خرج من جنبه حينما نزف دمٌ وماءٌ. ثبتت لما استقرّ الروح نارًا على رؤوس من أحبّوه وأطاعوه، وهم بقوا على اليقين بوعده بأنَّ "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" لكونه هو نفسه رأسها وحافظها وهو الذي يرعاها ويصونها.
لقد عصفت بالكنيسة على مرِّ العصور الكثير من الرياح وضربها العديد من الأنواء، من الداخل ومن الخارج. والآتي من الداخل موجع لجسمها أكثر بكثير مما يأتي من الخارج. من الداخل حاربتها البدع ولاطمتها التحزّبات والإنشقاقات التي يبثها الكبرياء، وهذا أصل كلّ الشرور أو "لأنهم أحبّوا مجد الناس أكثر من مجد الله"(يو43:12) أمّا من الخارج فما زال على ندائه ذاك من نادى "قولوا أن تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه ونحن نيام" (مت 13:28)، فالصهيونيّة لم تتوقف حتى هذا اليوم عن محاربة الكنيسة وتوسيع أطر عملها ليطال كل أوجه الحياة الإجتماعيّة والسياسيّة والإقتصاديّة مستخدمةً الجمعيّات السريّة والعلنيّة لغرضها الأساس ألا وهو تقويض الإيمان المسيحي.
ألا يتساءل المؤمن اليوم عن موجة التحرّر التي تنتاب أبناءنا لدرجة أنهم لا يدرون ماذا يفعلون أو ماذا يريدون، ومن يغذي هذا الضياع؟ ألا يتبادر إلى أذهاننا شكوك عن الصراعات الحديثة التي تُبرز الكنيسة في شقيها الشرقي والغربي وكأنها تتآكل بالخطايا والأهواء والمصالح الدنيويّة وعمّن يحركها؟ أليس هنالك مَن يرغب بأن ينقل لكلّ البشر في هذا العصر بالذات بأنّ الكنيسة ليست فقط غير قادرة على المواجهة وتخليص التابعين إليها، على الأقل، بل أصبحت بدورها تحتاج أيضاً لمن يُخلّصها وكأن المسيح " لم يكن قد قام"(1كو14:15)، وهي ليست بالتالي ميناءً للخلاص، فنصبح نحن شهودَ زورٍ ويَبطُل الإيمان وتنتصر مكائد اليهود فتطمئنُّ قلوب الكاذبين (أع 19:20)؟
إيماننا بأنَّ المسيح هو ابن الله الحيّ، الذي نحياه، والذي تسلمناه، هو الوديعة التي نحن نؤتمن عليها والتي سلّمها لنا الرّبّ، إيماننا هو الصخرة التي بُنيت عليها الكنيسة، وما الإيمان إلا حياة مع الرّبّ وعمل. ومع انّ الرّب وعدنا وعدًا قاطعًا بأنًّ لا شيء يقوى عليها لم ينفِ حينها دور الأساقفة والرعاة والأبناء في المشاركة في عمل التثبيت هذا.
ربُنا لم يلغِ ولا في أيِّ عملٍ دورنا، حتى التجسّد نفسه كان لنا فيه شركة، وهو اليوم يدعو الأساقفة على لسان الرسول المصطفى بولس أن "احترزوا" نعم "احترزوا لأنفسكم ولجميع الرعيّة التي أقامكم الروح القدس فيها أساقفةً لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه" (أع 28:20).
لقد أوضح الرسول أنَّ على الأسقف أن ينتبه لنفسه أولاً بالسهر واليقظة على الذات ليبقى أداةً طيّعةً في يدِ الله، ومتى كان هكذا حينها يُعتَبر كما قال القدّيس اغناطيوس "الأسقف كالرّب نفسه" (أفسس3 و 6 )، وتاليًا يكون الخضوع له كما للمسيح (تراليان 2)، وذلك أن الأسقف هو قائم مقام الله وفيه قدرة الله الآب ( مغنيسية 3و6 ). ويُعطى نعمة التمييز فيحبَّ الصـالحين ويخضع الأشـرار بالوداعة( بوليكاربوس 2 )، هذا لكونه يلهج بالله في كلّ لحظة بالصلاة الدائمة (أفسس 10). هو يسند ويؤازر أبناءه في كلّ موقفٍ يرضي الله. على الأسقف والراعي أن ينتبه للرعيّة المؤتمن عليها، وهي أسمى وأهمّ من كلِّ حجرٍ ومؤسسة، لكون البشر هم الهدف ولأجلهم تجسّد ابن الله. لا يصمت الأسقف ولا يألو جهدًا على بذل ذاته، مقتديًا بسيّده الذي أقامه، في سبيل خروف واحدٍ، ضالاً أم يقبع بحظيرته، فكيف بالعديد من الأنفس المؤمنة، والمنتظرة لرحمات الله؟
وأما المؤمنون فقد أوصاهم الرّبّ قائلاً: إن رؤساء الأمم يسودونكم وعظماءَهم يتسلّطون عليكم، أما أنتم فلا يكون فيكم هكذا. فالتسلّط يأتي أولاً من الكبرياء واستصغار الآخرين، ومن ثمَّ تشييئهم، فيأتي الإستعلاء ليظهر لصاحبه أنه يستطيع ان يتخطى حدود طاعةِ المحبّة، كما الابن الشاطر، ، لاغيًا دور الآخرين ومواهبهم، ليبرز كما لو انَّ الكون لم ينجب أحدٌ سواه وهو وحده صاحب العلم والحقّ واليقين.
في الكنيسة لا تسلّط ولا خنوع، لا مكانٌ للكبرياء ولا للمصالح أو محاباة الوجوه، لا مال ولا جاه، لا أوّل ولا أخير، وكلّ شيءٍ فيها لا يخلو من اللياقة والترتيب، والكلّ يلتف حول الحمل الذبيح، ليقدموا ذواتهم ذبائح حبٍّ لكلّ محتاج ومتألم. فلا يظننَّ واحدٌ أنه سيخَلِّدُ ذكراه في هذه الفانيّة، وليتذكّر كم من امبراطوريات ولّت أو طاغٍ أو عظيم بقي خالدًا، وإنه ما من باقٍ إلا الله وحده وهو الحيّ القيوم الذي يقول لنا إن سلكنا بمقتضى مشيئته" لا تضطرب قلوبكم... فليثبت إيمانكم بي كصخرةٌ وأنا أؤكّد لكم أن لا أصحاب المصالح والغايات ولا أصحاب القوّة والسلطة لا بل أقول لكم أكثر من ذلك أنه "ولا أبواب الجحيم تقوى عليها"، لأني انا قد غلبت العالم.
المصدر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس


المفضلات