الكنيسة الأرثوذكسية كنيسة جامعة مقدسة رسولية

إعداد الأب فادي هلسا
المقدمة :
تعني الكنيسة بمفهومها الضيق جماعة المؤمنين . وعندما نتحدث عن جماعة تسمى كنيسة ، لا بد من رابط يربط تلك الجماعة ليصهرها في بوتقة واحدة لكي تبقى جماعة لا يمكن تفريقها .
ذلك الرابط هو الإيمان . والإيمان في الكنيسة وتعريفه هو الذي أورده الرسول بولس إذ عرّفه بقوله : الإيمان هو الثقة بما يرجى والإيقان بأمور لا ترى .
لكن ما هي الأمور التي تنبثق عن هذا الإيمان .
1. أول هذه الأمور سرمدية وجود الله حسب ما ورد على لسانه ( أنا الأول والآخر ، أنا الألف والياء ) وأن الله مطلق الوجود لا يدور نقاش في ذلك .
2. أن يسوع المسيح هو الصورة الحسية لقوة الله غير المنظور ، وأنه الوسيط الوحيد بين الله والناس في شركة جسده ودمه الذين قدمهما على الصليب مصالحاً السماء بالأرض . أي نؤمن قطعياً بصلبه وموته وهبوطه إلى الجحيم ليعلن خلاصه لرجال العهد القديم الذين آمنوا بحتمية الخلاص الذي أتى به إلى العالم ليفتدي الذين آمنوا به من لعنة الناموس صائراً لعنة لأجلنا لننال التبني ، أي لنصبح أبناء الله ، وأنه قام من بين الأموات ، قاهراً عزة الموت فاتحاً الطريق لنا سهلاً نحو الملكوت السماوي ، وصعد إلى السماء حاملاً جبلتنا البشرية التي لبسها ممجدة بالقيامة ومنتصرة على الموت ليجلسها عن يمين الله وهو الموقع الطبيعي لها باعتبار الإنسان هو سيد المخلوقات جميعاً ، لولا خطيئة آدم وسقوطه بالعصيان على الله مؤهلاً المؤمنين به لهذا الامتياز العظيم .
3. وأن الروح القدس هو الروح الإلهي الذي يعرف أعماق الله صدر بعد صعود الابن منبثقاً من الآب ( يوحنا 15 ) هو اليوم الفاعل في الكنيسة هو المعزي والمحامي والمؤيد والمدافع عن الكنيسة واستحقاقاته تعطى للمؤمنين بواسطة الأسرار المقدسة وهو الذي نطق وينطق على ألسنة الأنبياء والرسل والأساقفة وعموم الأباء في الكنيسة
هذه هي الأمور التي تجمع الجماعة مع بعضها لتبقى جماعة متراصة تعمل مرضاة الله الذي يشاء أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون .
4. تؤمن الجماعة بمركزية تفسير الكتاب الإلهي من قبل آباء الكنيسة ومعلميها لأن المجال لو فتح لكل واحد في الجماعة لكي يفسر كما يشاء لانشقت الجماعة على بعضها ، لأن الكثير من آيات الكتاب الإلهي تحتمل الكثير من التفاسير لذلك يجب انتقاء التفسير الحقيقي الذي يتلاءم في الحقيقة مع روح النص الذي قصده الوحي الإلهي وهذا لا يتفق مع أن يفسر كل واحد على هواه .
بهذا تكون الكنيسة كنيسة حقيقية لها إيمان واحد وتقليد واحد ومسيرة واحدة تقود مؤمنيها نحو هدف واحد ألا وهو الخلاص والملكوت السماوي في المسيح ربنا الذي ينبغي له كل مجد وإكرام وسجود إلى الأبد . آمين

سمات تأسيس الكنيسة :
نسمع الكثير الكثير عن أسماء كنائس ، مسميات من هنا وهناك وهذه الكنيسة خرجت من تلك وكل واحد يقول أنا الأصل وأنا الكنيسة الحقيقية بل وأنا كنيسة المسيح .
ويقع المسيحي المؤمن البسيط في دوامة الكثرة وأين الصواب وما موقف المسيح من كل ذلك.
لا بد من وجود محك نختبر بواسطته تلك الكنيسة أهي من الله أم ما هو مصدرها .
والمحك الحقيقي موجود في العهد الجديد لا محالة ، فالمخلص له المجد هو نفسه الذي وضع هذا المحك وبدونه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نسمي ذلك التجمع كنيسة ، بل على النقيض يكون بيت الشيطان ، به يهدم كيان المؤمن الروحي كما أراده الرب والنتيجة هي الدينونة والهلاك .
فما هو هذا المحك وكيف نجده وما هي خصائصه ؟
لنرجع إلى البداية.
جاء يسوع المسيح منتصراً على الشيطان بعد معموديته من يوحنا في الأردن ، ليبدأ رسالته المفرحة للبشرية التي تعيش في ظلام دامس ، رسالة المسامحة والغفران ، رسالة المحبة والسلام ، رسالة المصالحة بين الله الفائق الصلاح والإنسان الخاطئ ، رسالة الانتصار على الموت والقيامة المجيدة .
وكانت للمخلص فلسفته الخاصة في نشر تلك الرسالة ، وذلك باختيار اثنا عشر تلميذاً يرافقونه في رحلاته ويسمعون كلامه ويغرس فيهم تلك المحبة الحقيقية التي يردها هو أي محبة الله ومحبة القريب ، بل ويعملون أعماله ، أي باختصار يزرع فيهم حقيقة الإيمان كما يريده هو ، ثم يمنحهم القوة بالروح القدس لكي ينقلوا ذلك الإيمان بتلمذة الأمم كافة وتعميدهم باسم الثالوث القدوس .
وهذا ما حصل فعلاً انطلق الرسل وجابوا بقاع العالم يبشرون ويفتحون الكنائس ويجمعون المؤمنين تحت إيمان واحد وقلب واحد.
وبمرور الزمن انضمت كنائس الإقليم الواحد لتكون كنيسة واحدة ، والذي ساعد على ذلك وجعله سهلاً هو وحدة الإيمان والعقيدة لأن أساسه واضح ألا وهو الأساس الرسولي ، أي أن الرسل هم الذين شكلوا وشيدوا هذه الكنائس بالإيمان الذي استقوه مباشرة من الرب يسوع المسيح .
وبمرور الزمن ، تشكلت كنائس العالم الخمس التي أدارت شؤون مسيحيي العالم بالسلطان الرسولي الممنوح لها من الرب يسوع المسيح وهي :
1. كنيسة روما وقد تأسست في روما على يدي الرسولين بطرس وبولس وقد نالا موت الشهادة فيها .
2. كنيسة القسطنطينية وقد أسسها الرسول أندراوس إذ بشر في تلك المنطقة التي كانت تسمى بيزنطة قبل نشوء مدينة القسطنطينية العظمى .
3. كنيسة الإسكندرية وقد أنشأها الرسول مرقس واستشهد فيها .
4. كنيسة إنطاكية وقد أسسها أيضاً الرسولان بطرس وبولس .
5. كنيسة أورشليم وقد تأسست برئاسة القديس يعقوب أخ الرب الذي كان يعيش فيها وقد ترأس المجمع الرسولي الأول في أورشليم حول دخول الأمم في المسيحية وموضوع الختان وأصدر القوانين التي تحدد ذلك .
هذه هي الكنائس التي نشأت منذ القديم وانضوى تحت إدارتها جميع مسيحيي العالم بل وامتد تأثيرها ليشمل كل أرجاء العالم المسيحي .
إذن هذا هو المحك الإنجيلي الحقيقي للحكم على الكنيسة أن هل هي من المسيح أم من صنع البشر ، فالكنيسة التي أسسها رسول من رسل المسيح الذين أرسلهم ليكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها على إيمانهم الذي استقوه من المخلص له المجد هي الكنيسة الحقيقية وما عداها زائف لا تقبل منه عقيدة ولا نسمع منه تفسيراً ولا نقبل منه تعليماً على الإطلاق . ومن يقبل منهم شيئاً أو ينضم إليهم فقد خرج عن كنيسته الرسولية ، وكلما شعر بنفسه قريباً من مخلصه وفاديه يسوع المسيح فقد ابتعد عنه في الحقيقة لأن لا أساس رسولي لتلك الجماعة .
والذي يؤكد كلامنا في هذا السياق أن الكنيسة غير المبنية على هذا الأساس الرسولي وتعدد التفسيرات للكتاب المقدس هو الذي أوجد كثرة الشقاقات عن بعضها البعض بحيث نلمس في أوروبا وأميركا ونرى مئات الكنائس والطوائف والفئات ، والنتيجة الحتمية هي انشقاق الكنيسة أي تمزق جسد المسيح الواحد .
فهل هذا ما أراده المسيح للكنيسة التي هي جسده ؟ وما هي النتيجة . النتيجة الحتمية هي ضياع الإنسان وتخبطه ليعرف الحقيقة ولا يجدها .
نحن في الكنيسة الأرثوذكسية الشرقية مثلاً لا ننكر وجود بعض الخلافات . لكنها خلافات إدارية وتلعب السياسة دوراً في ذلك كون الأقاليم الموجودة كنائسنا فيها تختلف وتتباين في نظرتها السياسية لكن لا يمكن أبداً بأي حال من الأحوال أن ترقى تلك الخلافات إلى خلاف ديني في الإيمان والعقيدة بل هي خلافات تحدث في الأسرة الواحدة دون أن ينشق أحد عن الآخر ، ولأن أساسنا مسيحي رسولي فقد تجاوز عمر كنيستنا الألفي عام وسنبقى محافظين على ذلك الإيمان ننقله بأمانة مطلقة من جيل إلى جيل دون زيادة أو نقصان بشهادة كل من حولنا وحتى شهادة الخارجين عن إيماننا .

لماذا خرج البعض عن إيماننا وبالتالي عن الكنيسة ؟
الأسباب كثيرة ويطول شرحها . لكن سنوجز أهمها .
لقد مرت الكنيسة الشرقية بشكل خاص بعصور مظلمة عصفت بها النوائب والكوارث يشهد بذلك الجميع ، وقد قدمت الكنيسة الآلاف المؤلفة من الشهداء من مختلف الفئات والطبقات والأجناس والأعمار لدرجة أن أطفال رضّع ذبحوا أمام ذويهم للتأثير عليهم لترك إيمانهم وهذا ما يعرف بالاضطهاد الخارجي أي من الذين نصبوا أنفسهم أعداء للكنيسة التي ترعى الديانة الجديدة في ذلك الوقت ، وقد انتهى ذلك الاضطهاد في عهد المغبوط قسطنطين الملك الكلي الورع الذي أصدر عفواً عاماً واعتبر المسيحية إحدى ديانات الدولة .
لكن الكنيسة لم تسلم من الاضطهاد الداخلي أي الصادر من داخلها ، وذلك بخروج أشخاص بعقائد غريبة شوشت على الإيمان الرسولى للكنيسة .
فأحدهم أنكر لاهوت المسيح بل وتجرأ على نعته بالمخلوق وآخر تجرأ على إنكار الطبيعة البشرية الكاملة فيه ، وهذا أنكر عمل الروح القدس في الكنيسة وآخر بأن لا يجوز تسمية العذراء الفائقة القداسة بأنها والدة الإله بل هي والدة المسيح الإنسان فقط ، وغير ذلك من عقائد غريبة . وقد تصدت الكنيسة للدفاع عن إيمانها بعقد المجامع المسكونية السبعة التي ضمت الكنيسة شرقاً وغرباً وحرمت من الشركة الكنسية أولئك الذين ثبتوا على تلك العقائد الملحدة ، بل وحددت تلك المجامع المقدسة وبلورت العقائد الصحيحة مسوقة بالروح القدس ، بحيث عانت الكنيسة عصوراً مظلمة جديدة نتيجة طبيعية لدلك الاضطهاد الداخلي.
وتوالت الكوارث متلاحقة . ورزحت الدول الموجودة بها الكنيسة وخصوصاً فلسطين تحت أنواع متعددة من الاستعمار بحيث عانت من التجارب المريرة والفقر وحتى الجوع ونفي البطاركة والأساقفة المستقيمي الرأي بعيداً عن أبرشياتهم .
وأدت كل تلك التراكمات وعلى مر العصور بأن يرتقي إلى درجات الكهنوت رجال لا يمتلكون العلم الكافي للتعليم والوعظ والعمل الرعائي لكننا لا ننتقص من حياة القداسة التي كانت تشع منهم في مختلف الأعمال الجليلة التي قاموا بها خصوصاً على الصعيد الاجتماعي والعشائري . لكن اقتصر العمل الرعوي عندهم على إقامة الطقوس والخدمات الكنائسية جميعاً باستثناء التعليم .
وكانت النتيجة جهل الناس بالأمور الإيمانية بل وحتى الطقسية بحيث لا يدري الواحد أين هو داخل الطقس الكنسي .
ومن هنا نجمل أسباب انشقاق الناس عن كنائسهم بما يلي :
1. ضعف التعليم الديني .
2. أسباب مادية بحتة نتيجة الفقر والبطالة .
3. الجهل بالإيمان الحقيقي .
4. الفهم الخاطئ للممارسة الطقسية في الكنيسة .
5. ضخ الأموال الهائل من مصادر تمويل تلك الجماعات نحو المجتمعات المحلية التي تعيش مع كنائسها حالة الفقر المدقع .
6. الاستعداد الذاتي عند بعض المتعلمين للتحرر من سلطة الكنيسة ليعيش حراً على هواه يفسر ويعتقد كيفما يشاء .
نورد كل هذه الأسباب باختصار شديد ومن شاء المزيد فليبحث .
كل هذه الأسباب أدت بالتالي إلى خروج عدد ليس بالقليل من أبنائنا خارج الكنيسة وعندما نحاول محاورتهم يشعر الكثير منهم داخلياً بخطأ ذلك الخروج ، لكنهم يبتدئون بإعطاء تبريرات لا تستند أبداً إلى منطق ديني أو لاهوتي فقد يقولون إن الكاهن فلان كذا وكذا والأسقف فلان فعل كذا والكنيسة تقليدية متحجرة وعديمة التطور ويتشدق بممارسات طقسية يعتقد أن بها إلحاداً وقعت فيه الكنيسة أي يردد ما يرددون هم من اتهامات ليست مبنية على أساس كتابي .
وسنحاول فيما يلي إلقاء الضوء على بعض الأمور التي يحاوروننا بها ليطلع أبناؤنا عليها علهم يشعرون بفداحة خروجهم عن قداسة الكنيسة الأم .