للتسميات دلالات!



الكلمة شأن خطير! قل لي ما على لسانك أقلْ لك ما في قلبك! "ما يخرج من الفمّ، هذا ينجّس الإنسان" (مت 15: 11)!
لا شكّ أنّ عندنا، لا سيّما نحن الشّرقيّين، ميلاً راسخًا للتّخاطب باستعمال التّسميات الّتي لا نعني بها ما نقول بل الإطناب، للّياقة والإكرام والتّعظيم. ويأتي تعاطي هذه الألقاب، عادة، في معرض إعلاء شأن مَن نخاطِب دون مبرِّر سوى دغدغة مشاعر الرِّفعة لديه لغاية التّودّد الشّكليّ، وبالأكثر الكذوب. فإن لم يتّبع المخاطِبُ هذا الأسلوب اعتبره المخاطَب مقصِّرًا في اللّياقة أو محتقِرًا. هذا، في العادة، يُدخِل المحدِّث في تكاذب مألوف ومستساغ، ومَن يتحدّث إليه.
بإزاء التّعبير عن هذا الميل الوثنيّ إلى عبادة الذّات والتّعظّم، لا بل عن هذا الواقع شبه العفويّ في البشريّة، يلاحظ المرء أنّ الرّبّ يسوع، المشرقيّ الانتماء، شاء إخراج بيئته والعالم أجمع من هذا المسار المخادِع في التّعامل لأنّه ينمّ عن روحيّة ملتوية تعطّل المحبّة والحقّ اللّذَين جاء يزرعهما بين النّاس نحو الحياة الأبديّة. إذا ما استقام قلب الإنسان، يُفترَض بالكلام أن يكون تعبيرًا عن مكنونات قلبه المحِبّ والمحِقّ، لا أن يكون أداة لياقة وتفخيم تُلقي النّفس في المعميّات الأهوائيّة والتّمويه الانفعاليّ والإيهام. لذا أوصى، مثلاً، بأن لا ندعو أحدًا، على الأرض، أبًا أو سيِّدًا أو معلِّمًا (مت 23)، لأنّ أبانا واحد في السّماء وكذا سيّدنا ومعلّمنا.
أوّلاً، أوصى يسوع أن "لا تُدعَوا معلِّمين لأنّ معلِّمكم واحد المسيح" (مت 23: 10). إذًا، خارج يسوع ليس معلّمون إلهيّون. ومتى كان فمنه. هو يعطي أن يكون هناك معلّمون، كما قال الرّسول بولس في رسالته إلى أهل أفسس: "أعطى البعض أن يكونوا... معلّمين" (4: 11). كلّ النّاس، في الكنيسة، يعلِّمون كلّ النّاس. يعلِّمون بنود الإيمان وأصول الحياة الرّوحيّة كما تعلّموها في الجماعة الّتي ينتمون إليها. ليس عن هؤلاء الكلام. "المعلّمون" يضبطون التّعليم المتداول ويقطعون في ما ليس معروفًا، وفق الحاجة، لبنيان المؤمنين. ولهم الكفاءة لأنّهم يستمددون التّعليم، بالرّوح، من الله. يعطيهم الرّبّ الإله أن يعرفوا ويعطيهم الموهبة أن يعلِّموا ما يعرفون. لفظة "معلِّم"، بالمعنى الدّقيق للكلمة، لا تسري، بالنّسبة لنا، نحن المسيحيّين، إلاّ على مَن لهم موهبة التّعليم من الله. طبعًا، يُفترَض بالأسقف أن يلاحظ المواهب الإلهيّة، بروح الرّبّ الّذي فيه، ويبرزها، ويجعل مَن له موهبة "المعلّم" في موقعه، غير أنّ التّسمية لا يجوز، لأهميّتها ودلالتها، أن تتحوّل إلى لقب شرف، أو إلى لقب مرتبط بوظيفة كنسيّة كالأسقفيّة أو الكهنوت، ولو كان التّعليم بعضًا من خدمة الأسقف أو الكاهن. "المعلِّمون" فئة مميَّزة عن غيرها من الخِدَم. كذلك لا يجوز أن تُطلَق هذه التّسمية على مَن حصّل شهادة في اللاّهوت، كائنة ما كانت هذه الشّهادة، إجازة أو دكتوراه، ولا على مَن يعلِّم في معهد لاهوتيّ أو ما يعادله. "المعلِّم"، بالمعنى الكنسيّ الصّارم للكلمة، هو مَن أُعطي موهبة روحيّة خاصّة، من فوق، لا مَن له موهبة بشريّة طبيعيّة. المعلّمون، بحسب مقاييس هذا الدّهر، يعلِّمون عن الإلهيّات، من خلال الكتب والتّأمّل الفكريّ، ولا يستطيعون أن يعلِّموا الإلهيّات. هؤلاء يتكلّمون بسلطان العقل والقوى الإدراكيّة، فيما يتكلّم المعلِّمون، وفق المقاييس الكنسيّة، بسلطان الله وقوّة النّعمة الإلهيّة. أولئك ينقلون أفكارًا واستنتاجات، وهؤلاء ينقلون روحًا ويقينًا. أولئك بحاجة إلى التّضلّع بأصول العِلم، في هذا الدّهر، وهؤلاء يمكن أن يكونوا جهلة بهذه الأصول، ومع ذلك مستنيرين وذوي سلطان في العِلم الإلهيّ، على غرار الرّسل، صيّادي الأسماك. العطيّة الإلهيّة لا تُستَلَب بل تُمنَح كنعمة. ليست رهنًا بمشيئة النّاس بل بمشيئة الله. فقط، مَن له روح التّمييز، من الله، يقدر أن يميِّز "المعلِّم" الإلهيّ من المعلِّم الدّهريّ، ولو تعاطى هذا الأخير الإلهيّات كموضوع وكفكر مجرَّد. هذا الأخير لا يأخذ مكان "المعلّم الإلهيّ" بحال. يوم يختلط، في الأذهان، المعلِّمون في المسيح والعلماء، في موضوع الإلهيّات، ويُعتبَر الأخيرون واحدًا والأوّلين، يتحوّل التّعليم في الكنيسة إلى مقولات فكريّة ونظريّات وتجريد، ولا يعود حمّالة لروح الرّبّ نحو تنشئة النّاس في الأسرار الإلهيّة وأصول الحياة الرّوحيّة! وهذا يغيّر النّظرة إلى الكنيسة وكيفيّة تعاطيها! هذا يطيح الكنيسة في الوجدان، أو، بكلام أدقّ، يُخرِج من الكنيسة ويلقي النّاس في الممارسة الدّهريّة باسم الله والكنيسة!
ثانيًا، أوصى الرّبّ يسوع أن "لا تَدعُوا لكم أبًا على الأرض لأنّ أباكم واحد الّذي في السّموات" (مت 23: 9). إذًا، خارج الآب السّماويّ لا أبوّة ولا آباء في الإلهيّات. وإذا كان الرّسول بولس قد قال لأهل كورنثوس: "إن كان لكم رَبَوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأنّي أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل..." (1 كو 4: 15)، فإنّه يسمِّي "الآباء" الّذين يلدون الآخرين، في المسيح يسوع، بالإنجيل، نظيره. وهذا استعمال ذو معنى خاصّ للّفظة. الله يعطي أشخاصًا – ويحدِّد: ليسوا كثيرين! – الموهبة أن يلدوا آخرين بالإنجيل. إذًا، لم يعد بإمكاننا، في الكنيسة، أن نوزِّع لقب الأبوّة على مَن نشاء، من باب التّكريم، يمينًا ويسارًا، ولا عاد بإمكاننا أن نطلقه، جزافًا، على ذوي الرّتب الكنسيّة من أساقفة أو كهنة أو سواهم. تسمية "أبونا" على غير مسمّى للكثيرين الّذين تُطلَق عليهم، وتعميمُها في غير محلّه ومعثِر، في الممارسة الرّاهنة. لا يليق، مثلاً، أن تصبح لفظة "أب" معادلة للفظة "كاهن" أو "شمّاس"... الأبوّة موهبة روحيّة فذّة لا وظيفة طقوسيّة، أو مرتبطة بوظيفة طقوسيّة. الأبوّة، في المسيح، إيلاد بالإنجيل، لا تسمية مُفرَغة من المضمون تُطلَق بقصد إضفاء الكرامة على بعض الخدّام في الكنيسة. ما للموهبة الرّوحيّة لا يجوز ولا يليق تحويله إلى ما للّياقات والتّفخيم والتّعظيم! هذا نَحْرٌ للأبوّة الرّوحيّة! لذا، إذا كنّا لنكون صارمين، وبحسب الإنجيل، في استعمال المفردات، فإنّ الكاهن لا ننعته بـ "الأبّ" فلان، بل ندعوه، بكلّ بساطة، "الأخ الكاهن" أو "الأخ الشّيخ"، وفق التّسمية القديمة، أو "الأخ الخوري" فلان، وفق التّسميّة المحلّيّة. أمّا الآباء الفعليّون فيمكن أن يكونوا من الإكليريكيّين، كما يمكن أن يكونوا من عامّة المؤمنين. المعيار هو أن يلدوا آخرين، في المسيح يسوع، بالإنجيل!
ثالثًا، أوصى الرّبّ يسوع أن "لا تُدعَوا سيّدي لأنّ معلِّمكم واحد المسيح وأنتم جميعًا إخوة" (مت 23: 8). لفظة "سيِّد"، في العهد الجديد، أُطلقت على السّيِّد الرّبّ الإله وعلى السّيِّد الّذي له عبد، في إطار مؤسّسة العبيد قديمًا. الوصيّة الإلهيّة حصرت استعمال اللّفظة بالله. الله وحده "السّيِّد". للّفظة، إذًا، نكهة إلهيّة، وإطلاق التّسمية على أحد، بمعنى، فعلُ عبادة! لذلك، المسيحيّون الأوائل كانوا يرفضون أن يُسمُّوا قيصر "السّيِّد" حتّى لا يُظَنَّ أنّهم يعبدونه، وهذا كان سببًا من أسباب اضطهادهم. فستوس الوالي، في سِفر أعمال الرّسل، دعا قيصر "السّيِّد" (25). هذا لم يفعله بولس الرّسول الّذي لمّا أراد أن يرفع دعواه إلى أوغسطوس قال: "إلى قيصر أنا رافع دعواي" (أع 25: 11)!
من جهة أخرى، شاء الرّبّ الإله، فيما يختصّ بمؤسّسة العبيد، أن يجعل السّادة والعبيد إخوة في المسيح. هذا واضح في رسالة بولس الرّسول إلى فيليمون (15 – 16). ولكي لا يكون بين المؤمنين سادة وعبيد، قال الرّبّ يسوع لتلاميذه ما قاله: "لا تُدعَوا سيّدي لأنّ معلِّمكم واحد المسيح، وأنتم جميعًا إخوة". إذًا، هناك سيِّد واحد هو مسيح الرّبّ، وله وحده العبادة، ولا أسياد بيننا، بل نحن، جميعًا، إخوة، لأنّ الأسياد، بين النّاس، إذا وُجدوا، يستتبعون، في الوجدان، وجود العبيد، لا محالة، ولا عبيد، بعد، بين المؤمنين بيسوع. كذلك سيادة الأسياد تجعل مَن يتسيّدون عليهم في موقع لا يخلو، ولو تمويهًا، من سمات عبادة أسيادهم، والعبادة لله وحده! هذه السّمات اعتدنا عليها، في الممارسة، إلى حدّ فقدنا معه الإحساس بماهيّتها الحقيقيّة. لاحظوا، مثلاً، تعامل أكثر الأساقفة، وهم الّذين ندعوهم، بخاصّة، سادة في الكنيسة، وعامة المؤمنين. موقع السّادة يُلبسهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، يعون أو لا يعون، ثوبًا مواقفيًّا يدفعهم إلى التّعامل مع العوام وكأن ثمّة مسافة بينهم وبين النّاس. الفوقيّة تبدو واضحة لمَن ينظر بتجرّد. هذه لا يخفّف من ثقلها إلاّ الأسقف المتمرِّس، بالحياة الرّوحيّة، في الاتّضاع. كذلك تجعل السّيادة عامة المؤمنين يتعاطون مع الأساقفة بطريقة لا تخلو من الدّونيّة والتّصرّف العباديّ. الابتسامات الّتي يتلبّسها أكثر المؤمنين حيال الأساقفة، ومظاهر التّودّد، والاهتمام بكسب رضاهم، تحت ستار نيل البَرَكة، وابتغاء الحصول على الامتيازات منهم، والسّعي إلى إضفاء التّعابير المحبّيّة المتصنّعة لديهم، كلامًا أو مواقف، كلّ هذه وغيرها تحمل نكهة فيها من سمات العبادة والعبوديّة، حيال شخص الأسقف، ما يلفت! لذا كان في تعاطي الأسقفيّة، سيادةً، شيء من الاختلاس لما لله والتّعتيم عليه، ولو أدخلنا الأمر، بلا وعي، في نطاق العادة. لا هكذا يتعامل الإخوة فيما بينهم. الأخوّة تُحرِّر وتُقرِّب فيما السّيادة تأسر وتباعد! الأخوّة تَعامُلٌ أفقيّ فيما تفرض السّيادة تعاملاً عموديًّا! لذا كانت السّيادة، كممارسة ومناخ، بعامة، صعبًا تحقيقُ الشّفافيّة من خلالها، إلهيًّا وبشريًّا، ما يبعث على التّسآل: أليس أكثرَ انسجامًا مع الإنجيل والتّراث أن يُدعَى الأسقف "الأخ الأسقف" بدل "السّيِّد الأسقف" أو "سيِّدنا"، وأحيانًا تُكرَّر لفظة "السّيِّد" أكثر من مرّة؟
لا شكّ أنّ تفشّي ظاهرة إفراغ التّسميات من معانيها التّراثيّة، وإطلاقها على ذوي الرّتَب الكهنوتيّة، صعودًا أو نزولاً، لِكرامة أوفى، مؤشِّرٌ لحال مَرَضيّة؛ وتحوّلُ هذه الظّاهرة إلى عادة وتقليد ينمّ عن موات في الحسّ الرّوحيّ المرتبط بالوجدان المشترك. أحيانًا، ندعو الأسقف "رئيس كهنة" ولا شعب له ولا كهنة يرأس عليهم! ثمّ هذا يُعتبَر أقلّ كرامة من رئيس الأساقفة، ورئيس الأساقفة، أحيانًا، لا أساقفة يمكن أن يُعتبَر هو أوّلاً بينهم. المتروبوليت، أيضًا، يُنظر إليه كمتقدِّم على الأسقف وعلى رئيس الأساقفة، فيما يُوجَد هو، أحيانًا، أسقفًا بعيدًا عن المدن الكبرى ولا أساقفة مولّى عليهم! ويغلب، اليوم، اعتبار أسقف الأبرشيّة متروبوليتًا ورئيس أساقفة سواء بسواء. المرء يتساءل: لماذا لا نكتفي بتسمية "أسقف" حين لا يكون الشّخص المعنيّ أوّلاً بين أساقفة فعليّين متساوين؟ تسمية "أسقف" باتت، في الاستعمال، أقل أهميّة من تسمية رئيس الأساقفة أو المتروبوليت أو البطريرك. طبعًا، نحن لا نقول، لاهوتيًّا، بدونيّة الأسقف قياسًا بالرّتب الّتي تعلو عليه، لكنَّ الواقع ينمّ عن غير ذلك. الأسقف بات، عمليًّا، أدنى إلى الشّمّاس، لدى مَن هو أرفع منه، لا سيّما والممارسة المشيَّعة تجعله أسقفًا مساعدًا أو فخريًّا بلا شعب! وما يُقال في شأن الأساقفة، يُقال في شأن الكهنة ورتبهم: الكاهن والمتقدّم في الكهنة والأرشمندريت وما سوى ذلك!
خلاصة القول أنّ تسمياتنا، اليوم، تدلّ علينا. لا شكّ أنّ في جذورها، في الوجدان، عودةً إلى وثنيّات كامنة فينا واستكانةً إلى التّعظّم وعبادة الذّات مسرًى. إذًا، وراء إفراغ الكلام من معناه واستعمالِه في غير مرماه حيدانٌ عن الإيمان القويم وأزمةٌ روحيّة حقيقيّة لا خروج منها إلاّ بنعمة إلهيّة وصحوة خلوق وتوبة صدوق!


الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما

تعقيب مني:
أنا شخصياً أرى الموضوع جديراً بالدراسة والاهتمام
ما رأيكم؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!