انتشرت في الثلاثين سنة الأخيرة ما يُعرَف باجتماعات الصلاة من أجل الوحدة المسيحية ، و هي اجتماعات يتم الإنفاق عليها و تدعيمها بشدة من جهات بروتستانتية من جانب ، و من جهات تستهدف الأورثوذكسية مباشرةً و لها توازنات سياسية كمجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يريد أن يفرض علينا اللقب الشهير الذي " افتكسه" جرجس صالح ، و هو لقب "بابا العرب" الذي يمثله رجل السياسة الأول و هو بطريرك الكنيسة القبطية.
قبل ذلك نجد في التاريخ مبادرات كثيرة و تحركات فيما يُعرف بالشياكة اللاطائفية ، أو نظرية " كلنا واحد في المسيح" .
و لكن كيف تنظر الأورثوذكسية لهذا لفكرة الوحدة أصلاً ؟ إن هذا الأمر شديد الإلحاح ، و يحتاج إلى وقفة حقيقية على المستوى الشعبي ، لأن الوحدة الغير مبنية على أساس أورثوذكسي فشلت في اختراق كنيستنا من الجهة اللاهوتية ، فاستخدمت المفاهيم الأخلاقية العالمية لتخترقنا من الجانب الجماهيري ... أو ما أسميه باللغة المصرية الشعبية (وحدة المصاطب) أو بكلمة أكثر قسوة ، غناها المطرب المصري الشعبي " أحمد عدوية" قائلاً : " كله على كله ، و أما تشوفه قل له" ... و يجعله عامر .
هذه الكلمات التي تبدو إنها لا تليق بروحانية أو قدسية الموضوعات المطروحة في المنتدى أو في أي منبر أورثوذكسي ، هي كلمات أكثر رقياً من الإسفاف الذي يمكننا أن نراه في هذه الإجتماعات التي يصل بعضها إلى مرحلة الإخلال بالآداب . الأمر الذي أثار ضجر رهبان الجبل المقدس ، و غيره من تيارات معروفة عند أصحاب نظريات " كله على كله" بأنهم متعصبين و وحشين .
ماذا يقول الفكر الكنسي في هذه المسألة الشائكة ؟؟؟
ملحوظة : عزيزي القارئ ، قبل أن تقذفني و تتهمني بالتعصب و التخلف و الرجعية و إني مش موديرن و مش هاي كلاس عشان ضد هذا النوع من الإجتماعات ، أرجو أن تتذكر أن القديس يوحنا الحبيب أيضاً لم يكن Large و لم يكن Modern بل و كان" رجعياً "مثلي ، لما قال :
2 يوحنا 1 :10 ان كان احد يأتيكم ولا يجيء بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام.
بل و بولس الرسول نفسه ، مكنش Descent ، لما قال :
غلاطية 1 :8 ولكن ان بشرناكم نحن او ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن اناثيما.
غلاطية 1 :9 كما سبقنا فقلنا اقول الآن ايضا ان كان احد يبشركم في غير ما قبلتم فليكن اناثيما.
و يبدو ، و الله أعلم ، أن بولس الرسول أيضاً لم يكن " مرناً " و لم يكن مثل الناس العظماء الذين يصلون سوياً على اختلاف إيمانهم ، فكان يقول : "رب واحد إيمان واحد معمودية واحدة "[1]
هذا ما سأحاول أن أتعرض له في المقالة التالية :
---------------------------------------------------
الكنيسة بين الفكر المسيحي و الفكر البروتستانتي ،
الكنيسة في الفكر المسيحي الأورثوذكسي هي جسد المسيح ، و جسد المسيح هو الإفخارستيا ، و لذلك فإن الكنيسة و الإفخارستيا ليسا أمرين منفصلين ، بل هما المسيح نفسه . فإن كانت الوحدة غير محققة فإن المسيح منقسم ... حاشا. لذلك يقول القديس بولس الرسول :
كولوسي 1 :18 وهو راس الجسد الكنيسة.الذي هو البداءة بكر من الاموات لكي يكون هو متقدما في كل شيء.
كولوسي 1: 24 الذي الآن افرح في آلامي لاجلكم واكمل نقائص شدائد المسيح في جسمي لاجل جسده الذي هو الكنيسة.
يصف القديس كيرلس الكنيسة بأنها سر المسيح musthrion Xristou[2] ، أما عن الآية التي يستخدمها مجلس كنائس الشرق الأوسط شعاراً لها [3] ، فهو يقول عنها : فهو بالحقيقة يريد لتلاميذه أن يصيروا محفوظين في وحدةِ كاملة ، في الروح ، و المحبة ، متصلين ببعضهم في وحدانية لا يمكن أن تتأثر بأي شيء ، صائرة في كمالِ يعكس الوحدانية الطبيعية الموجودة بين الآب و الإبن ، باقية لا تُقهَر و لا تُشوَّش بسبب العالم.[4]
و أيضاً يشرح لنا أن الوحدة ليست فكرة أخلاقية ، أو إننا نبقى حلوين مع بعض ... بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليربطها بالوحدة الطبيعية التي ننالها في الإفخارستيا ، غير مكتفٍ بالوحدة الإرادية الأخلاقية الأدبية ، فيقول :
إن قيل إنه ينبغي أن نكون متعلقين روحياً بالمسيح بمشاعر المحبة الكاملة و بالإيمان المستقيم غير المتزعزع ، و بمحبتنا للفضيلة و بصدق معتقدنا ( و يقصد هنا الرغي الكتير اللي احنا عارفينه ، و الذي يُقال في الإجتماعات الجماهيرية و المنابر العالمية) فهذا لا يتعارض مع عقيدتنا ، بل إننا نحن أنفسنا ننادي بأن هذا جميعه حق و واجب.
أما إن قيل إنه ليس لنا معه أي ارتباط بحسب الجسد ، فإننا سنبين أن هذا يتعارض مع الكتب المقدسة ، فليقولوا إذاً ماذا يكون سبب وجود الأولوجية السرية؟ ( الإفخارستيا) و ماذا تكون قوتها ؟ و لماذا تأتي إلينا؟ أليس لكي تُدخِل إلينا المسيح جسدياً بالشركة في جسده و التناول منه ؟ .... و يجب هنا أن نلاحظ جيداً أن المسيح لا يتكلم عن حلوله فينا بمجرد ارتباط عاطفي ، بل بمشاركة طبيعية kata meqezin fusikhn .
فكما أنه إذا عُجِن أحد قطعتين من الشمع معاً ، و جعلهما تنصهران في النار ، فإنهما تصيران واحداً ، هكذا بقبول جسد المسيح و دمه الكريم ، يكون هو فينا و نحن نكون متحدين فيه. فالذي وُلِد قابلاً للفساد ، لم يكن ممكناً إحياؤه بطريقة أخرى إلا بمزجه جسدياً بجسد الحياة نفسها أي الإبن الوحيد . و إذا كنت لا تريد أن تقتنع كلامي ، آمن على الأقل بالمسيح الذي يقول :" من يأكلني فله حياة أبدية ... يو 6 : 54 -55 " إن الحياة الأبدية هي في الواقع جسد الحياة ، أي جسد الإبن الوحيد)[5]

[ و نحن حينما نصير شركاء في الروح الواحد نكون متحدين مع مخلص الجميع و بعضنا مع البعض ، و من جهة أخرى نحن شركاء أيضاً في جسد واحد : (فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا جميعاً نشترك في الخبز الواحد 1 كو 10 : 17) فجسد المسيح الذي فينا يربطنا برباط الوحدة لأنه غير منقسم بأي حال من الأحوال[6] ]
And as the Body of the Word Himself is Life-giving, He having made it His own by a true union passing understanding and language; so WE too who partake of His holy Flesh and Blood, are quickened in all respects and wholly, the Word dwelling in us Divinely through the Holy Ghost, humanly again through His Holy Flesh and Precious Blood. The most holy Paul will confirm the truth of what I said, writing thus to those in Corinth who believed in our Lord Jesus Christ, I speak as to wise men, judge YE what I say, the Cup of Blessing which we bless is it not the communion of the Blood of Christ? the Bread which we break is it not the communion of the Body of Christ? for one bread one body are we who are many, for we all are partakers of One Bread. For having partaken of the Holy Ghost, we are made one both with Christ Himself |146 the Saviour of all and with one another: we are of the same body in this way, that we being many are one bread one body, for we all are partakers of the One Bread. For the Body of Christ which is in us binds us together into unity and is in no way divided

بالمقابل ، نرى عند الهراطقة البروتستانت مثلاً ، كتاب اللاهوت النظري الذي – عمليّاً – يمثل تقليدهم ، يقول جيمس إنس : "الكنيسة هي جماعة المؤمنين ، و هي :
1-الجماعة المحلية
2-مجموعة الكنائس في منطقة واحدة
3-جميع كنائس العالم. و هي تتألف من فريقين أحدهما المؤمنون الحقيقيون ، و الآخر المعترفون بالإيمان المسيحي اعترافاً خارجياً فقط. فميزوا بينهما باستعمال تعبير الكنيسة المنظورة ، و الكنيسة الغير منظورة!
4-كنيسة المسيح مقدسة لكنها ليست خالية من النقائص و الشوائب! و دورها تنظيم الإجتماعات لتنشر التعاليم الإلهية و لتبني التقوى و بالمشروعات الخيرية التقوية بأمل الغلبة رويداً رويداً على جنود مقاوميها بمساعدة الروح القدس.
و اشتهرت الكنيسة في تاريخها بأربعة مذاهب ، في النظام الخارجي : النظام التقليدي ، الأسقفي ، الإستقلالي ، و النيابي أو الجمهوري !!! "[7]
"سؤال : هل تتجدد النفس بواسطة المعمودية؟
لا ، لأن التجديد هو عمل الروح القدس داخل نفس الإنسان ، لا عمل الماء المرشوش على جسده. حيث ينكر الإنجيليون أن الروح القدس يجدد القلب عند إجراء المعمودية فإن الإيمان يسبق المعمودية."[8]

فإن لم تكن هذه كافية لعدم الشركة معهم ، هل ممكن لأحد الإخوة الموديرن اللي مش رجعيين يقول لي ماذا كان يعني بولس الرسول و يوحنا الحبيب إذاً ؟
... يتبع

[1] أف 4 : 6

[2] العبادة بالروح و الحق ، المقالة 2

[3] ولست انا بعد في العالم واما هؤلاء فهم في العالم وانا آتي اليك.ايها الآب القدوس احفظهم في اسمك الذين اعطيتني ليكونوا واحدا كما نحن. يوحنا 17 :11

[4] Commentary on the Gospel according to John , translated by Henry Pusey

[5] تفسير إنجيل يوحنا 10 : 2

[6]Cyril of Alexandria, Five tomes against Nestorius, book 4 , oxford 1881

[7] اللاهوت النظري ، ص599

[8] المرجع السابق ص606