة يوحنَّا الكثير الآلام البار ، الثامن عشر من تموز ). كان الأنبا عمُّون يقول :" لقد قضيت أربعة عشر عاماً في الإسقيط حيث كنت سائلاً الله أن يمنحني الغلبة على الغضب ." ( 11 العظة 50 ص 6 ). إنَّ أحد النساك الّذي كان ساكناً في البرِّية وكان معذَّباً من شهوة الزنى بشدَّةٍ ذهب ذات مرَّة إلى الشيوخ طالباً منهم الإرشاد والصلاة . وبعدما عثر على الأنبا بمبو أعظم الشيوخ وأمهرهم في الحكمة والمسعى روى له عن صراعه . أمَّا هو فعزاه وأرشده . كما أنَّه قال عن نفسه :" أترى كم أنا هرمٌ إنَّني أعيش منذ سبعين سنةً في هذه القلاية وأهتمُّ بخلاصي . إنَّني بالرغم من شيخوختي أتحمَّل التجارب والمصائب حتى يومي هذا . صدقني يا بنيَّ إنَّه طوال اثنتي عشرةَ سنةً خلت لم يتركني روح الزنى أرتاح لا في الليل ولا في النهار حيث أنَّه كان يُهاجمني باستمرار بأفكارٍ وأمنياتٍ نجسة . " وروى له الشيخ أيَّةَ صراعٍ ثقيل وعنيد قد خاضه مع روح الزنى وكيف أنَّه كان يقع في الحزن واليأس مرَّاتٍ كثيرة وكيف أنَّه بعد زمنٍ طويل حرَّره الرَّبَّ بعد أن علَّمه معرفة ضعفه والاتكال على المعونة الإلهية وليس على مقدرته . ( 11 ). كان أحد الشيوخ المصريين يقول :" ليس ثمةَ شيءٌ أسوء من العادة الخاطئة فالمصاب بعادة خاطئة يحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت ليتحرَّر منها ." ( 11 العظة 346 ص 20 ). وهكذا فإنَّنا نرى بأنَّ الأهواء لا تُقلَع بسرعة . لكن من المهم أن نلاحظ أيضاً بأنَّه ليس من المفيد بالنسبة لنا أن نحصل على خلاصٍ فوري منها . بالطبع فإنَّ الرَّبَّ بإمكانه أن يُطهِّرنا في ثوانٍ من كلِّ ضعفاتنا ولكنَّ تواضعنا وحالة توبتنا وصلاتنا هي أكثر إرضاءً بالنسبة له وأمَّا تحرُّرنا السريع من عللنا فيمكن أن يثير مزاج الكبرياء والاكتفاء الذاتي النفسي الكسول فينا . وقد كان الآباء القدِّيسون يرون ذلك بوضوحٍ . هكذا على سبيل المثال كانت الأم سارة تُهاجم من قبل روح الزنى طوال مدة ثلاثين سنةً ولم تطلب من الله أن يتركها هذا الصراع ولكنها طلبت منه أن يمنحها الشجاعة والصبر في صراعها هذا ." ( 11 العظة 328 ص 1 ). سأل يوحنَّا كولوف من الله أن تؤخذ منه الميول نحو الأهواء والشهوات . شعر يوحنَّا لوقته براحةٍ لا يُعكِّرها شيءٌ . حينئذ ذهب يوحنَّا إلى أحد الآباء وقال له :" إني أرى نفسي مرتاحاً بدون أية صراعٍ ." اذهب واطلب من الله أن تسترجع لك الصراعات وذلك الانسحاق القلبي والتواضع التي كنت تمتلكها قبل ذلك : لأنه بالصراع توفق النفس ." طلب يوحنَّا من الله استرجاع الصراعات وعندما حلَّت عليه لم يطلب بعد أن يتمَّ تحريره منها بل كان يقول :" يا ربي ! هبني الصبر في الصراع !" هذا هو التعليم الأرثوذكسي ! ليس علينا أن نبحث عن الراحة ولا التحرُّر السريع من كلِّ شيءٍ حزينٍ وثقيل وليس علينا حتى أن نرغب في التطهير الفوري من كلِّ أهوائنا بل علينا أن نطلب فقط ذلك القلب المتخشع والمتواضع الّذي " لن يرذله " الله ( المزمور51: 19 ) والّذي يعدُّ الشيء الوحيد المرضي لدى إلهنا الّذي يكون كلُّ شيء " طاهر " في عيوننا هو ترابيٌّ ونجسٌ أمام عينيه وحتَّى السماوات نفسها هي في عينيه غير طاهرة . يا لتناقض الموجود بين العديد من التعاليم والأمزجة الدينية المعاصرة وروح الانسحاق هذا وما أوسع انتشار البحث عن تعزيةٍ روحية وعن حالة ما تحضر فيها اللذة ويغيب فيها الحزن عدم المبالاة وكأنَّها حالة النعيم " الفردوسي " ولكن هنا على هذه الأرض بدون أن نمرَّ من خلال طريق التطهير والاغتسال من أمراضنا الروحية . وتجتهد تعاليمٌ دينيةٌ كهذه ألا تقف هذه الأمراض الروحية عائقاً أمام رقابة الإنسان وأن تخلق له أوهاماً بالصحة الروحية كما أنَّها تدعوه إلى التمتع بصحة روحية كاذبة وكمالٍ روحي مبتكر ويسكن في راحةٍ مخادعة فيما يتعلق بمصيره الآتي ويُروَّع بوهم السعادة والانسجام في نفسه وأن يحمل في الواقع بذور الحزن الأكبر فيها مولِّدة حزن رهيب الّذي سينكشف في اللحظة عندما سيؤخذ من إنسانٍ مفتونٍ كهذا ستار الكذب الّذي كان يخفي عنه مجرى الأمور الحقيقي . يا لاتزان وتعزية إيماننا الأرثوذكسي ! علينا أن نحزن . علينا أن نحزن هنا على هذه الأرض : علينا أن نحزن من الشياطين والناس من ضعفاتنا الجسدية والروحية علينا أن نبكي ونئنَّ حتى نهاية حياتنا الأرضية الفانية هذه وليكن كلَّ شيءٍ لذيذٍ ومعزي بالنسبة لنا هناك في الحياة الأبدية ! أليس أنه في هذه الحياة الزمنية المتغيرة ليس من المؤمل أن يكون لدينا شيئاً ثميناًُ . لا ينظر الناس المفتنون إلى الأمراض الروحية من خلال هذا المنظار فإنَّ أولئك الّذين لم يقبلوا طريقة التوبة من كنيستنا المقدَّسة ومن الآباء القدِّيسين وأولئك الّذين لا يثقون بالتعليم الأرثوذكسي فإنهم يحلُّون كلَّ شيءٍ بجرأةٍ فكلُّ شيءٍ بالنسبة لهم في منتهى البساطة . لقد حظيت بحضور نقاش أحد البروتستانت الخمسينيين مع المسيحيين الأرثوذكس . لقد كان الخمسيني يتهم الأرثوذكس بالبرودة وغياب المحبة تجاه الله والروح الفريسية . كما أنه كان يُفسِّر اعترافهم بضعفهم الروحي وبأنَّهم ممتلئون بالشهوات والأهواء بعدم مبالاتهم وعدم رغبتهم في الاستسلام الكلي " للنعمة " حيث أنَّ السبب يكمن فيهم أنفسهم حيث أنَّهم لو أرادوا لتمكنوا في لحظةٍ واحدة من التحرر من كلِّ شهواتهم وأهوائهم ولكي يتمَّ ذلك فهم بحاجةٍ فقط إلى الحزم وحركة توبة روحية قوية فتتبخر خطاياهم كلَّها مثل النار مباشرة وستحرِّر " النعمة " مباشرة وبالكلية الإنسان التائب حتى من ميله نحو الخطيئة وستحرق توبةٌ كهذه مباشرة كلَّ خطيئةٍ موجودة في النفس ومن ثمَّ سيحلُّ النور والمعرفة الإلهية على الإنسان . ولذلك فإنَّ كلَّ شيءٍ يكمن في الاختيار والحزم وما إلى ذلك . وإنه هو بالذات قد أحسَّ شخصياً مباشرة عند أول فعل " للتوبة " بهذا التحرُّر وحصل على " نعمة الروح " ومنذئذٍ تغيَّرت حياته كلِّياً وإنه يحسُّ بمحبة غير اعتيادية تجاه الآخرين باستمرار وبجاهزية بالتضحية بذاته من أجل الله وبأنَّه مستنير " بنورٍ " وبأنه يشعر بسعادة غير عادية . كما أنَّه قد روى عن معجزاتٍ عجيبة التي تحدث له ولأفراد من عائلته بدون انقطاع منذ ذلك الحين ( إنَّهم قد تحوَّلوا بشكلٍ عجيب بعد " معموديتهم " عند الخمسينيين كذلك أيضاً مثله ). إنَّ جميع اعتراضات الأرثوذكس ورغبتهم بحمايته من معجزات كهذه ومحاولاتهم العديدة أن يُسلِّموه التعليم حول عدم الثقة بالذات والخلل العميق للنفس البشرية كانت فقط دليل جديد بالنسبة إلى ذلك المفتون على استقامته كما أنهم بذلك أقنعوه مجدداً أنهم بسبب عدم اكتراثهم وخوفهم وقلة إيمانهم وبسبب تمسكهم بقوانين كنسية ميتة وبسبب " روحهم الفريسية فقد الأرثوذكس كلَّ شركةٍ مع الله ." وقد بقي ذلك الخمسيني على هذا الرأي . تجدر بنا الملاحظة بأنَّه من منظور خارجي فإنَّ السهر والحيوية والانفعال الّذي يبدو مقدَّساً والغيرة ونكران الذات والجاهزية للقيام بأيَّة مسعىً روحي وعلامات أخرى منظورة لأناسٍ كهؤلاء تخلق لهم صورةً فاتنة بالنسبة للكثيرين أكثر جاذبيةً من صورة الإنسان المسيحي الأرثوذكسي المتواضع الّذي يحزن على نفسه والّذي لا يرى في نفسه شيئاً حسناً والّذي يمسك نفسه والّذي يبدو مضغوطاً أحياناً .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات