
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة nectarios-f
كثيراً ما يميل الإنسان إلى نسبة ما لنفسه لله وما لله لنفسه. حتى خطاياه قد يبدي استعداداً لنسبتها إلى الله تبريراً لنفسه، كما قد يعتدّ بما حصّل وكأنّه منه فيما يكون ما حصّله من ربّه. هذا ناتج الخلل في أحكام الإنسان من جرّا سقوطه. لذا يحتاج الإنسان إلى تحسّس ضعفه وعجزه أولاً. ومتى عرف أن يَثبت في إيمانه ويصبر ويتّكل على ربّه فإنّ ساعةً تأتي يعينه ربّه فيها في كل ما هو نافع له. وإن لم يعطه، في الظاهر، ما ترغب به نفسه أو ما هو في حاجة إليه، فإنّ إلى ما يحرمه الله منه تكون الحاجة، أدَرَى الإنسان أم لم يدْرِ. المؤمن يتعلّم أن يقبل من يد الله كل شيء. يَرضى بإقبال الله إليه ويرضى بإعراضه عنه. ينظر لا إلى ما يرغب فيه بل إلى المنفعة، إلى أن تأنس نفسه، قليلاً قليلاً، إلى كل ما يعطيه الله وما لا يعطيه سواء بسواء، عالماً أنّ كل شيء يعمل معاً للخير للذين يحبّون الله، أو بالأحرى للذين يعملون ما يعملونه لله.
قد يكون لديك خمسون ألف ليرة في جيبك لا غير. تغادر عملك في العاصمة لتستقل الباص إلى بيتك. فجأة يلتقيك جارك. تسلّم عليه. يقول لك مرتبكاً: "امرأتي المريضة بحاجة إلى دواء ولم يبق لديّ من أجرة الشهر شيء. أبإمكانك أن تسلّفني خمسين ألف ليرة أردّها لك في آخر الشهر؟" ماذا يمكن أن يخطر ببالك ساعتذاك؟ ماذا بإمكانك أن تقول؟ قد تحلّ القضيّة بشرياً. تقول له وتكذب: "ليس في طاقتي أن أعطيك". أو قد تقول له: "لست قادراً على أن أعطيك كل ما تطلبه. بإمكاني أن أعطيك خمساً وعشرين ألف ليرة فقط". هذا حلّ. أو قد تعتبر أن الله أراد أن يمتحنك لذلك أرسل لك هذا الصديق. أراد أن يعرف مقدار اتكالك عليه وثقتك به. ماذا تظنّ؟ الله لا يكلّمك كما أكلّمك أنا الآن. يكلّمك من خلال ظروفك اليومية. الفرصة فرصة. إما تنتهزها وإما تضيّعها. فإذا اعتبرت أنّك في موقع الممتحَن من الله فإنّك تعطي كل ما معك لجارك وتسلّم أمرك لله. ماذا يحدث لك بعد ذلك؟ لا تعرف! لك فقط، مهما حصل، أن تعرف أَنّك إن ألقيت رجاءك كاملاً على الله، فلست أنت بعد مَن يعمل بل الله هو يصير الفاعل. سترى ما لم يخطر ببالك. ستكون لك بَرَكة عظيمة. هذا مؤكد! إذا لم تصلُ إلى مستوى الإيمان الكامل بيسوع فلن ترَ مجده. "إذا آمنتِ ترين مجد الله". هذا ما قاله يسوع لمرتا أخت لعازر. وكان أن عاينت قيامة أخيها من الموت.
تعود إلى بيتك في ساعة متأخّرة من الليل منهَكاً من ثقل النهار. أنت معتاد أن تختتم يومك بصلاة النوم الصغرى. تقول: "لست قادراً على أن أصلّي لأنّي تعب". قد ترسم على نفسك إشارة الصليب وتلقي بنفسك في الفراش. هذا حلّ. لا بل هذا هو الحلّ الأسهل الذي يختاره أكثر الناس. وقد تقول: "أصلّي الأفشينَين لوالدة الإله وللسيّد". قد تخطر ببالك أفكار: "ذهني مُتعَب. لا أستطيع أن أركّز انتباهي في الصلاة. ما قيمة الصلاة إذا لم أكن واعياً لها، إن لم أحسّ بها؟" فإذا انغلبت لمثل هذه الأفكار تكون قد خسرت فرصة أن يعمل يسوع في ضعفك. بلى يسوع يأتي في ساعة لا تنتظرها. يأتي والأبواب مغلقة عليك بالتعب والضعف. يأتي في نصف الليل حين لا ترى شيئاً. يأتي لا لأنّك قادر على إتمام عمل يطلبه منك، بل لأنّك، بالضبط، عاجز عنه ولكنْ دون أن تستسلم لعجزك. ما رأيك لو بدأت بالصلاة؟ لست بحاجة لا إلى إحساس لتبدأ ولا إلى فهم. قف أمام الإيقونة. أضئ شمعتك. حرّك لسانك. حرّك يدك. والباقي يتبع. اصمد! قدّم ما عندك. اغصب نفسك قليلاً ترَ العَجَب! ستكتشف أنّك كلّما تقدّمت خطوة، كلّما تفوّهت بقول، كلّما أَخَذَتِ الراحة تتسلّل إليك. ثمّ بعد ذلك تتحرّك الصلاة من ذاتها. يلامسك الفرح. يحلّ عليك السلام. تشعر بقوّة الكلام على نحو متزايد. المهم ألا تكون لك نيّةُ إنهاء الصلاة بسرعة. أعط النعمة فرصة أن تعمل فيك. لا تنسَ: "الحجر الذي رذله البنّاؤون هذا صار رأساً للزاوية". "من قِبَل الربّ كان هذا وهو عجيب في أعيننا".
المفضلات