3.تساؤلات في استخدام المال
مما سبق تتولد الأسئلة التالية:
1-إذا كان الغنى الحقيقي هو الفقر بالروح، فهل هذا يعني التردّي الاقتصادي والعدم والعوز؟
إن الفقر بالروح هو، كما اتضح سابقاً، الاستغناءُ عن شهوة المال لنغنى بالله، إنه استبدال الكنز من الدهريات بالملكوت. وهذه الحرية الروحية يمكنها أن تعيش في بحبوحة ووفرة المال ويمكنها أن تقبل العوز والحاجة إذا فُرضتْ.[52]
القديس مكسيموس المعترف يميز بين ملكية خاطئة وبين احتفاظ (ملكية) بالمال غير خاطئة. الفرق بين الحالتين. أنه في الحالة الأولى المالك يتعلق بالمال ولا يحب التخلي عنه، وفي حال فقده يشعر أنه فقد حياته، وهذا ما حصل مع الغني الشاب في الإنجيل، إذ لما دعاه يسوع للكمال وترك المال حزِنَ لأنه كان يملك الكثير (غنياً).
في الحالة الثانية لدينا أمثلة عديدة كمتى، الذي ترك التعشير وتبع يسوع، وزكا، الذي وزَّع نصف أمواله عندما دخل يسوع بيته وسواهما.[53] فالمسألة تتعلق بالعمق بشهوة المال والتجرُد عنها، تلك الشهوة التي تسلُّطها على الإنسان يحرفه عن غاية حياته والتحرر منها يجعله سيِّداً على كل شيء.
وليس كل فقر ممدوح بل ما هو ناتج فقط عن الزهد المسيحيّ، الفقر بالروح هو الفضيلة، العوز يبقى دليل كسل غالباً. لا بل الفقير الذي يشتهي الغنى يُرثى له.
المسيحيّ يحيا في فقر، لأنه جائع إلى الخبز السماوي فقط، ولو كان وسط كنوز الدنيا. هكذا كان أيوب وبهذه الروح تصرف إبراهيم. المسيحيّة تجد في الخيرات والغنى هباتٍ إلهية، والوفرة أداة للمحبة كبيرة. لكن روح الفقر حتى في وسط الخيرات هو الغنى الحقيقي. المدبر فقير إلى الروح ولكن غنى العطايا هبة إلهية مباركة ومسؤولية أكبر.
هل يمكن للكنيسة أن تغنى؟ يجب أن تحظى الكنيسة على الكثير من المال، وأن تضاعف الوزنات. ولكن المؤمن يحيا في وسطها فقيراً بالروح، لأن الكنز هو اكتساب الروح الذي لا تحققه الرفاهيات وإنما الطريق الضيقة المؤدية إلى الحياة.
المال بالنهاية "أداة" و "وكالة" كلما زادت كلما أعطت فرصاً أكبر للخدمة. لذلك المال مطلوب لأن الحاجات البشرية كبيرة.[54] الخادم والمدبر يحب التواضع ويكتفي بالحاجة،[55] يصلي للرب كل يوم أن يهبه "الخبز الكفاف" (صلاة أبانا الذي...). المؤتمن على خيرات كبيرة له المسؤولية في تحسينها وتوزيعها.[56] لذلك كما يقول باسيليوس الكبير، غنى هو ليس ما يُجمع ولكن ما يبدّد.[57] والثوب الثاني الذي في خزانتك ليس لكَ.[58] الخيرات هي الوزنات، التي جَمْعُها يعني طمرَها. الذهبي الفم يمثل المال بالمن الذي وهبه الله للعبرانيين في البرية. الذي من جشعهم حين جمعوا منه المزيد تعفن. المال حين يُجمع يفقد غايته. الكلمة اليونانية للمال Χρήματα تأتي من معنى Χρήση أي الاستخدام، المال هو إذن للخدمات.[59] المسيح في الإنجيل أعطى الأمثلة عن الوكيل الظالم وعن العبد الحكيم.
إذن مفهوم الفقر بالروح هو الفضيلة المسيحيّة التي تعني طرح شهوة المال وتركيز انتباه الإنسان إلى غايته السماوية وتحقيق أبعاده الإنسانية. وهذه الفضيلة الحياتية تحيا في وسط الخيرات العديدة، لأن رجل الفضيلة هو أحق من يؤتمن على العطايا. الذهبي الفم يقول إن أفضل يد تستخدم المال هي أيادي الرهبان. في المدينة الفاضلة، (إن صح التعبير) لفم الذهب، القاعدة هي مقولته الشهيرة "أن يحكم الرهبان أو يترهب الحكام". اليد الفاضلة المطبوعة بالزهد، والقلب الذي يحمل حب الإنسان ورسالة البشارة، هما الأحق والأوفق في إدارة المال والأدرى بتوزيعه واستخدامه والاستفادة منه.
هل يحق للغني مثلاً أن يتوقف عن العمل؟ وهل الزهد يعني الاكتفاء بالقليل والخلود إلى الكسل. الجواب على ذلك تعطيه الجماعات الرهبانية، حيث العمل لا يأخذ دور التحرر من الحاجات تلك الحاجات المادية التي قلصتها الحياة الرهبانية إلى الحد الأدنى. عمل ساعة باليوم يغطي حاجيات الراهب. لكن الحياة الرهبانية تقوم على التقسيم الثلاثي لليوم، ثمانية ساعات عمل، ثمانية ساعات طقس وليتورجيا، ثمانية ساعات خاصة بالراحة والمطالعة والصلاة الشخصية. العمل والمال هما الوزنة، للمؤمن أن يتأخر بها بغضّ النظر عن حاجاته. حاجة المؤمن الحقيقية ليست على قدر "ما يحتاج" بل على قدر "ما يجب". المال ومضاعفته وإنماؤه والمتاجرة به أي حسن استخدامه إلى الحد الأقصى ضمن إطار الفقر الداخلي والمحبة للآخر هو غاية مسيحيّة وواجب روحي للمؤمن[60]من يستطيع أن يغنى بين الفقراء ويقول أنه يُحب؟[61]من يستطيع أن يرتاح بتأمين حاجياته وعلى وجه الأرض متألم؟[62] الرب يسوع قال: "أبي يعمل وأنا أعمل". والرب خلق الإنسان خالقاً ثانياً لينميَّ الخليقة الأولى بعمله واختراعاته وماله والخيرات.
على الصعيد الاجتماعي، هل يمكن لهذه الرؤيا المسيحيّة، التي قد تبدو للكمال أكثر مما هي للواقع، أن تصير مبدأً اجتماعياً؟ لا بد أن المجتمعات البشرية لا يمكنها أن تقوم إلاَّ على مبدأ العدالة، وخاصة أن الدعوة المسيحيّة إلى هذا الكمال هي دعوة حرّة[63]وتلبيتها الكاملة تتطلب من الحياة زمناً طويلاً. لذلك المسيحيّ يحيا فاعلاً في مجتمعه مجاهداً من أجل العدالة والمساواة في التوزيع والتزامِ مسائلَ الفقراءِ، ليس على الصعيد الشخصي الروحي وحسب، وإنما على الصعيد الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وسواهم. هذه إحدى مظاهر المحبة للقريب، والمسيحيّ الحق هو أحق من يمارس هذه الحقوق.
وعلى الصعيد الشخصي، عليه أن ينمو في الفقر الروحي والزهد المسيحيّ، فيشتري دائماً كنزه السماوي بائعاً كنوزه الأرضية ومعيداً إياها إلى أيادي أصحابها المُعتازين.
الإصلاح الاجتماعي يستحيل تحقيقه على مستوى الفضيلة الشخصية، إن المسيحيّ المؤمن الذي يحافظ على حياة الفضيلة هو المعني قبل سواه بممارسة الحقوق السياسية والاقتصادية الاجتماعية والثقافية. الفضائل مسائل شخصية توجه الإنسان، في ضمانات الروح، ليقود بالتزامه هذا مسائل الحياة الاجتماعية على اختلافها.
السؤال الثاني الذي تطرحه الفكرة المسيحيّة حول المُلكية، حيث الله هو المالك والإنسان هو المدبّر، هو: ألعَّل الإنجيل هو شيوعية مسيحيّة قبل الشيوعية الإلحادية؟ ويزيد السؤال إلحاحاً هو تشابه حياة الكنيسة الأولى في أورشليم، حيث كان كل شيء بينهم مشتركاً،[64] مع الفكر الشيوعي. على الرغم من التشابه الخارجي إلا أن الفرق كبير جداً. فالمسيحيّة لا تقبل بالملكية وترى الله المالك الوحيد. المسيحيّة لا تقسّم الملكيات وفقاً لمعايير التساوي والفرص المشتركة أو المتكافئة. الشيوعية توزع الخيرات بمعايير قد تتوازن حيناً أو تظلم أحياناً أخرى. المسيحيّة تجد في الملكوت الكنز الوحيد وفي الخيرات مسؤوليات. المسيحيّة تلغي شهوة المال لتستبدلها بحب الإلهيات. المسيحيّة تبدل الكنز ولا توزع كنوز الأرض. الإنسان الذي يحيا لهذا الدهر هو في المسيحيّة مِسخٌ وليس إنساناً. الإنسان في المسيحيّة هو ابن السماء يتعاطى المال ليسدَّ الحاجات ويخدم المحبة. في الشيوعية العدالة الاجتماعية لا تلغي شهوة المال ولا تحاسب على المحبة. فالموضوع ليس مسألة تسوية علاقات بين الناس. النظرة المسيحيّة إلى المال هي مسألة تسوية الإنسان،[65] إنها تحوِّله من عبد الأرضيات إلى رسول فيها وابناً للسماويات. المسيحيّة جدّية في طرحها، أن الكمال المطلوب هو مسألة التزام وليس مُجرَّد شعارات.

4.المنطلقات الأساسية:
ما هي إذن المنطلقات الأساسية في الفكر المسيحيّ حول المال؟
إن الرؤيا المسيحيّة لاستخدام المال تنطلق من أبعاد أنثروبولوجية، حيث المال، هو الأداة القوية، لتحقيق غاية الإنسان وكماله، على المستوى الشخصي أولاً وعلى المستوى الجماعي ثانياً. وهنا لا بد من الإشارة إلى الميزة الأساسية والمنطلق الثاني في المفهوم المسيحيّ لاستخدام المال، هو مركزية المسيح. كما هو في كل مسألة الكمال المسيحيّ.
يرى المؤمن في الآخر المسيح المحتاج،[66] والرب وحَّد ذاته بالضعفاء. المال لدى المؤمن هو أداة للحاجة الشخصية أولاً ولكنه على الأكثر هو واسطة للكرازة بالرب يسوع. المالكُ هو الرب يسوع ونحن وكلاء حكماء أو ظالمين. المال بعد الحاجة الشخصية يدخل في إطار الاستخدام الذي تحدده المفاهيم الكنسية (اكليزيولوجيا). فالمحبة المسيحيّة مثلاً لا توصي بالإحسان وبالصدقة من مفهوم إنساني اجتماعي، بل تمارس المشاركة الأخوية من مفهوم كنسي أي أننا أعضاء جسدٍ واحدٍ جسدَ الرب يسوع. كلمة "صدقة" كلمة ليست مسيحيّة. فنحن لا نعطي مما نملك ولا نُحسن إلى أحد، بل نحن توزع ما استودعناه ونُحسن إدارة ما أُوتمنا عليه. لأننا وكلاء على مال الرب يسوع ومال أعضاء جسده. لكل واحد أعطي وزنات لكنه لا يملكها وحقه فيها هو تجارتها.
إن المال هو العصب الحي في الحياة الشخصية وفي تنظيم المجتمعات والدول وبناء الحضارات. إنه القوة الديناميكية لكل مستويات الحياة المادية والفكرية، لا بل هو أيضاً التعبير الواضح عنها. لذلك فإن إدارة هذا المال مسؤوليةً مسيحيّة ويجب أن تتم بروحانية الكتاب.
ختاماً نورد الآية من المزمور المسياني (21)، الذي يتنبأ عن لحظات يسوع الأخيرة في آلامه فيصف أحداث الصليب: البصاق واللطمات والاقتراع على ثيابه. ويسوع لفظ على الصليب بين كلماته الأخيرة بدايته "إلهي إلهي لماذا تركتني؟".[67] نهاية هذا المزمور هي آية نردِّدُها قبل طعامنا كل مساء ونقول: "يأكل البائسون فيشبعون، ويسبح الرب الذين يحبونه، فتحيا قلوبهم إلى الأبد"[68] هذا هو الحلم المسياني وهذه رسالة الخلاص التي كان الكتاب ينتظرها من يسوع أن يرفع عن الضعفاء وهنَ الأمراض وقساوة العيش والبؤس والفقر، وذلك ليشبعوا فينصرفوا إلى تسبحة الرب وخدمته وبهذه الخدمة يحيا القلب. المعدة الجائعة لا يصاحبها فكر مُتقبل للكلمة. المحبة لا تبشّر الجائع قبل أن تطعمه.
عبارة يسوع "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان"[69] تفسيرها أية المزمور السابقة. الخبز ضروري ولكنه ليس الغاية. المال أداة والغاية هي المحبة. والمحبة تبدِّد بدون حدود. إن إنساناً يملك المحبة ويحب الإبداع هو الأحوج إلى المال والأحقُ به.