أبونا الجواد في الطيبة بطرس الزين:
أسعدني كثيراً ردكم الطيب الخلوق الوديع. اسمح لي بالتجاوب مع ما جاء في ردكم أعلاه.
1. لا أنكر قيمة التقليد في الوصول للحقيقة المسيحية بل الكتاب المقدس نفسه خرج من أحشاء التقليد! ولكن هل هذا التقليدمعصوم؟ ألا ترى أنه يستحق الغربلة والقراءة بوعي؟ وإنْ كان الأمر كذلك،ألا يقتضي ذلك قراءة فردية ذاتية تختلف في الرؤية من منهج لآخر؟ باعتقادي هذا يفترض بالنتيجة أن لكل واحد رؤاه الخاص مع أن المسيح واحد والتقليد واحد. في داخل التقليد الواحد ستجد أطياف ومشارب لا تتطابق تطابق أصم جامد وإلا فقد الإنجيل ذاته حيويته وصار وكأنه نص قرآني جامد. عظمة المسيحية في اعتقادي الشخصي في أنها لا تركن إلى تقليد جاف جامد أصم وإنما إلى "الكلمة الذي قد صار بشراً" ولبس بشريتنا حتى ما يلبسنا ألوهته. الألواح التشريعية في المسيحية ليست ألواح حجرية ولكنها ألواح قلب لحمية (2 قورنثوس 3: 3).
2. من جهة الطوائف المصلحة الإنجيلية فهي وإن رفضت التقليد القديم فوقعت دون أن تشعر تحت نير تقاليدها هي والتي وضعتها مع حركة الزمن. بيد أننا، سيدي العزيز، نختلف في نظرتك للطوائف المصلحة واختزلتها لزواج المثليين. ما رأيك أن تطالع كتابات لاهوتيين مثل كارل بارت وتحكم بنفسك؟ وأيضا هناك ديتريش بونهوفر... هؤلاء قديسون تجاوزوا كل الأطر واغتصبوا الملكوت اغتصاباً.
وإجمالاً لا اعتراض عندي على الكنيسة الرسولية ولكن اعتراضي الأكبر هو على التحجر. لي أصدقاء كهنة في إسرائيل ولهم مكانة خاصة في قلبي. الأمر ذاته من قبل كهنة موارنة. جميع الكتب المسيحية التي أقتات عليها هي إما لأباء يسوعيين أو ناس مثل جورج خضر أو كوستي بندلي ممن أجلّهم وأضعهم في مكانة عالية حيث يمثلون الرقيّ المسيحي الذي أنشده نحو إنسانية لا تعتزل الواقع وإنما تتوغله.
سيدي العزيز.. عندما يقف مسيحي من أبناء الطائفة الإنجيلية ومسيحي من الطائفة الأرثوذكسية أمام المسيح الملك فلن يعطوا حساباً على أيهم كان أصح من الآخر عقائدياً وإنما الحساب يكون على قدر المحبة. هكذا فهمت المسيح في إنجيله الحيّ ببساطته الجميلة.
وصحيح أن الملحد لا يدخل الملكوت برغم ما يقدم من أعمال حب ولكنه في الوقت ذاته يسمع صوت المسيح قائلاً له ما قاله من قبل: "لست بعيداً عن ملكوت السماوات".
أيضاً، لا يمكن المساواة بين شهود يهوه وغيرهم ممن هم خارج الإيمان التقليدي لأن شهود يهوه يحرفون الإنجيل عن مساره الحقيقي وينشرون تعاليم تخالف في جوهرها حق المسيح بينما بقية الطوائف اللا تقليدية ترفض الرضوخ لسلطة كهنوتية ولكنها تمارس أمور الإيمان في ضوء روح الإنجيل... الطائفة الإنجيلية بما فيها من عيوب حفزت أبناء الطوائف التقليدية على العودة لنص الإنجيل ودراسته وتدبره بعدما كان الإنجيل كتاباً مغلقاً ويتعامل معه الناس وكأنه تعويذة للتبرك بها.
المحبة المؤسسة على الإنجيل تختلف عن محبة المشروعات الخيرية لأن محبة الإنجيل مصدرها الله ولكن محبة الصليب الأحمر وغيرها مؤسسة على محاولات الإنسان المخلصة لعمل أعمال بر في مجهوده الذاتي. بر الله وبر الإنسان. وليتنا كمسيحيين فعلا كنا رجال أعمال لا رجال كلام. ما أسهل أن أقوم بالوعظ وأحرك مشاعر الناس ولكن عمل المشروعات الخيرية يتطلب توسيخ الأيدي وعرق الجباه والانخراط وسط المتألمين وهذا باعتقادي جزء ضخم من عمل الصليب بشكل سرائري.
من جهة تنصير لغتي العربية، أريد أيها الأب الجليل أن أقول أن اللغة وسيلة طيعة ولا توجد بالضرورة لغة إسلامية ولغة يهودية ولغة مسيحية وهلم جراً. الإسلام جاء وكان وريث وليس بمبتدع في اللغة. لو قرأتم قصائد شاعر ال††††††† العظيم الشيخ ناصيف اليازجي لوجدت أنه يكتب وكأنه مسلم. ولكن فجأة يقول: نحن النّصارى آل عيسى المُنتمي
وهو الإلهُ ابن الإلهِ وروحهُ
للآبِ لاهوتُ ابنهِ وكذا ابنهُ
كالشمسِ يظهرُ جرمها بشعاعها
. لو قرأت أراجيزه لما صدقت أنه مسيحي البتة بل قلت هذا مسلم من أصلاب المسلمين. هل تريد أن ترى ما يزيد الأمر طرافة؟ ابنه إبراهيم اليازجي أبدع إبداع لا نظير له والكثيرون منا بقوا لعهد طويل لا يعرفون هو مسلم أو مسيحي وتجد كتبه على مواقع إسلامية سلفية وهو ذو باع عتيد في الترجمة الكاثوليكية للكتاب المقدس وقتئذ والعهدة على الأب حنا الفاخوري في كتابه الشائق الممتع "تاريخ الأدب العربي". ماذا يفيدني بتنصير لغتي وأضع حاجز بيني وبين من أريد أن أصل إليهم بالإنجيل والويل لي إنْ لم أعلن لهم الإنجيل! ما رأيك في وجود كتاب الأديب اللبناني النصراني العظيم إبراهيم اليازجي على موقع إسلامي سلفي مثلما نرى هنا:
على فكرة، سبق أن اشتريت هذا الكتاب واشتريته من مكتبتي المفضلة في الشرق بِاسره وهي المكتبة البولسية في جونية لبنان. وها أنا أجده على مواقع السلف: أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم.
نعم، تنصّر قلبي وأما لغتي ومفرداتي فهي منفتحة على الآفاق باسطة اليدين وتريد التلاقي والتلاقح معهم لعلهم يتخصبوا ببذار الكلمة spermalogos الذي صار بشراً.
إجمالاً، أيها الأب الحبيب، أشكرك من صميم أعماق القلب ومثلك أخضع له خضوع الطاعة في المحبة وكم أثلج صدري كلامك وما أحوجنا لرعاة مثلك وهم يطعموننا خبز الحياة. سامحني حيث قلت ما لا يليق. اذكرني في صلاتك أو كما يقول لي أب جزويتي في مكاتباته لي "اذكرني في دعاك". أمام عرش نعمة المسيح الإله نلتقي.
مع خالص حبي الشديد لك وتشرفني معرفتك وصداقتك.
بالمسيح:
تيموثي
المفضلات