يوحنا الذهبي الفم في التقليد البيزنطي
يعتبر القديس يوحنا الذهبي الفم واحداً من أهم آباء التقليد البيزنطي نظراً لما قدَّمه لهذا التقليد من كتاباتٍ وشروحاتٍ وتفاسيرَ متعددةٍ ومتنوعةٍ ولما ساهم فيه من إغناءٍ لليتورجيته. فبالإضافة إلى الأفاشين المتنوعة والتي من أهمها ما وُضع ضمن ما يعرف بصلاة المطالبسي (صلاة قبل المناولة) وإلى الصلاة الجميلة التي تقال على عدد ساعات الليل والنهار الأربع والعشرين، هناك ميمره المعروف والمحبوب الذي يقرأ في قداس عيد الفصح وهناك أيضاً، وهذا يعتبر قمة تقدماته الليتورجيّة، القداس الذي عُُرف باسمه: قداس يوحنا الذهبي الفم والذي يقام كل أحد من آحاد السنة باستثناء عشر مرات يقام فيها قداس القديس باسيليوس الكبير.
أصل القداس وتاريخيته:
يشير القديس ليونديوس البيزنطي 532 في معرض حديثه عن الليتورجيا إلى قداس الرسل وقداس باسيليوس الكبير فقط ولا يرد على ذكر قداس يوحنا الذهبي، ولكن كثيراً من الدارسين يؤكدون أن القداس المشار إليه بقداس الرسل هو القداس الذي تكون في أنطاكية حوالي 350 م والذي هو أساس القداس المعروف اليوم بقداس القديس يوحنا الذهبي الفم.
هناك أيضا مخطوطات قديمة تذكر أن أفاشين قداس الموعوظين وأفشين تحضير الذبيحة بالإضافة إلى أفشين وراء المنبر "ΟΠΙΣΘΑΜΒΩΝΟΝ" هي للقديس يوحنا الذهبي الفم. كما أن الدراسات الحديثة تؤكد بالإضافة إلى ذلك أن قسماً كبيراً من باقي القداس له ما يماثله في كتابات قديسنا لهذا اتفق الجميع، رضىً وعدلاً، على إطلاق اسمه على كامل القداس. ويمكننا إعطاء المثال التالي نبين فيه أنه هناك أفاشين في القداس الإلهي لها صدى في كتاباته1:
افشين التقدمة من كتابات الذهبي الفم
غير الموصوف، غير المدرك، الذي هو غيرُ موصوفٍ وغير مدرك غير المنظور، الدائم الوجود وغير منظور، الدائم وجوده
هذه المعلومات كانت كافية لإقناع الجميع أنه تحت إشراف هذا القديس تم تشكيل قداس في القسطنطينية يحتوي في أساسه نواة القداس الذي كان معروفاً في العصر الرسولي وما بعده، بالإضافة إلى بعض الأفاشين التي أضيفت إليه في أنطاكية قبل زمن الذهبي الفم ثم قام هو نفسه بإضافة أفاشين آخر فحصلنا على الشكل الحالي المعروف لدينا الذي تؤكد الدراسات أنه على الأغلب قد اخذ شكله النهائي حوالي القرن الثامن الميلادي. هذا القداس الذي يحتوي على نواة القداس الرسولي ابتدأ بالانتشار منذ عهد الذهبي الفم كرئيس أساقفة للقسطنطينية وأخذ تدريجياً يحل محل الليتورجيات الأخرى والأسباب الرئيسة وراء ذلك كانت2:
1) أنه يحتوي على هيكلية متناسقة.
2) خدمته واضحة وبسيطة.
3) افاشينه قصيرة.
4) غني بالعناصر اللاهوتية التي تبني المؤمنين وتدحض الهراطقة.
هكذا إذا يمكننا الافتراض من كل ما تقدم أن القديس يوحنا الذهبي الفم استخدم نواةَ قداسٍ كان معروفاً في منطقة سوريا حوالي القرن الرابع وكان مستخدماً في كل كنيسة أنطاكية. وحين انتقل إلى عرش القسطنطينية (398-404) اخذ معه هذه الخدمة وأضاف إليها بعض الأفاشين فطبعها بطابعه الخاص.
قداس يوحنا الذهبي الفم:
يتكون القداس من قسمين رئيسين: 1) قداس الموعوظين- 2) قداس المؤمنين.
اليوم بالرغم من عدم وجود موعوظين كما كان الحال عليه في القرون الأولى فإن القسم الأول من القداس باق ولكن هناك بعض الطلبات والإعلانات التي تُحذف عادة وخاصة في الرعايا كنتيجة للوضع الجديد.
أحد الباحثين الغربيين يصف قداس الذهبي القول قائلا: "في هذه الخدمة يجد المرء ترابطاً بين العظمة البشرية والسر الإلهي ... فيها يجد البشارة بتجسد وحياة وموت وقيامة السيد. فيها يجد المرء أيضاً البساطة الطفولية والفلسفة العميقة، الإحساس بالغبطة والشعور بنخس القلب، البهاء العظيم واللمعان المتواضع. لا يوجد ولا أية خدمة ليتورجيّة أخرى تحتوي على كل الاهتمامات الأرضية والآمال السماوية. ولا خدمة أخرى تليق بالقيمة الإنسانية وبالجلال الإلهي، إنها رتبة الرتب الكنسية".
هيكلية القداس البيزنطي:
يسبق القداس الإلهي عادة فترة تحضير يأخذ فيها الكاهن ما يعرف باسم "الكيرون" وهو الإذن للقيام بالقداس الإلهي: صلاة يصليها الكاهن من أجل أن يؤهله الرب للقيام بالقداس. (في حال وجود رئيس كهنة يتم اخذ الكيرون منه مباشرة). ثم يلي ذلك ارتداء الكاهن للملابس الكهنوتية الخاصة بالقداس ليبدأ بعدها بإعداد الذبيحة في المكان المخصص لذلك (المذبح).
القداس البيزنطي يتكون من الأقسام التالية:
1) البداية "مباركة هي مملكة الآب والابن والروح القدس"- 2) الطلبة السلامية الكبرى- 3) الأنديفونات الثلاث (الأنديفونة الأولى: مزمور 102 أو بشفاعات والدة الإله- الأنديفونة الثانية: مزمور 145 أو خلصنا يا ابن الله- الأنديفونة الثالثة: التطويبات (متى 1:5-12)- 4) الدخول الصغير بالإنجيل والطروباريات والقنداق- 5) التسبيح الثالوثي- 6) القراءات: الرسالة والإنجيل- 7) الشروبيكون والدخول الكبير بالقرابين- 8) الأنافورا وقانون الإيمان- 9) الصلاة الربانية- 10) الكينونيكون- 11) المناولة- 12) الشكر وأفشين خلف المنبر- 13) الختم.
القداس الإلهي كأول اهتمام من اهتمامات الذهبي الفم:
كما كان شخص يسوع المسيح وأعماله هما محور لاهوت القديس يوحنا الذهبي الفم هكذا كان سر القداس الإلهي الاهتمام الأساسي له كلاهوتي وراعٍ. حاول جاهدا أن يشرحه وان يهيئ المؤمنين للاشتراك به. لا أحد، لا قبله ولا بعده، أصر مثله على التحليل اللاهوتي لسر الشكر ولا أحد استطاع أن يوضح ذلك بطريقة بسيطة ومقنعة في نفس الوقت.
هكذا في كتاباته لدينا واقعية كبيرة ربما هي الأكبر في تاريخ اللاهوت والتي كانت تزعج اؤلئك الذين، بكلامهم أو بصمتهم، لم يكونوا يتوافقون معه. كان الإزعاج كبيرا لأن الذهبي الفم كراع ومعلم كان يشعر بضرورة استخدام صور ورموز من الحياة اليومية للوصول إلى هدفه. تلك الصور كانت مرتبطة غالباً بالطعام وبطرق الأكل والشرب. هذه الأمور وُصفت على أنها (شارعية) وتحط من قيمة وعظمة السر الإلهي الرهيب ولكنها حقيقة يجب أن تفهم في إطار محاولات الذهبي الفم لتعليم وشرح وإفهام وتهذيب وتثقيف المؤمنين الذين كانوا على معرفة لاهوتية ضئيلة إن لم تكن معدومة. الذهبي الفم اضطر لأن يشرح ما يحصل في القداس الإلهي بشكل مبسط لأنه لم يسبق لأحد قط، ولا حتى الأنبياء، أن تكلموا عن سر فيه يتم أكل جسد للحصول على الخلاص! حتى الملائكة كانت تجهل هذا السر وهي حتى الآن في كل مرة يقام فيها هذا السر تنظر بورع وخوف إلى ما هو حادث3. في هذا السر يشترك المؤمنون –الممثلون الشيروبيم- مع الملائكة بحال سري غير منظور ليتمموا معاً هذه الخدمة التي تليق بالسيد (رئيس الكهنة الأعظم) فتتكون لدينا خلال إتمامها الكنيسة كاملة -الظافرة والمجاهدة. هكذا تصبح خدمة القداس الإلهي عمل مشترك بين البشر والملائكة الذين يعملون ويمجدون معاً أبوة وصلاح الله ويرتلون معا الترنيم المثلث تقديسه فتتحد السماء مع الأرض والمرئي مع غير المرئي والعبادة البشرية العقلية تدخل السماء. هذه الوحدة خلال القداس الإلهي هي الدليل القاطع والحي على إمكانية شركة الإنسان في حياة الثالوث الأقدس4. هكذا نستطيع أن نفهم أنه بينما تحاول الخدم الليتورجيّة عادة إنزال السماء إلى الأرض تحاول خدمة القداس رفع الإنسان إلى السماء "لنرفع قلوبنا إلى فوق" ليدخل في السر الإلهي .
إن القداس الإلهي الذي يقيمه الكاهن يتطابق تماماً مع العشاء الذي أقامه السيد مساء الخميس العظيم في العلية (مر 15:14- لو 12:22) طالما أن السر يقام بواسطة "المُقدس" وبه يتم تحويل الخبز والخمر إلى جسد ودم السيد. ليس من سبيل العبث إذا أو من سبيل الصدفة أن يشدد الذهبي الفم على موضوع مطابقة العشاء السري مع القداس الإلهي الذي يقام الآن طالما أنه كان هناك مشككون ووجب عليه كراع أن يشدد المؤمنين بشكل لا يتزعزع وينبههم إلى قداسة وأهمية أسرار الكنيسة. القداس الإلهي ليس فعلا نتذكر به ببساطة العشاء السري وما حدث في العلية أو الحدث الذي تممه السيد مع تلاميذه بل هو فعل مطابق تماما لما حصل وتم من نفس الشخص أي من السيد المسيح ذاته.
هذا الفعل ممكن وهو حقيقة لأنه منذ العنصرة وحتى الآن ما زال عمل السيد المسيح مستمرا بواسطة الروح القدس، الأقنوم الثالث من أقانيم الثالوث الأقدس والمساوي للآب والابن في الجوهر. هكذا الكاهن يصلي ويعمل وينجز ولكن كأداة لله فقط. السر يتم بواسطة الروح القدس الذي يستدعيه الكاهن أثناء إقامة السر. نعمة وقوة الروح القدس تحول القرابين، الخبز والخمر، إلى جسد ودم السيد عينهما. هذا من المستحيل أن تقوم به الطبيعة البشرية ولكنها بفعل الروح القدس تتم ذلك وتصبح كنيسة. في حديثه عن الكهنوت يوضح قديسنا بشكل لا مجال فيه للريبة أن الكاهن يستدعي الروح القدس من أجل إتمام السر ومن اجل السكن في نفوس المشتركين في هذا السر ليصبحوا مستعدين روحياً لهذا الحدث الجلل: " أيها الرب الإله الضابط الكل ....أهلنا لأن نجد نعمة أمامك ...ويحل روح نعمتك الصالح علينا وعلى هذه القرابين المقدمة وعلى شعبك كله..".
هكذا بالرغم من التشديد الكبير على موضوع "استدعاء" الروح القدس فإن الذهبي الفم لا يفتر يُذكر دائماً بالتطابق بين سر الشكر وبين العشاء السري مؤكدا أن "المُقدس" في العشاء السري هو نفسه الذي يقدس القرابين في القداس الذي يقام اليوم5.
حقيقة الافخارستيا:
منذ زمن القديس اغناطيوس المتوشح بالله الذي كتب في أوائل القرن الثاني الميلادي فإن الكنيسة تعيش وتعلّم حقيقة الافخارستيا ولكن مع كتابات الذهبي الفم فإننا نجد كتابات تحتوي على أعمق وأقوى التعاليم والتحاليل الخاصة بسر الشكر. قديسنا يستند في تحليله ليس فقط على الكلمات التأسيسية التي تفوه بها السيد المسيح خلال العشاء السري ولكنه يستند أيضاً على اللاهوت البولسي عن حقيقة جسد المسيح الذي نتناوله.
الإنسان -عضو الكنيسة- يولد ويحيا وينمو، بكل معنى الكلمة، في المسيح الذي يتناوله جسداً ودماً في القداس الإلهي. هكذا تتحقق الشركة أي الوحدة بين الإنسان المؤمن والمسيح وفي نفس الوقت بين كل المؤمنين أعضاء الكنيسة.
قديسنا، محللاً حقيقة سر الشكر، يفصل بين الأخلاقيات وبين السر فيقول أنه في السر ليس الأمر مجرد محبة تولد بداخلنا نحو السيد إنما هو تناول وبشكل مباشر لجسد المسيح. المحبة تتولد تماماً من أكل الجسد أي عن طريق اتحاد كل المؤمنين بالمسيح حيث يصبحون جسماً له رأس واحد، المسيح. هذا يعبر بالتأكيد عن "الرغبة و الشوق" الذي يكنّه المسيح لنا ولكن أيضاً عن "الشوق والرغبة" التي يجب أن نشعر نحن بها تجاهه. كثير من المسيحيين يقولون اليوم: "ليتني شاهدت شخصه وأبصرت مُحيّاه ولمست ثيابه وحذائه!" والحال أنك تراه وتلمسه لا بل وتأكله.
قمة محبة الله لنا، بالنسبة للذهبي الفم، هي أن السيد لم يكتفِ بأن يظهر على الأرض أي بأن يجعلنا نراه فقط. فلم يهبنا إمكانية رؤيته فقط بل أراد أن نذوقه فعلاً ونمضغه بأسناننا وأن نأكل جسده.(مثل هذه الصور والتشابيه أدينت من قبل بعض اللاهوتيين الغربيين نظرا للتشابيه اليومية التي يستخدمها القديس كما ذكرنا أعلاه).
في الديانات الأسرارية كل سر هو فكرة أو رمز لفكرة. القداس هو الحدث نفسه معبراً عنه بكلمات ومواد. كل ما يعلن هو حقيقة وليس رمز. لهذا يؤكد قديسنا أن الدم الموجود في الكأس المقدسة والذي يتناوله المؤمنون هو نفسه الدم الذي أهرق من جنب السيد على الصليب (في بعض أيقونات الصلب نرى ملائكة تحمل كأسا تستقبل فيه الدم المهراق من جنب السيد).
الاتحاد الذي يحصل في سر الشكر بين المؤمن والسيد المسيح هو اتحاد حقيقي كما هو الاتحاد بين الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية في شخص المسيح نفسه6. هكذا فإن الشيء الذي نتحد معه في المناولة هو الجسد المؤلَّه للمسيح أي هو نفس الجسد الذي صعد إلى السموات وجلس عن يمين الآب على العرش السماوي7. علاوة على ذلك فإنه لن يكون للمناولة معنى خلاصي إن لم تكن وحدتنا مع جسد المسيح الإلهي-البشري وحدة كيانيّة. هذا الجسد الذي يُعطى لنا بالمناولة كطعام يقودنا إلى الحياة الأبدية، إلى حياة خالدة خالية من الموت.
القداس الإلهي كذبيحة:
في هذا الموضوع أيضا فإن الذهبي الفم يتعمق ويحلل ويقدم للكنيسة شروحات وتفسيرات لم تعرفها من قبله بهذا الاتساع والشمولية.
كل التدبير الإلهي للابن، من لحظة تأنّسه وحتى لحظة صعوده هو ذبيحة وفي نفس الوقت تقدمة. أي أن السيد المسيح قدم نفسه ضحية للآب السماوي وتلك الضحية بدأت مع تجسده واكتملت على الصليب.
ذبيحة المسيح لها نفس شكل ذبيحة رئيس الكهنة في العهد القديم. هذا كان يدخل مرة في السنة إلى قدس الأقداس وهناك كان يقدم ذبيحة (ضحية). كان يضحي بحيوانات عن خطايا الشعب. الآن مع المسيح الذبيحة هي المسيح نفسه الذي أُجبر من فيض محبته للبشر ليس فقط أن يتأنّس ولكن أن يذوق الموت أيضا لأنه بذلك ستصبح ذبيحته مفهومة أكثر وسيكون لكل التدبير الإلهي الخلاصي نتائج ملموسة وحقيقية.
لكن هذه الذبيحة لا تقدم في قدس الأقداس حيث الهيكل في العهد القديم بل في السماء نفسها حيث الذبيح كائن، كما يؤكد الذهبي الفم8. هذه التقدمة التي اكتملت بصعود المسيح تبين السبب الذي من أجله توصف ذبيحة المسيح على أنها تقدمة ورفع ((προσφορά και αναφορά .
رئيس الكهنة في العهد القديم كان يعيد الذبيحة كل سنة لأن ذبيحته لم تكن شافية بالكلية للشر والخطيئة والمرض الروحي للبشرية. بينما ذبيحة المسيح كانت كافية للأبد لأنها قضت على قدرة وتسلط الشرير. الذبيحة في العهد القديم كانت رمزاً لذبيحة المسيح.
يمكننا أن نفهم الفرق بين الذبيحتين إذا قارنا بين صورة إنسان مثلا وبين الإنسان المصوّر فيها. الصورة تبين شكل الإنسان المصوَّر ولكن القيمة الكبرى هي للإنسان نفسه لا للصورة9.
القداس الإلهي هو "ذكرى" الذبيحة الواحدة:
قسم كبير من مستمعي الذهبي الفم في أنطاكية كانوا من اليهود الذين كانوا يعيشون حياة دينية ملتزمة وهذا النوع من اليهود كان موجودا أيضا في القسطنطينية. هكذا عندما ميّز قديسنا بين تقدمة رئيس الكهنة وبين تقدمة المسيح أثار ذلك ردود فعل مبررة في صفوف اليهود أولاً وفي صفوف المسيحيين ثانياً طالما كان هؤلاء يتساءلون عن حق أيضا: "ونحن نقيم الذبيحة الإلهية مرات عدة مرات حتى وكل يوم أحيانا!!".
إجابة الذهبي الفم أنه عندما نقيم القداس نصنع "ذكرى" موت المسيح نقيم ذكرى نفس الذبيحة التي قدمها المسيح، ليست هي ذبيحة جديدة وليست ذبيحة أخرى كما كان يفعل رئيس الكهنة في العهد القديم. في قداسنا، القرابين، أي تقدمات الذكرى، يشكلون بذاتهم المسيح المذبوح. هذه المواد هي الذبيحة التي يقدمها المسيح للآب السماوي في قدس الأقدس في ملكوت الله.
المقدِّم في القداس هو دائما واحد وهو دائما المقدَّم. ولأنه دائماً هو فنحن لا نعمل ذبيحة جديدة، ولكن "ذكرى" نفس الذبيحة ونفس التقدمة. ذبيحة المسيح هي هي وستبقى غير مستنفذة ولهذا ليس هناك من حاجة لذبيحة جديدة وليس من حاجة لإعادة الأحداث التي جرت في عهد بيلاطس البنطي في فلسطين. لا يصلب المسيح تاريخيا في كل مرة تقيم فيها القداس الإلهي ولا يقول "قد تم". الذبيحة الآن هي "غير دموية" وهي قد سُبق وأشير إليها في ذبيحة إبراهيم وولده اسحق. كل هذه الأمور التي تحدث في القداس الإلهي تصبح حقيقية بطريقة أخرى. هذه الطريقة تتلخص في أن الخبز والخمر يتحولان إلى نفس ما قدم المسيح في ذبيحته في العشاء السري أي نفس جسده ونفس دمه عن طريق تدخله نفسه وبواسطة عمل الروح القدس. هذه "الذكرى" لا تعني فقط تذكر ومحافظة فقط على ذكرى ما فعل المسيح. "الذكرى" تعني أنه الآن وفي كل مرة تقام أمامنا ومن أجلنا نفس الذبيحة ونفس التقدمة. ولهذا ليس من العبث تشديد الذهبي الفم على فكرة حقيقة القداس الإلهي وحقيقة الذبيحة لكي لا نفهم معنى "الذكرى" بطريقة خاطئة.
قديسنا طالما شدد على حقيقة الذبيحة ينتقل ليشرح مصطلح "تذكر" وينبه من أنه لا نقوم بذبيحة تاريخية. الذبيحة التي نقوم بها هي ذبيحة دائما كلّية وكاملة أي أنه لدينا الآن نفس ذبيحة المسيح وهي الآن أيضا ذبيحة حقيقية. هكذا فإنه حتى مصطلح "ذكرى" يفترض حقيقة مطلقة ويؤكد قديسنا هذا من استخدامه لفعل "نعمل" خلافا للفعل المستخدم في كلام السيد "اصنعوا هذا لذكرى". بعبارته "نعمل ذكرى الذبيحة" فإن قديسنا يشير إلى أننا بالضبط في القداس الإلهي عندنا عمل، لدينا فعل ينتج عنه ذبيحة. يكون هناك عمل – استدعاء الروح القدس حتى تتحول القرابين إلى نفس الذبيحة السيدية. هكذا فما هو لدينا في القداس الإلهي هو ذبيحة حقيقية وليس رمزا او شكلا أو ذكرى الذبيحة السيدية. كما أنه وفي كل قداس إلهي لدينا المسيح نفسه بغض النظر عن عدد المرات التي يقام فيها السر وذلك منذ أن بدأ إلى منتهى الدهر.
ولأنه حقيقة لدينا في خدمة "الذكرى"، أي في كل قداس، نفس جسد ونفس دم المسيح فإن الملائكة يرتعدون أثناء أقامته.
بحسب رأي الذهبي الفم فإن السيد المسيح كان يعرف أن تلاميذه أولاً ومن بعدهم كل المؤمنين الذين كانوا لا يجهلون كيفية تقديم الذبائح في العهد القديم حيث لدينا فيها دم حقيقي سيكون عندهم بعض الشك والتشويش عند سماعهم لكلمات مثل "هذا هو جسدي ... و هذا هو دمي". هنا لدينا دم المسيح عوض دم الذبائح ولكن هذا لم يقِ من التشوش. لهذا سبق السيد المسيح وقال "اصنعوا هذا لذكري" وتكلم، لاغياً العهد القديم، عن كأس دم هي "للعهد الجديد".
أيضا فإن جملة "اصنعوا هذا لذكري" بالنسبة للذهبي الفم لها علاقة مع الفصح اليهودي. موسى قال بالعلاقة مع كل ما حصل في مصر ومع دم الذبائح "هذا الذكر يكون إلى الأبد"10 كما أن الذبيحة القديمة كانت تقام دائما هكذا القداس (الذبيحة الإلهية) ستقام دائماً. في العهد القديم كان هناك دم حقيقي بينما في العهد الجديد فإن ذبيحة الرب هي غير دموية وهي تقام من أجل "غفران الخطايا للمسكونة كلها". ولكي ينزع السيد الشك من نفوس تلاميذه أقام بنفسه هو الذبيحة الأولى أمامهم وهم أمامه أكلوا جسده وشربوا دمه ولكن ومن بعد العنصرة سيقيمون هم بنفسهم الذبيحة التي فيها سيأكلون ويشربون جسد ودم السيد دون أن يأكلوا ويشربوا جسداً ودماً طبيعيين.
السيد بقوله "هذا اصنعوه لذكري" يريد أن يؤكد لتلاميذه أنهم من الآن لن يقدموا الذبيحة القديمة لكن سيقدموا ويصنعوا ذبيحته هو التي هي ذبيحة حقيقية من دون أن تكون دموية.
خاتمة:
بعد كل ما قلناه يمكننا الجزم أن الشيء الذي لا شك فيه هو أن الذهبي الفم أعطى اهتماماً كبيراً للحياة الليتورجيّة الأمر الذي يشهد له كثرة الكتابات والشواهد الليتورجيّة ضمن أعماله. هكذا كانت الليتورجيا جزءً لا يتجزأ من حياته وهكذا أراد أن تكون بالنسبة لكل مستمعيه لهذا نراه في إحدى مواعظه عن القداس الإلهي ينبّه المؤمنين قائلاً:
"لننتبه لذواتنا، أيها الأعزاء، في غمرة تلك النعم، لئلا يخطر على بالنا التلفظ بكلام شائن أو يتسلط علينا الغضب أو أية تجربة أخرى، فلنحترم الروح القدس الذي مُنحناه والعطايا التي حُسبنا جديرين لها. حتَّام تعلُّقنا بخيرات هذا العالم؟ وإلى متى نظلُّ قابعين في غفلتنا؟ وكم يطول عدم اكتراثنا لخلاصنا؟ فلنتذكر ما منَّ علينا الله به من خيرات، ونحمده ونمجده، لا بمجرد الإيمان بل بالأعمال، حتى ننال الخيرات العتيدة، بنعمة ورحمة سيدنا يسوع المسيح، الذي نرجو أن يكون به المجد للآب وللروح القدس، الآن وعلى الدوام وإلى دهر الداهرين آمين"11.
الأرشمندريت ديمتري شربك
المفضلات