اسمه الأصلي شاول، والده فريسي أصيل من طرسوس، تربّى على الروح اليونانية، واللغة والقانون الروماني وصرامة المجمع اليهودي . "شاول شاول لماذا تضطهدني؟ " إنه كلام يسوع الناصري إلى بولس على طريق دمشق . يُجيب بعد أن تفجّر نورٌ في أعماقه كأنه من ينابيع سرية .
"ماذا أفعل يا رب ". استسلم المارد الجبّار، أذعن الذي ألقى المسيحيين في السجون وَقبِلَ بما يأمره به الرب . "إني مُرسلك إلى بلاد بعيدة ".
بهذه الكلمات صنع يسوع من بولس رسولاً للأمم. فهِم بولس دعوته أنها جاءت من يسوع بالذات، ميزُته أنه لم يُرسَل من قِبَلِ بشر . قام بعددٍ من رحلاته التبشيرية ، وكتب رسائل عديدة أصبحت جزءاً من الكتاب الم قدس. رحلته الأخيرة بدأت من فلسطين حيث ُقيِّد بالسلاسل متوجهاً إلى رومية لشهد ويستشهد فيها، وكتب أثناء ذلك رسائل كثيرة. تعرض بولس خلال هذه الرحلات إلى الاضطهادات والمصاعب والمشقات، عانى من الجلدات والضرب بالعصي والرجم . عرف بولس ضعفه وعدم قدرته على تحملّ كل ذلك، فكانت كلمات يسوع تشدده : "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل ". إن البشارة التي أذاعها في كل المسكونة، وجميع الأعمال التي قام بها هي عمل يسوع في بولس.
يبقى سؤال : لماذا عيدهما في يوم واحد وهما على ما هما عليه من القداسة والبشارة المسيحية ؟
نعيّد لهما معاً لأن التقليد الكنسي يذكر أنهما استشهدا معاً في ٢٩ /حزيران سنة ٦٥ م في روما .
بطرس وبولس هامتا الرسل تظهرهما الأيقونة التراثية متعانقين، والأيقونات في عهد لاحق تجعلهما حاملي الكنيسة، فترمز بذلك إلى أن تعليمهما كان أساساً ومرتكزاً لها. عيد القديسين بطرس وبولس هو عيدنا في هذه الديار المشرقية لأنهما مؤسسي كنيستنا وكرسينا الأنطاكي المقدس واتخذتهما شفيعين لها.
***
أيها الاحباء في هذا اليوم(29 حزيران) تعيد الكنيسة المقدسة لعيد الرسولين القديسين -هامتي الرسل ومعلميّ المسكونة جمعاء بطرس وبولس اللذين هما مؤسسا الكرسي الانطاكي المقدس، فنتذكر فيه نعمة الروح الكلي قدسه الذي بحلوله في يوم العنصرة حقق ما أراده سيد الكل الرب يسوع المسيح في جمع المتفرقات الى إتحاد واحد.
ففي هذا اليوم نعيّد لقيدسين نسميهما متقدميّ الرسل وطبعاً ليس بالمعنى البشري للتقدم السلطوي في السيطرة على الناس بل بهذا التقدم الالهي في الخدمة المُحِبَّة لهم. اذ ان السيد الرب علمنا انه يتحقق في ان يخدم الانسان الآخرين خدمة تصل به الى اله مصلوب من أجل فداء الناس.
نعيّد لكائنين بشريين يختلفا كليّاً في كل شيء فتدخلهما نعمة المصلوب الى وحدة في المسيح يسوع تغلب في ضعفهما الكامل.
وفي هذا اليوم نعيّد لانطاكية حيث اجتمع طرفا النقيض اليهود والوثنيون حيث اكتشف ان أتباع "الاله المجهول" الذي بشّر به الرسول بولس للأمم هو نفسه ذاك الذي أعلن عنه الرسول بطرس عندما قال له: "أنت المسيح ابن الله الحي" أمام اليهود في قيصيرية فيليبس. ولذلك فهم في انطاكية أن اتباع السيد والانتماء الى ملكوته ليس وقفاً على فئة متقوقعة على نفسها بل منفتح أمام كل انسان لأجل خلاص البشر أجمعين دون استثناء.
فإذا كنا نعيّد حقاً للكرسي الانطاكي المقدس، بتعييدنا لمؤسسيه وخادميه الأوليْن ينبغي أن نكتشف فيه خاتم الكنيسة الواحدة المقدسة الرسولية الجامعة الممتدة من أطراف المسكونة الى أطرافها وحيث لا تفرقة بين انسان وانسان بل اقامة جسور حية بأجسادنا وأرواحنا تأخذ قوتها من الجسر الالهي المنتصب على الصليب لكي يجعل الاثنين واحداً.
هذه أمانتنا وهذا هو هدفنا في الكرسي الانطاكي المقدس الا حفظ الرب غبطة أبينا البطريرك اغناطيوس الرابع الكلي الطهر والجزيل الاحترام والسادة الاخوة رعاة أبرشياته ورؤساء الكهنة الأجلاء والكهنة والشمامسة الورعين ورهبانه وراهباته المتقدسين وشعبه المحب للمسيح والعالم أجمع بشفاعات معلمي المسكونة القديسين الجليلين بطرس وبولس. آمين
السيرة
السيرة الذاتية :
- بولس رسول الأمم العظيم ، كان اسمه العبري شاوول، ولد شاوول في طرسوس ( ولاية كيليكية) من أسرة يهودية كان أبوه تاجرا من ذوي المكانة حاصلا على شرف الرعوية الرومانية الممتازة وكان عبرانيا فريسيا أي محافظا على التقاليد وأحكام الناموس . التحق بالمجمع اليهودي بطرسوس وهو في السادسة من عمره حيث تعلم العبرية ودرس اليونانية وأتقن صناعة الخيام كما كان يفرض عليهم العرف ولما بلغ الخامسة عشر من عمره بعثه والده إلى أورشليم ليتلقى العلوم الدينية ويتبحر في الناموس وهناك أتيح له أن يجلس عند قدمي (غمالائيل ) أشهر معلمي الناموس ومفسريه . عاد إلى طرسوس لينضم إلى جامعتها العبرية ويتعمق في الفلسفة .
يؤكد لنا التاريخ أنه لم يكن في أورشليم خلال السنوات الثلاث الأخيرة للسيد المسيح وهو يعترف في إحدى رسائله أنه لم يرى المسيح بالجسد .
دعي بولس بهذا الاسم في سفر أعمال الرسل ( أو شاول الذي هو بولس أيضا ) ومعناه ( الصغير ) . كان أول ذكر له في محاكمة استفانوس ( خلعوا ثيابهم عند رجلي شاب يقال له شاول) فهذا يدل أنه صاحب نفوذ وكان متعصبا يكره ذلك المصلوب ( المسيا) ويعتقد أن تابعيه كانوا خطرا دينيا وسياسيا فعليه قتلهم ، فقام بمهاجمة أتباع المصلوب داخل أورشليم وخارجها خدمة لله والناموس ....... أسر بولس الرسول وسجن واستشهد مجاهدا في سبيل الله ( 67- 68 م في رومية ) .
نقطة تحول :
- ( كان ذلك في الطريق إلى دمشق ، في وسط النهار عندما أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض ).( أع 9) ، وسمع صوتا يقول له ( شاول ، شاول لماذا تضطهدني ) فقال شاول ( من أنت يا رب ) فأجابه الصوت ( أنا يسوع الذي أنت تضطهده صعب عليك أن تقاومني ) فقال وهو متعب خائف ( يا رب ماذا تريد أن أعمل ) فقال له الرب ( قم وادخل المدينة وهناك يقال لك ما يجب أن تعمل ) وكان معه رجال وقفوا صامتين يسمعون الصوت ، وإن كانوا لا يميزوا الألفاظ . فنهص شاول عن الأرض وفتح عينيه وهو لا يبصر شيئاً .
ولد بولس ولادة ثانية ،دعاه الرب فلبى ومن المؤكد أن الرب يسوع ظهر له في مرأى العين ، فتحقق بذلك بأن يسوع هو ابن الله الحي مخلص البشرية من المعاصي والخطايا .

دخل شاول دمشق وأطاع الرب ولما جاءه حنانيا ووضع يده عليه وقال له ( يا أخي شاول أرسلني إليك الرب يسوع الذي ظهر لك وأنت في الطريق التي جئت منها ، وحتى يعود البصر إليك وتمتلئ من الروح القدس ) فعاد إليه البصر وقام وتعمد . بقي مختليا مع الرب في المنطقة الجنوبية من دمشق ثلاث سنوات ، أشرق فيه نور الحق والإيمان و ازداد لهبا وغيرة بيسوع . فسمع يهود دمشق به وحاولوا قتله ، فأخذه التلاميذ ليلا ودلوه من السور في قفة ، فهرب إلى أورشليم حيث رحب به برنابا وقدمه للرسل . بشر مجاهرة في أورشليم مما جعل اليونانيين يحاولون قتله ، فذهب إلى طرسوس مسقط رأسه. ويرجح أنه بقي فيها نحو ست سنوات وأنه أسس فيها الكنائس المسيحية . وانطلق للبشارة في الخارج .
بولس كإنسان:
إنه يتمتع بغنى بشري وروحي عظيم، مفكر وعبقري، صاحب عاطفة إنسانية ورقة في التعامل: "سَلِّمُوا عَلَى رُوفُسَ الْمُخْتَارِ فِي الرَّبِّ، وَعَلَى أُمِّهِ الَّتِي هِيَ أُمٌّ لِي." (رو 13:16)، محب ويعرف معنى الصداقة (غل 15:4، 19) لا يعرف الكذب.. حازم .. شجاع .. متوازن يعرف كيف يعطي ذاته كلها، أعطى نفسه للمسيح، حمل هم كل الكنائس (2كور 28:11) كان خاضعا لنداءات المسح (أع 9:16)، أهتم بالمشاركة في الايمان (غل 2:2) والأمانة للتقليد الآتي من الرب (1كو 23:11-24، 1:15-12)، وعرف أن المسيح قد جاء من أجل الجميع فطلب أن يكون كلا للكل (1كور 22:9)، بمعنى آخر أنه حمل إنجيل المسيح لكل الناس.
مميزات الرسول بولس:
الميزة الأولى :هي كونه رأى الرب (1كور9:1)، أي كونه التقى الرب في لحظة معينة من حياته، (غل 15:1-16) حيث يقول: أنه دُعي، وأختير إلى حد ما، بنعمة الله عبر وحي ابنه لاجل اعلان البشرى السارة للوثنيين. ويقول أيضا :"أنه مدعو ليكون رسولا"(رو 1:1)، أي "لا مِنْ قِبَل الناس ولا بمشيئة إنسان، بل بمشيئة يسوع المسيح والله الآب الذي أقامه من بين الأموات" (غل 1:1)، فهذه هي خاصيته الاولى كونه قد رأى الرب وتلقى دعوة منه.
الميزة الثانية: هي أن يكون قد أُرسِلَ وذلك يستوجب عليه أن يتصرف كوكيل وكممثل للذي أرسله، ولذلك نجده يعرّف نفسه "رسول يسوع المسيح" (1كور 1:1، 2كور 1:1)، أي وكيله القائم على خدمته بالكامل، لدرجة أنه يسمي ذاته أيضا "خادم يسوع المسيح" (رو 1:1).
الميزة الثالثة: وهي عيش "التبشير بالإنجيل"، عبر تأسيسه للكنائس، ولُقبَ بالرسول لم يأتي بصورة فخرية بل من خلال العمل حيث يقول: "ألستُ رسولا؟" أو ما رأيت يسوع ربنا؟ ألستم صنيعتي في الرب" (1كور 1:9) وأيضا في موضع آخر يقول: "أنتم رسالتنا .. رسالة من المسيح، أُنشئت عن يدنا، ولم تكتب بالحبر، بل بروح الله الحي" (2كور 2:3-3).
ويلتصق بمحبة المسيح بشكل صميمي بقوله: "فَمَنْ سَيَفْصِلُنَا عَنْ مَحَبَّةِ الْمَسِيحِ لَنَا؟ هَلِ الشِّدَّةُ أَمِ الضِّيقُ أَمِ الاِضْطِهَادُ أَمِ الْجُوعُ أَمِ الْعُرْيُ أَمِ الْخَطَرُ أَمِ السَّيْفُ؟ بَلْ كَمَا قَدْ كُتِبَ: «إِنَّنَا مِنْ أَجْلِكَ نُعَانِي الْمَوْتَ طُولَ النَّهَارِ. قَدْ حُسِبْنَا كَأَنَّنَا غَنَمٌ لِلذَّبْحِ!» وَلكِنَّنَا، فِي جَمِيعِ هَذِهِ الأُمُورِ، نُحْرِزُ مَا يَفُوقُ الانْتِصَارَ عَلَى يَدِ مَنْ أَحَبَّنَا. فَإِنِّي لَعَلَى يَقِينٍ بِأَنَّهُ لاَ الْمَوْتُ وَلاَ الْحَيَاةُ، وَلاَ الْمَلاَئِكَةُ وَلاَ الرِّيَاسَاتُ، وَلاَ الأُمُورُ الْحَاضِرَةُ وَلاَ الآتِيَةُ، وَلاَ الْقُوَّاتُ، وَلاَ الأَعَالِي وَلاَ الأَعْمَاقُ، وَلاَ خَلِيقَةٌ أُخْرَى، تَقْدِرُ أَنْ تَفْصِلَنَا عَنْ مَحَبَّةِ اللهِ الَّتِي لَنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" (روم35:8-39).
وتصرف وتحدث الرسول بولس عن خدمته التي تميزت كما جاء في الرسالة إلى (2كور 3:6-10) "وَلَسْنَا نَتَصَرَّفُ أَيَّ تَصَرُّفٍ يَكُونُ عَثْرَةً لأَحَدٍ، حَتَّى لاَ يَلْحَقَ الْخِدْمَةَ أَيُّ لَوْمٍ. وَإِنَّمَا نَتَصَرَّفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِمَا يُبَيِّنُ أَنَّنَا فِعْلاً خُدَّامُ اللهِ: فِي تَحَمُّلِ الْكَثِيرِ؛ فِي الشَّدَائِدِ وَالْحَاجَاتِ وَالضِّيقَاتِ وَالْجَلْدَاتِ وَالسُّجُونِ وَالاضْطِرَابَاتِ وَالأَتْعَابِ وَالسَّهَرِ وَالصَّوْمِ؛ فِي الطَّهَارَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَطُولِ الْبَالِ وَاللُّطْفِ؛ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْمَحَبَّةِ الْخَالِصَةِ مِنَ الرِّيَاءِ؛ فِي كَلِمَةِ الْحَقِّ وَقُدْرَةِ اللهِ؛ بِأَسْلِحَةِ الْبِرِّ فِي الْهُجُومِ وَالدِّفَاعِ؛ بِالْكَرَامَةِ وَالْهَوَانِ؛ بِالصِّيتِ السَّيِّيءِ وَالصِّيتِ الْحَسَنِ. نُعَامَلُ كَمُضَلِّلِينَ وَنَحْنُ صَادِقُونَ، كَمَجْهُولِينَ وَنَحْنُ مَعْرُوفُونَ، كَمَائِتِينَ وَهَا نَحْنُ نَحْيَا ، كَمُعَاقَبِينَ وَلاَ نُقْتَلُ، كَمَحْزُونِينَ وَنَحْنُ دَائِماً فَرِحُونَ، كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ، كَمَنْ لاَ شَيْءَ عِنْدَهُمْ وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ". وهكذا فعلا كانت خدمته ولم يكن بإمكان أحد اتهامه بما ينافي الأخلاق والآداب وكان ذا علمٍ موهب به من الله وكانت محبته بلا رياء، ويمارس بشارته بقوة الله، وكان يحارب بنشر رسالته بأسلحة البر في الهجوم والدفاع وهذا ينم عن تفكيره بأن الأخلاق المسيحية الجيدة هي أحسن سلاح في كلتا الحالتين.
ويمكننا أن نقول أن الآية الرئيسية في حياته كانت: " فَالْحَيَاةُ عِنْدِي هِيَ الْمَسِيحُ، وَالْمَوْتُ رِبْحٌ لِي. وَلَكِنْ، إِنْ كَانَ لِي أَنْ أَحْيَا فِي الْجَسَدِ، فَحَيَاتِي تُهَيِّيءُ لِي عَمَلاً مُثْمِراً. وَلَسْتُ أَدْرِي أَيَّ الاثْنَيْنِ أَخْتَارُ!" (فيلبي 21:1-22
اعتقاله وموته
في فترة الخمسينات زار بولس اورشليم مع بعض مسيحيي الأمم الذين آمنوا على يديه، وهناك تم اعتقاله لأنه قام بإدخالهم (وهم يونانيون) إلى حرم الهيكل وبعد سلسلة من المحاكمات أُرسل إلى رومية حيث قضى فيها آخر سنين حياته. بحسب التقليد المسيحي فأن بولس أعدم بقطع رأسه بأمر من نيرون على أثر حريق روما العظيم الذي اتهم المسيحيون بإشعاله عام64 م.