كيف ننشئ عائلة مسيحية
بحسب
القديس يوحنا الذهبي الفم
مقدمة:
إن كل من يريد أن يتحدث عن العائلة والتربية عند الذهبي الفم لا بد وان يجد نفسه في موقف حرج وصعب للغاية ولا يحسد عليه إطلاقا. والصعوبة والحرج لا تأتي من تقريره لما سيتكلم عنه بل من تقريره لما لن يتكلم عنه. فكل كلمة وعبارة ونصيحة من نصائحه بشأن العائلة والتربية هي مهمة بحد ذاتها وبمثابة كنز عظيم سيكون من الخسارة عدم اكتشافه والتمتع ببهائه. ولا بد أيضا لكل من يقرأ مقالات الذهبي الفم عن التربية وتنشئة الأولاد أن يلاحظ التشابه الكبير بين ما يتكلم عنه قديسنا في القرن الرابع وبين ما نعيشه نحن اليوم وهذا إن دل على شيء إنما يدل أولا على أن كلمات القديسين وإن كانت موجهة لمجموعة معينة في زمن معين إلا أن مفعولها لا ينتهي بزوال تلك المجموعة أو بمرور الزمن، ويدل ثانيا على أن المشاكل التي كانت تعاني منها العائلة في عصره تحاكي وبدرجة كبيرة المشاكل التي تعاني منها عائلاتنا اليوم والسبب في ذلك على ما يبدو وخاصة من الوهلة الأولى أن كلمات ونصائح القديسين غالبا ما تذهب سدى لأنها قاسية من جهة ولأنها مخالفة للكثير من عادات المجتمع من جهة ثانية.
قديسنا العظيم في معرض حديثة عن العائلة وأسس تكوينها بالشكل الأمثل والموافق لتعاليم السيد المسيح وكنيسته ينطلق من نقطة اختيار العريس لعروسه، مرورا بالعرس والاحتفالات المرافقة له، ليصل إلى طرق العيش المشترك بين الزوجين، ولينتهي عند تربية الأولاد وسبل إرشادهم. فإذا سارت كل هذه الأمور على الخطوات المسيحية الصحيحة التي يرسمها قديسنا استطعنا أن نكوّن عائلات مسيحية تكون بمثابة كنائس بيتية والتي ستكون بالفعل النواة الأساسية للكنيسة الكبيرة. هكذا كلما كانت عائلاتنا صحيحة نقية بلا دنس ولا عيب، كانت كنيستنا نقية طاهرة بلا دنس ولا عيب كما يشتهيها المسيح أن تكون لتستحق بجدارة أن تكون عروسا له.
ولننطلق في موضوعنا من النقطة الأولى أي من اختيار الزوج أو الزوجة.
اختيار الشريك:
الذهبي الفم يعطي أهمية كبيرة لموضوع اختيار الزوج أو الزوجة ولهذا ينصح أن يبدأ هذا الأمر بالصلاة وبتسليم الأمر لله حتى ينال بركة منذ انطلاقته: "صلّي إلى الله وسلّمي أمرك إليه وهو يجازيك خيرا لثقتك به في هذا العمل الخطير. عليك أن تتبعي قاعدتين: أن تسلّمي أمرك لله، وتفتشي حسب مرضاة الله عن رجل أديب صالح". وهو إذ ينظر إلى الأمر على أنه هام وخطير فهو يحلله بطريقة بسيطة وسهلة ومنطقية جدا. فهو يقول مثلا عندما نريد شراء بيت أو جلب خدم إلى بيوتنا فعادة لا نهمل شيئا من الحيطة والتحفظ والحذر والسؤال لنعرف كل المعلومات الضرورية. فكم ينبغي بالأحرى من الحيطة والحذر والتعمق عند البحث عن زوجة؟ هذا مع العلم أن الأمر مختلف جدا في الأهمية. لأن البيت الذي تشتريه تستطيع أن تبيعه أو تبدله إذا لم يعجبك، الأمر الذي لا يمكنك فعله مع من ارتبطت بها بواسطة الشريعة والناموس وأمام الله وكنيسته. ينبغي إذا اتخاذ الحيطة قبل الزواج في التفتيش عن المرأة التي بين طباعي وطباعها توافق، الامرأة الطيبة الكريمة المطيعة. وبعد أن تكون قد فحصت كل شيء، ووزنت النتائج، وإذا حصلت عليها فإنك تربح شيئين مهمين جدا: الأول أنك لا تعود ترغب مطلقا في فصلها عنك. والثاني أنك تستطيع أن تحبها محبة لا حد لها.
كما ويحذر الذهبي الفم عند البحث عن الزوجة المناسبة ألا يكون المال والغنى والجاه ولا الحسب والنسب وجمال الجسد هم المعايير التي على أساسها سيتم الاختيار فهذه الأشياء لا تدوم بينما الزواج دائم لهذا يطلب ممن يرغب بالزواج البحث أولا عن الأخلاق والفضيلة والتقوى وجمال النفس الضروريات جدا لاستمرار الزواج وتكوين الأسرة الصحيحة لهذا ينبه قائلا: "فلا نفحص في اختيار الزوجة عن أموالها، بل عن أخلاقها. ولا نفتش عن امرأة ذات مال، بل عن امرأة تعرف أن تستعمل المال. ولنتساءل قبل كل شيء عن هدف الزواج ولنتذكر لماذا رتب لنا الله الزواج وما هو هدفه". كما ويقول في موضع آخر: "أطلب إليكم ألا تفتشوا عن المال والثروة بل فتشوا عن المزايا الصالحة في الفتاة: عن الحشمة والتقوى والورع، فهذه تغنيكم عن كنوز كثيرة وتقوم مقامها ...لا شيء أفضل من الأخلاق الصالحة، ولا شيء ألذ من الأدب، ولا شيء أكثر جاذبية من الحشمة".
أما في حالة كان الأهل هم من يفتشون عن الشريك المناسب لابنتهم وهم الذين سيقررون من يكون فهو يخاطب الأم قائلا: "لا تطلبي مالا ولا شهرة في النسب أو عراقة في الحسب، فإن هذا كله قليل الأهمية، لكن اطلبي التقوى والوداعة والعقل الثاقب ومخافة الله، إن كان يهمك مستقبل ابنتك وحياتها معه".
بعد الاختيار الصحيح الموافق لإرادة الله ووصاياه تبدأ الخطوات العملية باتجاه تكوين العائلة وهذا يبدأ تماما من حفلة العرس.
الممارسات في العرس:
بداية يتكلم قديسنا عن زينة وحشمة العروس أثناء حفلة العرس، ثم ينتقل بعد ذلك للتكلم عن ترتيب الحفلة والتكاليف، وعن المدعوين والهدف من دعوتهم، وكيف علينا التشبه بما ورد في الكتاب عن عرس قانا الجليل الذي حضره الرب نفسه وتلاميذه وباركوه وزادوا من فرح العروسين حين كاد انتهاء الخمر يكدر عرسهما. لهذا كان ينصح بدعوة من ينوب عن المسيح أي رجال الاكليروس بالإضافة إلى الفقراء الذين هم أحباء الرب لتحصل البركة في العرس ولتحل أيضا في وسط العائلة المزمعة بالتشكل.
ففي شأن زينة ولباس العروس يخاطب الذهبي الفم والدة العروس قائلا: "لا تزيني العروس بالحلي الذهبية بل بالوداعة والحشمة. ألزميها أن تلبس ثوبا بسيطا عاديا وزينيها بالخجل والحياء قليلا عوضا عن الحلي الذهبية، وعلميها ألا تهتم لها ... ولا يجوز أن تُملأ الموائد بأنواع المسكرات، ولا داع للتبذير. فلنفكر بكل هذا ونتجنب وقوع الشر لنرضي الله ونستحق الحصول على الخيرات التي وعدنا بها".
وعن العرس والمدعوين يقول: "لا نُهن الزواج بمحافل الشيطان، بل فلنتشبه بأهل عرس قانا الجليل الذين دعوا المسيح إلى عرسهم وأجلسوه في وسطهم. إني اعرف إن ما أطلبه منكم سيظهر قاسيا للكثيرين منكم. إنه من الصعب التنكر للعادات القديمة. هذا لا يهمني كثيرا، لأني لا أفتش عن إرضائكم وإنما أفتش عن خيركم، و لا التمس ثناءكم وولاءكم وإنما أبتغي كمالكم وخلاصكم". وفي موضع آخر يقول أيضا: "ادعوا الفقراء وأقيموا منهم محفلا. آه أتخجلون من هذا؟ يا لها من مخالفة للمنطق رهيبة! عندما تدخلون الشيطان إلى بيوتكم لا تخجلون، ولكن عندما نقول لكم أن تدخلوا إليها المسيح تجدون في هذا شيئا مخجلا! عندما تدخلون الفقراء إنما تدخلون المسيح نفسه. إن صلوات الفقراء ودموع الأرامل هي أفضل من رقص المهرجين. إن الفقراء الذين تعطونهم يباركونكم ويستمطرون لكم بصلواتهم كل أنواع النعم. أما الذين يملأ أجوافهم طعامك وخمرك فإنهم يتقيأونها على رأسك بذاءات ورذائل". وأيضا: "في أعراسكم واحتفالاتكم، يوم الزواج، اجعلوها تضيء بالبساطة والحشمة وآداب الكتاب المقدس. لا رقصات خليعة، ولا قهقهات فجّة، ولا كلام قبيح، بلا تزمير وتطبيل ولا أي شيء وثني، ولا أي شيء من مواكب الشيطان. ادعوا الله إلى أعراسكم واجعلوه سيد زواجكم. وإذا أنتم عرفتم أن تنظموا وحدتكم في الزواج، فلا يمكنكم أن تخافوا طلاقا وانفصالا، ولا شبهة الزنا، ولا فرصة للحسد والخصام والنزاع. ستعيشون في سلام وفي وحدة كاملة حيث تزهر بنفس الوقت كل الفضائل، ولا يعكر صفو حياتكم شيء. وسط هذا الزواج يمكن تنشئة الأولاد بسهولة في الفضيلة. هكذا يستطيع الرجل مع امرأته وأولاده وكل أهل بيته أن يقضوا حياة هادئة على الأرض وأن يصلوا إلى الملكوت السماوي الذي أتمناه لكم جميعا بنعمة ومحبة سيدنا يسوع المسيح الذي له القدرة والمجد مع أبيه وروحه القدوس المحيي الآن وكل وإلى جيل الأجيال، آمين".
بعد العرس ينتقل قديسنا للتكلم عن أمور الحياة الزوجية المشتركة بين الزوجين والتي من شأنها أن تساعد كثيرا في إنماء نواة العائلة والحفاظ عليها كبيئة سليمة مناسبة لاقتبال واحتضان العناصر الجديدة التي ستضاف عليها، أي الأولاد.
يتبع>>>
المفضلات