ملامحه
كان قصير القامة، أصلع الرأس، نحيلا غائر الخدين والعينين، عريض الجبين أجعده وكان صوته عذبا لكنه ضئيلا.

يوحنا الواعظ
الذهبي الفم كان أولا داعية وواعظا لبشارة الإنجيل ومعلّمًا مهتمًا بالقضايا المعاصرة. كنبيّ محبة عالمي تكلّم بقسوة وبشدّة، إذ بدا له أنه يعظ ويشهد أمام أناس مائتين. كان الظلم وغياب المحبة في العالم المسيحي كارثة بالنسبة له لهذا كان يقول: "لقد أطفأنا تأجّجنا وجسم المسيح قد مات".
الوعظ بالنسبة ليوحنا كان حاجة، لذلك نراه يتكلم عن "الجوع إلى الوعظ". تناول كافة موضوعات الوعظ: الوعظ التفسيري، والوعظ العقائدي، والوعظ الجدلي والتعليم المسيحي لمن يستعدّون للمعمودية، والعظات الرعائية والأخلاقية والعظات الليتورجية والرثائية. كان يبرز العيوب والرذائل التي كانت منتشرة في عصره مثل البخل والترف والفجور واتّباع الموضة وكان يقول: "لو أراد إنسان غريب أن يقارن بين أحكام الإنجيل وما يمارسه المجتمع لانتهى إلى أن المسيحيين ليسوا تلامذة المسيح بل أعداؤه". كان يكره الضجيج وخشخشة السلاح وتجميل الوجوه عند النساء والابتسامات المتكلفة عند الكهنة. ركّز على كيفية السلوك بحسب الإنجيل في الحياة اليومية: كيف نترجم الإنجيل إلى واقع شخصي واجتماعي في مدينة صاخبة كأنطاكية مضروبة بالشهوات والفساد وتعاني من التفاوت الطبقي بين الناس. استطاع نقل الإنجيل إلى الناس بلغة يفهمونها. كلماته كانت تتدفق كمياه النهر تدفقا، تَلِجُ القلوبَ عميقًا وترفع النفوس عاليًا وتحرك في الأفئدة حب الفضيلة. كان يسبر الأسرار الإلهية، ويفسر الإيمان ويربط الكل بحياة الفضيلة، إحسانًا وبِرًا واتّضاعًا وتوبةً ونخْس قلبٍ وثقة بالله ورحمته التي لا تحد. عمله كمعلم وواعظ هو أولاً مُرتَكِز على التفسير الكتابي حيث يُشدِّد على أن الكتاب المقدس هو المصدر الأساسي الكامل الذي لا غنى عنه للتعليم العقائدي والأخلاقي، فلقد كتب: "الذي هو في توافق مع الكتاب المقدس هو مسيحي والذي ليس على اتفاق معه هو بعيد جدا عن الحقيقة". كان في عظاته ينصح دائمًا بقراءة الكتاب المقدس وهذا واجبٌ على كلّ مسيحيّ " لا تنتظروا معلمًا آخر لقد أُعطيتم كلمة الله ولا أحد سيعلمكم كما تفعل هي". العلمانيون بشكل خاص يجب عليهم أن يقرؤوا الكُتُب المقدّسة "الرهبان في الأديرة والذين يعيشون خارج المدينة هم في مأمنٍ، ولكن نحن الذين نعيش وسط بحر الشهوات والتجارب نحتاج لهذا الدواء الإلهي حتى نستطيع أن نشفي أنفسنا من البَلى الذي يُحزِننا ونحفظ أنفسنا من أي أذى. بالكتاب يمكن أن تدمر كل سهام الشيطان المحماة الثائرة علينا". وكان يخاطب الأنطاكيين قائلا: "لا أريد أن تعلِّقوا الإنجيل في رقابكم وتحملوه على صدوركم، بل أريد أن تغرسوه في قلوبكم".
كان تأثير الذهبي الفم عظيمًا وقد أصبح " المعلّم والأسقف المسكوني" وقبل هذا اللقب عُرف بـ " الذهبي الفم " في وقت مبكر من القرن السادس. كلّ الواعظون الذين أتوا بعده تأثروا بعظاته التي اعتُبِرت أُنموذجية ومثالية. تكلَّم بوفرة أيضًا عن سرّ الافخارستيا ولهذا سُمي " معلّم الافخارستيا".

فكر القديس يوحنا
لم يهتم قديسنا بمواضيع مجرّدة بل حاول تركيز تعليمه على التجربة الفعلية والعملية ليكون حيًا فاعلاً طالما هو مُوجَّه لأُناس أحياء. هدفه الأساسي كان أن يُعلِّم المحبة بالإضافة للنزاهة والمسؤولية. كلامه كان بسُلطة وسُلطته كانت مستندة على إيمانه. كان يؤكّد أنَّ التحوّل الشخصي للإنسان يتم من خلال قوة الروح الفاعلة بمحبة. وهذه هي المحبة التي أبقت الذهبي الفم مع قطيعه.
رأى أن مهمته الرئيسة هي إصلاح أخلاق المؤمنين. وكان انطباعه أنه يعظ لناس صارت المسيحية بالنسبة لهم ثوبًا عصريًا " مِن بين العديد من الآلاف مِن المستحيل أن تجد أكثر من مئة يُخلِّصون أرواحهم حقيقة، وأنا لست متأكدا حتى أن هناك ذلك العدد الكبير".
لقد اضطرب للحقيقة الأكبر وهي أن ثمّة أعدادًا كبيرةً من المسيحيين ستكون وقودا للنار. واعتبر أنْ لا أحد يُدرك أو يشعر بهذا الخطر لأن السلام يولِّد الإهمال، يُضعف الروح ويجعلها تنام والشرير يدمر الناس النائمين الخمولين. ولهذا اتسمت عظاته بالقسوة لأنه رأى حوله قشورًا تلائم النار فقط. كان قلقًا لزنى المجتمع، ولم يزعجه الفسق بمقدار ما أزعجه تدني المعايير والمُثل عند العلمانيين ورجال الدين. حارب الذهبي الفم بكلمات الشجب وأفعال المحبة. لقد أمضى وقتًا طويلاً في أعمال الإحسان ونظم المستشفيات والملاجئ وكان يقول: "لا أحد سيبقى وثنيًا إذا كنا مسيحيين حقًا".
لقد فهم العمل الرعائي على أنه أولا خدمة تعليم وإقناع. الراعي هو سلطة ولكن سلطته تفهم من خلال الكلمات التي تحاول الإقناع وهذا هو الفرق الأساسي بين السلطة الروحية والسلطة الدنيوية: "الإمبراطور يُجبِر أما الكاهن فيُقنِع، الأول يتصرَّف بالأوامر والثاني بالإقناع".
كان في مزاياه متشدّدًا وقاسيًا لكنه كان دائمًا معاديًا للقوّة والإكراه حتى مع الهراطقة " لقد أُمرنا أن نجلب الخلاص للناس بقوة الكلمة واللطف والإقناع" وأيضا "لا نقاتل لنجلب الموت للأحياء بل لنعيد الأموات إلى الحياة، وفي صراعنا يجب أن نكون وُدعاء ومتواضعين. أنا لا أُضايق بالأعمال إنما بالكلمات وأنا لا أريد طرد الهراطقة بل الهرطقة ... أنا معتاد على تحمّل الظلم لا على أن أظلم ومعتاد على تحمّل الاضطهاد لا على أن أضطهد. المسيح انتصر لكونه مصلوبًا لا صالبًا للآخرين". كان نشاطه يهدف إلى جعل المسيحيين يفهمون أن حقائق الإيمان هي نفسها حقائق ووصايا الحياة وبأنّها يجب أن توضع في الممارسة اليومية للشخص. كان يطلب من مستمعيه أن يعيشوا وفق إيمانهم وبحسب وصايا الإنجيل.
اعتقاداته اللاهوتية كانت مستندة بقسم كبير منها على رسائل القديس بولس. لقد كانت حياة بولس الرسول كلها موضع إعجاب يوحنا، فهو أُعجِب ببولس العامل والواعظ والمُبشِّر ورجل الآلام والتحمّل والصبر، لهذا استهواه وأحبّه وشَغُف به " لا ريب في أني أحب جميع القديسين ولكني أحب حبًا خصوصيًا القديس بولس، ذلك الإناء المختار، البوق السماوي، الصديق العزيز للعروس الإلهي... هذا الرجل الذي توجّع على الدوام ماذا نقول عن نفسه؟ أَمِنَ الذهب صيغت أم من الألماس؟ لَعَمْري إنها أصلَب من الألماس وأكرم من الذهب والحجارة الكريمة. إنّها تفوقها متانة ونفاسة. فبأيّ شيء نشبهها إذن؟ إني لا أجد لها مثيلا. ضعوا كل العالم في كفة ميزان ونفس بولس في الكفة الأخرى فترون أن نفس بولس هي الراجحة! ...طوبى لبولس فلقد أظهر كل ما يستطيعه إنسان من اتقاد الغيرة وتمكن من أن يطير إلى السموات ويرتفع فوق الملائكة ورؤساء الملائكة وجميع القوات السماوية...لقد شعرت أنني مضطر قبل أن أحدثكم عن القديس بولس للدخول في روحه عينها مستمدّا مساعدته ومشاعره".
إنجيليته أيضا كانت تملك أهمية عقائدية طالما الحياة بالنسبة إليه هي المسيح الذي هو الكاهن والذبيحة، المُقدِّم والمُقدَّم، المُقرِّب والمُقرَّب. تعليمه عن الكنيسة كان متصلاً بلا انفصال مع عقيدة الفداء أي مع ذبيحة المسيح الكاهن الأعظم الذي صعد إلى السماء من خلال الصليب. كتاباته مليئة بصوت التقليد الكنسي وبالشهادة للإيمان الرسولي ولهذا انتشرت حتى في الغرب بسرعة كبيرة.
حياته في القسطنطينية ورؤيته للتفاوت الطبقي والظلم والمعاناة والشقاء جعلاه حساسًا جدًا لهذه الأمور فحذَّر من الترف ومن التراخي ومن ظلم الفقراء وكان يحاول دائمًا إفهام الأغنياء أن من مسؤوليتهم تأمين حاجات الفقراء والمحتاجين، وأنَّ الثروة الزائدة ليست أمرًا ضروريًا للحياة: " الغنى مؤذٍ لك لا لأنّه يُسلِّح اللصوص ضدك، و لا لأنه ظلمة بالكلية لعقلك بل لأنه يجعلك أسير ممتلكات لا روح لها ولأنّه يصرف انتباهك عن خدمة الله". ومن وجهة النظر هذه يستنكر الذهبي الفم التزيين الزائد والفخامة بلا حدود في الكنائس " الكنيسة ليست مكانًا لعرض الذهب والفضة بل هي مكان تجمّع الملائكة لذلك فالأرواح هي ما نطلبه كتقدمة لأنّه من أجل الأرواح يقبل الله تقدماتنا. لم تكن مائدة من فضة ولا من ذهب كانت الآنية المقدسة التي قدَّم فيها المسيح دمه لتلاميذه ليشربوه لكن ومع ذلك فلها وقار لا مثيل له لأنها مُلئت بالروح القدس. هل تريد أن تُكرِّم المسيح؟ لا تحتقر رؤية المسيح عاريًا! أي صلاح تعمل إذا كان مذبح المسيح مغطى بأوعية ذهبية بينما المسيح نفسه يتضور جوعًا. المسيح كمشرد بدون مأوى يتجول، يطلب مكانًا يسند إليه رأسه وأنتم عوض استقباله تزينون بيوتكم وجدرانها بالفضة! أين المسيح في حياتكم". بدا للذهبي الفم أن كلّ شيء يكدّسه الإنسان هو مأخوذ من أحد آخر محتاج إليه، ولهذا لا يمكن أن يكون هناك شخص غني بدون أن يكون هناك آخر فقير بسبب غنى الأول. لقد جذب الفقر اهتمامه واعتبر أن المسيح حاضر وسط الفقراء، لذلك كراعٍ ناضل ضد الفقر وكانت المُسلَّمة الأساسية لديه أن لا شيء اسمه " ملكية شخصية " لأن كل شيء ملك لله وإليه يعود. كل الأشياء معطاة منه كهِبَة على شكل دين. كلّ شيء ملك لله والشيء الوحيد الذي يمتلكه الإنسان هو أعماله الصالحة. حلُّ المشكلة عنده يكون بالمحبة " لأنّها لا تطلب ما لنفسها " وهذا الحل كان مُحقّقًا في الكنيسة الأولى كما هو مُعبَّر عنه في أعمال الرسل: " لقد تخلّوا عن الملكية وفرحوا بشكل عظيم لأنهم بهذه الطريقة ربحوا البركات التي هي أعظم. لم تعد الكلمات الباردة "لي ولك" موجودة. كان هناك فرح أمام المذبح ... التعابير "لي ولك" التي كانت قاسية وسبَّبت الكثير من الحروب في العالم أُبعدت من الكنيسة المقدسة وأناس الأرض عاشوا كالملائكة في السماء. الفقراء لم يحسدوا الأغنياء لأنّه لم يكن هناك غنى فاحش، والأغنياء لم يحتقروا الفقراء لأنه لم يكن هناك فقر مُدقِع". الإحسان إذا بالنسبة للذهبي الفم أمر لا غنى عنه " إذا كان أحد لا يُظهِر الإحسان سيبقى خارج العرس. والذي يُظهِر الإحسان سيكون مع العريس. ليس رفع أيديكم سيدخلكم إلى الفرح الأبدي بل مدها لا إلى السماء بل إلى أيدي الفقراء". وعندما لاموه لأنه يهاجم الأغنياء باستمرار قال: " يتهموني بأنني أُكثِر من مهاجمة الأغنياء، ولكن هؤلاء الأغنياء يظلمون الفقراء دائمًا. أجل أُهاجم الأغنياء ولكن أُهاجم فقط الذين يُسيئون استعمال غِناهم. الأغنياء هم أبنائي والفقراء أبنائي أيضًا ...أنا أودّ تخليصهم من البخل وجعلهم محبوبين من الجميع وحاصلين على الملكوت".

أعمال القديس يوحنا
للقديس مجموعة كبيرة من المؤلفات تقع في 19 مجلدا وهي:
● عظات في الكتاب المقدس
1. عظات في العهد القديم:
- عن سفر التكوين وعددها 8 عظات.
- عن المزامير وقد شرح فيها مزمورا.
- عن سفر أشعياء وعددها 58 عظة.
2. عظات في العهد الجديد:
- عن إنجيل متى وعددها 90 عظة.
- عن إنجيل يوحنا وعددها 88 عظة.
- عن أعمال الرسل وعددها 55 عظة.
- عن رسائل بولس الرسول وتشكل هذه نصف عظاته في شرح الكتاب المقدس.
● عظات في العقيدة والحياة:
- 12 عظة ضد الأنوميين عن الله.
- 6 عظات في المعمودية.
- 8 عظات ضد اليهود وخاصة ضد المسيحيين الذين يمارسون العبادة مع اليهود.
- عظات احتفالية في أعياد القديسين منها 7 عظات عن الرسول بولس.
- 21 عظة في التماثيل عندما ثار شعب أنطاكية سنة 387 ضد الحكم الإمبراطوري وحطموا تماثيل الإمبراطور وعائلته.
- خطب عديدة أخلاقية.
● أبحاث في:
- الكهنوت 6 فصول.
- الحياة الرهبانية والدفاع عنها.
- في العفة ووضع الأرامل والزواج الواحد.
- في المجد الباطل وكيف يربي الوالدان أولادهما.
● الرسائل:
236 رسالة من المنفى، منها 17 إلى الشماسة اولمبيا التي كانت تعاونه في العمل الرعائي.
● كتابات ليتورجية:
- القداس الإلهي.
- صلوات خاصة بحسب ساعات الليل والنهار.
- صلوات للاستعداد للمناولة.
‏ ‏ تحتفل‏ ‏به‏ ‏الكنيسة ‏القبطية‏‏ ‏في‏ ‏اليوم‏ 17 ‏من‏ ‏هاتور‏ ‏الموافق‏ ‏حاليا‏ 26 ‏من‏ تشرين الثاني‏ ‏ويحتفل‏ ‏به‏‏ ‏الروم‏ ‏الأرثوذكس والموارنة‏ ‏في‏ 13 ‏من‏ تشرين الثاني‏. ‏وتعيّد له الكنيسة اللاتينية في 27 كانون الثاني ‏ ‏وهو‏ ‏اليوم‏ ‏الذي‏ ‏يعيد‏ ‏فيه‏ ‏الروم‏ ‏الشرقيون‏ ‏لنقل‏ ‏جسده‏ ‏الطاهر‏ ‏إلى ‏القسطنطينية والبعض يعيّد له في 31 أيلول‏. هكذا لا تحتفل الكنائس بعيده في يوم رقاده حفاظا على عدم تغييب أهمية هذا القديس وخدمته الليتورجية الرائعة طالما يصادف يوم رقاده عيد رفع الصليب الكريم المحيي.

طروبارية القديس
لقد أشرقتِ النعمةُ من فمك مثل النار فأنارت المسكونة، ووضعتَ للعالم كنوز عدم حب الفضة، وأظهرتَ لنا سمو الاتضاع، فيا أيها الأب المؤدب بأقواله، يوحنا الذهبي الفم، تشفع إلى الكلمة المسيح الإله أن يخلص نفوسنا.

المصدر: جمعية التعليم المسيحي في حلب - أحاديث لاهوتية - القديس يوحنا الذهبي الفم


صلواتكم