26 «أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: أَنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي لَيْسَ لأنَّكُمْ رَأَيْتُمْ آيَاتٍ، بَل لأنَّكُمْ أَكَلتُمْ مِنَ الخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ».
بَل لأنَّكُمْ أَكَلتُمْ مِنَ الخُبْزِ فَشَبِعْتُمْ ظنوا أنهم إذا تبعوه شبعوا دائماً كما شبعوا سابقاً. وتوقعوا أن ينالوا بواسطته كل البركات الجسدية والمنافع العادية بلا تعب. فكانت غايتهم دنيوية فقط،
ولم يشعروا بجوع النفس ليطلبوا الطعام الروحي أي تعليم المسيح. فلم يُسرّ يسوع بمجيئهم إليه لتلك الغاية. ولا يريد الآن أن يُكثر عدد تابعيه بمنح الخيرات العالمية، فلا يتوقف نجاح الإنجيل في بلد ما على كثرة المتنصرين بل على تغيير قلوبهم. فالديانة التي تُتخذ تجارة باطلة، فيجب أن تتبع المسيح حباً له لا محبة لعطاياه.
27 «اِعْمَلُوا لا لِلطَّعَامِ البَائِدِ، بَل لِلطَّعَامِ البَاقِي لِلحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ الَّذِي يُعْطِيكُمُ ابْنُ الإِنْسَانِ، لأنَّ هَذَا اللَّهُ الآبُ قَدْ خَتَمَه».
بَل لِلطَّعَامِ البَاقِي أي الروحي وإلا لم يكن باقياً. والطعام البائد والطعام الباقي كلاهما عطية الله، فهو الذي خلق الإنسان ويعرف ما يحتاج الإنسان إليه، وأمره هنا أن نعمل للباقي ولا نقلق للأول. ومعنى قوله «اعملوا للطعام الباقي»: اشتهوا الخيرات الروحية، واتخذوا كل الوسائل التي أعدها الله لتحصيلها من الصلاة ومطالعة الكتاب المقدس والحضور في بيت الله وممارسة الفرائض الدينية واتباع المسيح
32 «فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ، بَل أَبِي يُعْطِيكُمُ الخُبْزَ الحَقِيقِيَّ مِنَ السَّمَاءِ».
لَيْسَ مُوسَى أَعْطَاكُمُ الخُبْزَ مِنَ السَّمَاءِ لم ينكر المسيح أن الله أعطى بني إسرائيل المن على يد موسى، بل بيّن أن المنَّ ليس هو الخبز الروحي الحقيقي الذي يعطي حياة للعالم، وأنه لا يدوم إلى الأبد، فلا ينقذ النفس من الموت الأبدي. إنما هو مجرد إشارة إلى الخبز الحقيقي النازل من السماء
الذي يخلّص النفس من الهلاك.
33 «لأنَّ خُبْزَ اللَّهِ هُوَ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ الوَاهِبُ حَيَاةً لِلعَالَمِ».
هذا تفسير للخبز الحقيقي الذي يعطيه الآب، وهو هبته العظمى اللائقة به، الذي يمدحه الله ترغيباً فيه للجياع المحتاجين إليه. وقال هذا
إصلاحاً لخطإ اليهود بظنهم المن «خبز الله» و «النازل من السماء»
34 «فَقَالُوا لَهُ: يَا سَيِّدُ، أَعْطِنَا فِي كُلِّ حِينٍ هَذَا الخُبْزَ».
هذه الطلبة كطلبة المرأة السامرية للماء الحي،
ولم تكن ناتجة عن إدراك المعنى الذي قصده المسيح، ولا دالة على استعداد اليهود لاتخاذ الوسائل لتحصيل المطلوب. وإنما هي اشتهاؤهم نوال نفع عظيم زمني لأجسادهم فقط.
اذا فهمت كل هذا الكلام الأن ستفهم الأن معنى الأكل ..
53 «فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: الحَقَّ الحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ، فَلَيْسَ لَكُمْ حَيَاةٌ فِيكُمْ».
إِنْ لَمْ تَأْكُلُوا جَسَدَ ابْنِ الإِنْسَانِ وَتَشْرَبُوا دَمَهُ سمَّى المسيح نفسه «ابن الإنسان» وقصد بذلك أنه ابن الله متجسداً، لأنه لا يستطيع أن يموت دون التجسد.
ولا يمكن أن يؤخذ كلامه هنا حرفياً، لأننا لو أخذناه حرفياً وقت قوله، لوجَب أن يُؤكل لحمه وهو حي، وذلك ما ينفر منه كل عاقل. وكذلك شرب دمه، فإن هذا محظور على اليهود (تكوين 9: 4 ولاويين 3: 17 و7: 26، 27 و17: 10 - 15). وما صحَّ عليه حينئذ يصح عليه الآن، لأنه لم يأكل إنسان قط جسد المسيح المادي، ولم يمكنه ذلك ولن يمكنه، لأن ذلك الجسد صُلب ودُفن وأُقيم وأُصعد إلى السماء وهو الآن عن يمين الله.
فيجب أن نعتبر الجسد والدم هنا مجازين
يشيران إلى تقديم المسيح نفسه ذبيحة على الصليب لأجل خطايا العالم. والأكل والشرب هنا يشيران إلى اشتراكنا بالإيمان في فوائد ذبيحته. وكما أن الغذاء المعتاد ضروري لحياة الجسد كذلك يسوع المصلوب القوت الضروري للحياة الروحية تتناوله النفس بالإيمان به.
ولا توجد إشارة هنا إلى العشاء الرباني، فإنه لم يُرسم إلا بعد هذا الكلام بنحو سنة، ولم يُذكر في الإنجيل شرطاً ضرورياً للخلاص. لكن الإيمان المراد بالأكل والشرب هو الشرط الضروري لذلك. فيمكن الإنسان أن يأكل العشاء الرباني ولا يأكل جسد المسيح بالمعنى المراد هنا. إن ذلك السر تذكار وإشارة إلى نفس المسيح.
وهذه الآية تفيد ما قاله المسيح قبلها في هذا الأصحاح عينه، ففيها الوعد بالحياة الأبدية. وهو ما وعد به قبلاً. والمجاز فيها أي «الأكل» هو نفس المجاز فيما قبلها، والمراد به طريق نوال تلك الحياة (ع 35، 48، 51). وقدم فيها يسوع نفسه غذاء للنفس كما قدمها قبلاً (ع 39، 40، 44). فلا شك أن المقصود بذلك بيان أن الإيمان بالمسيح شرط ضروري للخلاص وحقيقة أساسية في الدين المسيحي.
هذي هي الحقيقة يا اخواني.
المفضلات