خامساً - آيات تدل على أن الخلاص لا يكتمل قبل الموت/الخلاص حدثية مستمر:
"الروح نفسه يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله. فإن كنا أولاداً فإننا ورثة أيضاً، ورثة الله ووارثون مع المسيح. إن كنا نتألّم معه لكي نتمجّد معه" (رو 8: 16-17): لم نتمجّد معه بعد. حتى لو دعانا بولس "ورثة"، إلا أننا لم ننل هذه الورثة بعدـ بل نلنا "عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده" (أفسس 1: 14).
"لأن الخليقة نفسها أيضاً ستُعتَق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخّض معاً إلى الآن. وليس هكذا فقط، بل نحن الذين لنا باكورة الروح أنفسنا أيضاً نئن في أنفسنا متوقعين التبنّي فداء أجسادنا" (رو 8: 21-22): لاحظوا هنا هذه الفكرة المهمة جداً: الخليقة مازالت تئن وتتمخض حتى الآن. الخليقة لم تُعتق بعد من الفساد إلى حرية مجد أولاد الله. نحن لم ننل التبني بعد، بل نلنا عربون التبني. إذاً: كيف بعد هذا كله نستطيع القول أننا خلصنا بالمعنى الغربي؟ إننا بهذا القول نخدع أنفسنا: نحن نلنا عربون الخلاص وعربون التبني وعربون الملكوت السماوي. لن نصل إليهم إلا في اليوم الأخير بعد أن نُثبت أننا بقينا أمناء ليسوع. عندئذ تنعتق الخليقة من الفساد وينال المؤمنون التبني فيصيرون أولاد الله في الملكوت، كالملائكة لا يعودون يخطئون بعد. عندئذ يستطيعون القول أنهم مخلَّصين.
إذاً: إن كنا لم ننل ملء الخلاص بعد، بل نلنا عربونه، فلا بد القول أننا بالرجاء خلصنا. يقول الرسول العظيم:
"لأننا بالرجاء خلصنا. ولكن الرجاء منظور ليس رجاء. لأن ما ينظره أحدٌ كيف يرجوه أيضاً. ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقعه بالصبر" (رو 8: 24-25). خلاصنا غير منظور بعد بل نتوقّعه بالصبر: "طوبى للرجل الذي يحتمل التجربة، لأنه إذا تزكّى ينال إكليل الحياة الذي وعد به الرب للذين يحبونه" (يعقوب 1: 12). لاحظ أنه قال "للذين يحبونه" أي يحبون الرب وليس "للذين يحبهم الرب"، لأن الرب يحب جميع الناس، الصالحين والأشرار. إذاً بناء على محبتنا للرب وثباتنا في هذه المحبة يقرر الرب خلاصنا.
قبل متابعة الآيات لا بد من الوقوف هنا عند ما قاله بولس: "لأننا بالرجاء خلصنا". ثم قال: "ولكن إن كنا نرجو ما لسنا ننظره فإننا نتوقّعه بالصبر". إن كنا لم نحصل على الخلاص بل نتوقعه بالصبر فكيف يقول بولس "إننا بالرجاء خلصنا" بدلاً من القول: "إننا بالرجاء سنخلص"؟ كيف يستعمل بولس صيغة الماضي لحدث لن يتم إلا في المستقبل؟
الجواب بسيط: بولس يؤكد أننا حتى ولو لم ننل ملء الخلاص بعد، فإننا نتذوّقه ونعيش شيئاً منه الآن. نحن لم نصل إلى الملكوت بعد، ولكننا نعرف أن الكثير من القديسين قد تذوّقوا هذا الملكوت قبل رحيلهم عن العالم. لهذا بولس يستعمل صيغة الماضي لحدث سيتم في المستقبل كما لو كان هذا الحدث قد تم سلفاً. هذا يذكرنا بقول بولس نفسه: "وأقامنا معه وأجلسنا معه في السماويات في المسيح يسوع" (أفسس 2: 6). من الواضح أن بولس لا يقصد أننا قمنا مع المسيح وجلسنا معه في السماويات (لأننا مازلنا على الأرض ننتظر يوم موتنا)، لكنه يقصد أننا نلنا عربون القيامة وعربون الجلوس مع المسيح في السماويات، لأننا نلنا بالروح القدس الساكن فينا "عربون ميراثنا لفداء المقتنى لمدح مجده" (أفسس 1: 14). رغم ذلك، بولس يحذّرنا من أن الله لا يجبرنا على خلاصنا إن كنا نرفضه. لهذا قال:
"ليُحضركم قديسين وبلا لوم ولا شكوى أمامه، إن ثبتم على الإيمان متأسسين وراسخين وغير منتقلين عن رجاء الإنجيل" (كول 1: 22-23).
"هذا وإنكم عارفون الوقت أنها الآن ساعةٌ لنستيقظ من النوم فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا... فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور" (رو 13: 11-12). لاحظوا هنا هذا: لو قرأنا بولس القائل: "إن اعترفتَ بفمك بالرب يسوع وآمنت بقلبك أن الله أقامه من الأموات خلصت" (رو 10: 9) بدون قراءة أي شيء آخر لاستنتجنا أننا ننال الخلاص بمجرد الإيمان بالمسيح. لكن ليس هذا ما يقصده بولس ولو كره الكارهون. لأنه بولس نفسه هو القائل أعلاه: فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنّا.. هذا يعني أننا لم ننل الخلاص بعد. بولس يستعمل كلمة "الخلاص" بأكثر من معنى: إنها تعني الخلاص من حالة الخطيئة والظلمة التي كنا نعيش فيها قبل معرفة المسيح، وتعني عربون الخلاص الذي نناله الآن بناء على إيماننا بيسوع المسيح، وتعني الخلاص الذي سننال ملئه في اليوم الأخير إن بقينا أمناء للمسيح. كلما اقترب موتنا، يقول بولس، كلما اقترب خلصنا. المعنى واضح.
"ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم الموت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة: اُبتلع الموت إلى غلبة" (1 كور 15: 54).
"وكما لبسنا صورة الترابي سنلبس أيضاً صورة السماوي" (1 كور 15: 49). ما المقصود هنا؟ يقول بولس: كما لبسنا صورة آدم (الأول) الترابي هكذا سنلبس صورة آدم (الثاني) السماوي أي يسوع. أي أننا بعد عدم الفساد لكن: "عند البوق الأخير فإنه سيبوَّق فيُقام الأموات وعديمي فساد ونحن نتغيّر، لأن هذا الفاسد لا بد أن يلبس عدم فساد وهذا المائت يلبس عدم الموت. ومتى لبس هذا الفاسد عدم فساد ولبس هذا المائت عدم موت فحينئذ تصير الكلمة المكتوبة: اُبتلع الموت إلى غلبة...إلخ" (1كور 15: 52-58). إذاً: لم نلبس بعد عدم فساد وعدم موت ولم نلبس بعد صورة آدم السماوي (يسوع المسيح) ولم تتحقق الكلمة المكتوبة أو (الوعد) بعد. هذا كله سيحدث في اليوم الأخير. عندما تُبطل كل رئاسة وكل سلطان وكل قوة ويصير جميع الأعداء تحت قدميه، وآخر عدو يبطل هو الموت، عندئذ يخضع الكل له فيكون الله الكل في الكل، عندئذ فقط ننال الخلاص من الفساد، من الخطيئة ومن الموت؛ حينئذ فقط نستطيع القول أننا لن نخطئ بعد، ولن نفسد ولن نموت، فنصير مثل الملائكة في السماوات.
"يا أولادي الذي أتمخّض بكم أيضاً إلى أن يتصوَّر المسيح فيكم" (غلا 4: 19). إن كان المسيح لم يتصوَّر بعد في أهل غلاطية "المخلَّصين" فكيف كانوا "مخلَّصين" بالمفهوم البروتستانتي؟!
"... إلى أن ننتهي جميعاً إلى وحدانية الإيمان ومعرفة ابن الله، إلى إنسان كامل، إلى قياس قامة ملء المسيح.. بل صادقين في المحبة، ننمو في كل شيء إلى ذاك الذي هو الرأس، المسيح" (أف 4 : 13-15). المسيحي مدعوٌ للنمو في الإيمان والمعرفة حتى الوصول إلى قياس قامة ملء المسيح.
"حتى تميّزوا الأمور المتخالفة لكي تكونوا مخلَّصين وبلا عثرة إلى يوم المسيح" (فيل 1: 10). إذا لم نميّز الأمور المتخالفة التي تبعناها لن نكون مخلَّصين يوم المسيح. من الواضح أن الخلاص غير مضمون ويعتمد على الإرادة البشرية لا الإلهية.
"تمّموا خلاصكم بخوف ورعدة، لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعلموا من أجل المسرّة" (فيل 2: 12). يصرخ الرسول: "تمّموا خلاصكم بخوف ورعدة". خلاصكم غير كامل بعد. تمّموه بخوف ورعدة. لا تدمدموا قائلين: نحن مخلَّصون! بئس هذا الفكر الباطل. بدلاً من أن نتمّم خلاصنا بخوف ورعدة ومحبة وتواضع، نشمخ برؤوسنا قائلين: "نحن مخلَّصون"؟! من الواضح أن بولس لم يكن بروتستانتياً وإلا لما قال ما قاله.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس





المفضلات