شــــفـــاعـــة الــقــديــســيــن
إعداد: فادي بشور
أولاً... القداسة
القداسة صفة من صفات الله , وهو مصدرها , وهكذا يرد في الكتابالمقدس عن الله أنه قدوس لأنه منزه عن الخطيئة والفساد وممجد من الملائكة بتسبيح لاينقطع إلى الأبد " قدوس قدوس قدوس " أما الإنسان فهو ليس قديساً من نفسه لكنه يتقدسبالمشاركة في قداسة الله , وهذا لا يتم بقوى الإنسان الذاتية ووسائله بل بفعل نعمةالتقديس الإلهية
فالتقديس هو فعل ينتج عن المشاركة بين الله والإنسان حيث اللههو المقدِّس بالدرجة الأولى, لذلك يفصل الكتاب المقدس بين المقدِّس وهو ( يسوعالمسيح ) وبين المقدَّسين وهم البشر المؤمنين(عب 2:11). من هنا نفهم أن التقديس هو عمل الثالوث القدوس يتم بشركة الروح القدس(2تسا 2 : 13)عبر المقدس الذي هو المسيح
حياة القديسين صورة لحياة السيد المسيح له المجد. قال الرب يسوع: "أنا نور العالم من يتبعني لا يتيه في الظلام بل يكون به نور الحياة" (1يو 12:8) فالمسيحي الذي يحيا في النعمة الإلهية يصبح جزءاً من جسد الإله ويستنير بالأفعال الإلهية غير المخلوقة, "تشرق في قلبه معرفة مجد الله, ذلك المجد الذي على وجه المسيح" (2كو 6:4) فيحيا حياة المسيح ويشع بالنور الإلهي
ولقد تجاوب قديسو كنيستنا مع هذه الدعوة فعاشوا حياة المسيح عاملين بقول الرسول "فما أنا أحيا بعد بل المسيح يحيا فيَّ, وإذا كانت لي حياة بشرية, فإنها في الإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي" (غلا 20:2) فقد اتحد هؤلاء القديسون بالمسيح يسوع وغمرهم نور الروح القدس فكانت حياتهم صورة مصغرو لحياة السيد المسيح نفسه أما أفكارهم وأقوالهم وأعمالهم فكانت أفكار المسيح وأقواله وأعماله لأن حياتهم كلها هي ثمرة عمل الروح القدس في داخلهم وهكذا صاروا خليقة جديدة في المسيح أي خليقة الله الجديدة الدالة على عمل الله في حياة الإنسان الروحية, فاستطاعوا أن يرشدونا إلى حقيقة الإنسان وكيف ينبغي أن يحيا.
وعندما يبقى المرء أميناً على محبة الله, بتطبيق الوصايا فإن نعمة الرب ستبقى معه ويشعر بعمق علاقة المحبة مع محيطه ويعبر عن هذه العلاقة بطرق مختلفة, فالقديسون يشعرون أنهم متحدون بالعالم أجمع ويحسون بمسؤولية شخصية عن الخليقة فيصلون من أجل استعادة كل شيء وتجديده وإعادته إلى وحدته وانسجامه (أيوب 5: 22-23)
يقول القديس اسحق السرياني إن الإنسان الرؤوف يصلي كل لحظة بدموع من أجل الطبيعة غير الناطقة أيضاً ومن أجل أعداء الحق ومن أجل الذين يؤذونه لكي يحفظهم الرب ويغفر لهم, ويصلي من أجل الزواحف لأن الرأفة العظمى تتحرك في قلبه بدون حدود أو قياس فيشابه الله في ذلك
إن فعل التقديس الحاصل حقيقة لا يتم فقطبواسطة الأسرار الإلهية التي هي بداية التقديس(رو 8 : 23 - 24)ولكن تلزم أيضاً محاولة الإنسان الشخصيةلذلك يتوجه الله إلى من وهبواهذه النعمة بقوله : " كونوا قديسين لأني أنا قدوس " وأيضاً " كونوا كاملين " كذلكالقديس بولس الرسول يذكر " فإذا كنا نحيا بالروح فعلينا أن نقتفي آثار الروح " (غلا 5 : 16 – 25)الإنسان يقتفي آثار الروح عندما يحياحياة الفضيلة , وأما حياة الخطيئة فإنها تطفئ الروح ) 1تسا 19:5) الخطيئة لا تطفئ الروح فحسب بل تفقد الإنسان نعمة التقديس الموهوبة لهمن الله
في العهد الجديد نلاحظ التركيز على دعوة الإنسان إلى العيش بحسب الروحوتجنب الحياة بحسب الجسد , مع تحليل مفصل لكلا الحالتين وبيان النتيجة التي تقودإليها كل منهما
إن جهاد الإنسان هذا للتنقي من الأهواء مدعوم بنعمة الروحالقدس, يقول القديس مرقس الناسك: " لا يمكننا أن نقوم بأي عمل في سبيل قداستنابمعزل عن النعمة"
نلاحظ أن القداسة هي دعوة ليست بمستحيلة لنا بل هي صعبة, نعم صعبة, ولكنها دعوة للكل لخوض مضمار هذه السباق ولنجد أياً منا سيغتصب ملكوت الله فالسيد له المجد أعلمنا أن ملكوت الله يغتصب اغتصاباً وهذا أمر يؤكد لنا ضرورة السير في الجهاد والتعب في هذه الحياة
ثانياً...القديسون
مما سبق ذكره عن القداسة كان يكفي القول أنالقديسين هم البشر الذين وصلوا إلى التأله. أي أنهم كما يقول القديس مكسيموسالمعترف " هم الذين تجنبوا حركة النفس المخالفة للطبيعة ( الخطيئة ) , واستهجنواالعيش بحسب الطبيعة ( عائدين دائماً إلى الله ) ونجحوا في ذلك فاستحقوا أن يكرسواأنفسهم بالكلية لله بواسطة الروح القدس ".
ولكي يكون الأمر واضحاً أكثر نوردهنا التعريف التالي : " القديسون هم أصدقاء الله , أي أنهم المسيحيون الأتقياءالذين أرضوا الله بمحبتهم الكاملة نحوه وبخضوعهم الكامل لمشيئته فنالوا حظوة لديه , ومن جهة أخرى تقدسوا بكليتهم بموهبة الروح القدس وتألهوا بالنفس والجسد , وتمجدوامن الله أحياء على الأرض وحتى بعد رقادهم , بالنعمة الموهوبة لهم وبعطية عملالعجائب , وحتى في السماوات بالدالة التي لديهم لكي يتشفعوا بمن هم بحاجة إلى رحمةالله من أحياء وأموات "القديسون يؤلفون " جماعة الأبكار المكتوبين فيالسماء " (عب 12 : 23 ) الذين نحن مدعوون إلى الانضمامإليهم أيضاً . لذلك نقول في الصلاة على الأموات " مع القديسين مع أرواح الصديقينالراقدين ".يطلق على القديسين في الكنيسة اسم " ممثلو المسيح " هذه الجملةتدل على أنهم ورثته والنائبين عنه. هكذا تسميهم الكنيسة لأنهم سلكوا بحسب روح قوةالمسيح فكانت لهم مواهب النبوءة والتعليم وصنع المعجزات
القديسون فيالكنيسة كثيرون جداً ولا يمكن حصرهم وأكثرهم غير معروفين. إنهم " تلك السحابةالكبيرة " التي تحدث عنها الرسول بولس , وهم يقسمون بحسب الطروبارية إلى " الرسل , الشهداء , الأنبياء , رؤساء الكهنة , صديقين " . وكل قديس يختلف عن بقيةالقديسين على حد قول الرسول بولس : " كل نجم يختلف عن النجم الآخر بالضياء " (1كو 15 : 41)
تكريم القديسين :يقول القديس بولس عن القديسين أن " العالم لم يكن يستحقهم " (عب 11 : 36 (
أي أن قيمتهم ومكانتهم أعظم من العالمكله , لأنهم يحصلون على مجد عظيم من الله وعلى إكرام كبير من الكنيسة .
الله يكرم القديسين أحياء وحتى بعد موتهم
نجد تكريمه لهم وهم أحياء
عندما زار الرب ابراهيمعند بلوطات ممرا توسل إليه ابراهيم من أجل أهل سدوم . وبالقياس إلى عظمة الله نجدكم كان ابراهيم جريئا في طلبه هذا ولا يمكن أن يفسر سوى بالدالة والمودة التي يشعربها القديسون تجاه الله " لا يسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط .. " (تك 18 : 23 – 33)ومما يزيد العجب أن ابراهيم هو الذي توقف عنالسؤال وليس الله عن قبول الطلب .
عندما غضب الرب على إسرائيل وأراد أن يفنيهويجعل من موسى شعباً عظيماً , تضرع موسى أمامه من أجل الشعب فرجع الرب عما كان يريدأن يفعله(خروج 32 : 9 - 14)يقول الرب لموسى " اتركني " وكأن الرب يشعر أنه مقيد من أصفيائه(مزمور 145 : 19 ( الله يساوي القديسين بنفسه فالذي يكرم الله يكرم القديسين والعكسصحيح " الذي يسمع منكم يسمع مني والذي يرذلكم يرذلني " (لوقا 10:16)عيَّن الله القديسين ديانين للعالم : " ألستم تعلمون أنالقديسين سيدينون العالم " (1كو 6:2)
بعدموتهم :
أولئك الذين سلكوا بمشيئة الرب في حياتهم " لا يستحي الله أنيدعى إلههم " (عب 11 : 16 (لهذا يدعى الله إله الآباء " إله ابراهيم واسحق ويعقوب " (خروج 3 : 15 – 16)
يتكلم بأرق العبارات عن الشهيد انتيباس حيث يقول " انتيباس شهيدي الأمين) " رؤ 2 : 3(
نفوس الصديقين توجد تحت المذبح السماوي أي فيأسمى مكان) رؤ 6 : 9 ( وهي تصرخ إلى المسيح لكي يعاقب منسفكوا دمهم أي مضطهدي الكنيسة , فيقبل طبلتهم ويطلب إليهم أن يستريحوا وينعم على كلمنهم بالثياب البيضاء ) رؤ 6 : 11)
وأخيراً نذكر مايقوله القديس سلوان الروسي الذي نسك في جبل آثوس ( 1938+ ) " إن المجد الذي يمنحهالله للقديسين هو من العظمة بحيث أنه لو رأى البشر العاديون القديس كما هو لسقطواأرضاً من الرعدة والخوف لأن الإنسان الأرضي لا يستطيع أن يتحمل رؤية المجد السماوي " .
الله يطلب منا أن نكرم القديسين :
"من قبل نبياً لأنه نبي فأجر نبي ينال " (متى 10 : 41(
وتوعد الذين يعيرون القديسين ويضطهدونهم " لا تمسوا مسحائي ولا تسيئواإلى أنبيائي"(مزمور 105: 15)
الكنيسةالأرثوذكسية تقدم للقديسين التكريم التالي :
تطلق عليهم أسماء وصفاتسامية الكرامة " قديس - رجل الله - شفيع - أب .. " .
تقدم لهم التكريمبالسجود لهم ( مثل هذا السجود قدم بنوا الأنبياء إلى النبي أليشع ) 2مل 2 : 15)
ترسم ملامحهم الوقورة وحوادث استشهادهم فيأيقونات مقدسة
تكرم أيقوناتهم المقدسة بالخشوع والتقبيل وإنارة القناديلوالشموع وبالتبخير .
تكرم بقاياهم المقدسة بنفس الطريقة .
تشيد هياكلالإله المثلث الأقانيم وتدعوها بأسمائهم تكريماً لهم
تقدس الهياكل ببقاياهمالمقدسة .
في يوم ذكراهم تقيم الذبيحة الإلهية والسهرانيات والاجتماعات ..
يقدم المؤمنون التقدمات السخية للهياكل لتكريم القديسين ( النذور)
خلال الذبيحة الإلهية ترفع أقسام خاصة بهم
تطلب شفاعتهم ووساطتهم القوية
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بالتحديد " إذا كانت الجرأةلأشخاص أرضيين أن يتوسطوا لدى ملك أرضي , فكم من الفائدة يستطيعون أن يقدموا للذينتوسطوهم ؟ وكم بالأحرى ستكون الفائدة التي سنحصل عليها بواسطة القديسين الذين حصلوابجهاداتهم الروحية وفضائلهم على الجرأة في الطلب من الملك السماوي من أجلنا يكفيطبعاً أن نطلب نحن بحرارة وإيمان .إذا يلزم أيضا إيماننا وتوبتنا لأنه كمايقول القديس يوحنا الذهبي الفم " إن نفوس القديسين لديها قدرة كبيرة ولكن عندمانتوب نحن أيضاً " ( العظة الخامسة عن إنجيل متى)

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات