عيد ارتفاع الصليب
(النهار 13/9/2009 )
غداً عيد ارتفاع الصليب حادثتان أوجدتاه. أولاها في القرن الرابع حيث وجدت القديسة هيلانة أم قسطنطين إمبراطورالروم صليب المخلّص الذي كان مغمورا في التراب، والحادثة الثانية أن أعاد الإمبراطور هرقل ذلك الصليب من بلاد الفرس الذين كانوا قد أخذوه من أورشليم. فرح المسيحيون بالحادثتين وفهموهما رحمة من الله لهم. لن أعلّق على هذين الكشفين لأن يأودّ تجاوز الواقعين في محسوسيتهما لولوج الجوهر.
تبديدا لكل لبس وددت أن أقول أن الصليب لا أهميّة له إلاّ بالمصلوب. كل الديانات ذات رموز وخطاب رموزي. لايهمّني إذا كانت ذخيرة الصليب التي تضعها ضمن صليب فضيّ في عنقك جاءت حقا من صليب يسوع. لا أحد يمكن أن يثبت ذلك ولكن يجب أن يهمّك إن كنت مسيحيا أن تعترف بأن موت الناصري وانبعاثه هما كل المسيحيّة. وان كل عبادة أو طقس أو عقيدة هي من باب تعزيز ذلك الموت وتلك القيامة.
هذه قاعدتنا وهذا مدانا ولهذا نشهد. وإذا تكلّمت خارج هذا الإيمان باحثاً تاريخياً لا أحد إذا اتخذ منهج التاريخ المحض يستطيع أن يُخرج الأناجيل من باب التوثيق. لستَ مضطرًا أن تؤمن بالإنجيل لتثبت أن الإنسان يسوع الناصري عرف هذه الميتة. الأناجيل صحف ذلك الزمان والإنجيليون الأربعة ثلاثة منه مشهود وواحد تقصّى شهادات الشهود. أنت مستقلاً عن معنى الصلب أفداء هو أم خلاص لامهرب لك من أن تقول أن المسمى يسوع الناصري أو الجليلي ألقي القبض عليه وحاكمه اليهود والرومان وحمّله بيلاطس البنطي الوالي خشبة ليُصلب عليها فرُفع على تلّة الجلجلة مسمّرًا ومطعونًا جنبه بحربة وتأكد الوالي هذا الموت وقبر الرجل.
• • •
حادثة الصلب من الإيمان بسبب معانيها. يبدأ إيمانك الحقيقي من قبول المعنى.
معنى الموت ليسوع الناصري انه ارتضى أن يحمل خطيئة العالم، أن يصير هو خطيئة لكي يحيا من يؤمن به بلا خطيئة، لينبعث الإنسان كلّيوم من غضب الله عليه ليمكث في الرضاء الإلهي.
خشبة من خشبتين. الأولى عموديةوالثانية أفقيّة. أما العمودية التي طرح عليها المسيح فتدل على أن السيّد ممدود من الأرض إلى السماء وممدودون معه أحباؤه بالاتجاه نفسه. أما الأفقيّة التي كانت ذراعا المعلّم ممدودتين عليها فتدلّ على أن يسوع يضمّ بهما أو فيهما كل المسكونة إليه دائما ولأنه يرتفع دائما. سمينا هذا العيد ارتفاع الصليب. ما هذا إلا كلاما رمزيا. الحق إننا في ارتفاع المصلوب من اجل حياة العالم.
جاء في الكتب المقدسة عندنا عبارات من شأنها أن تضلّل. مأخوذة من العهد القديم ولكن يجب أن تُقرأ على خلفيّة العهد الجديد. كلمة كفّارة التي يعني ظاهرها أن يسوع مات بدلا عنا يمكن أن يتعثّرالقارئ بها فيفهمها بمعنى حقوقي معروف عندنا في قانون الجزاء. هذا ليس له أساس فيالعقيدة. وقد قيل في الغرب في القرون الوسطى إن الخطيئة أثارت غضب الله وهذا الغضبلا يزول إلا إذا أزاله إله ليتمّ التساوي بين الغضب والتكفير عنه. هذا ربما تعلق بهحتى اليوم بعض المتشنجين في إيمانهم أو من يحبون إنهاء الثأر بالفدية على ما هومألوف في مناطق قبليّة. هذا أيضا لا أساس له.
وان كنا لا نزال نستخدم كلمة فادٍ فليس لارتباطها بهذا الفكر القانوني لكنا نترجم بها اللفظة اليونانيّة التي تعني المحرر. المسيح يعتقنا من خوف الموت كما ورد في الرسالة إلى العبرانيين: "ويُعتق أولئك الذين خوفاً من الموت كانوا جميعًا كلّ حياتهم تحت العبوديّة" (15:2).
إذ تغلّبت على مخافة الموت فأنت مقيم في الحياة. كلّ المسيحيّة تقوم على تناقض الموتوالحياة وليس فقط الموت الروحي والحياة الروحيّة ولكن على التناقض بين الموت الجسدي والحياة التي تؤتانا من القيامة في اليوم الأخير.
الشيء الوحيد الذي يخشاه الإنسان هو الموت. يخشى حادثة آلة والمرض والغيبوبة. كلّ هذا موت. وإذا لم يستطع انيواجه هذا بصورة حقيقيّة فهو واقع في الخوف أبدا. لا يتعزّى أحد إن قلت له هذا لابد من حدوثه. الله سيّد على الابد أي انه يقضي على المواتية هنا. كيف تتحرر منها ولو كان لها يوما ما تعبير بيولوجي؟ لا مفر من الموت إلا بالمحبوبيّة. يجب أن يحبكإله لتحس بأنك محبوب. لا أحد يعوض الإله مصدرا كاملا لحيويتك. هذا كشفه يسوع الناصري بصورة بليغة بمعنى انه أدخل الحياة التي كان يحملها إلى مملكة الموت. فجّرالموت من الداخل. "وطئ الموت بالموت" كما يقول النشيد الفصحي.
وفيما كان المسيح يدخل الحياة إلى كل نطاق الموت أدخل معها المحبّة، والحياة هي المحبّة. بهذه وحدهاتخرج أنت من العدم. ارتضاء يسوع قتله إن هو إلا تعبير عمّا جاء في الكتاب: "هكذا أحبّ الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد" (يوحنا 16:3).
بهذا لم يبقَ محل للسؤال لماذا كل هذا التحرك الإلهي، لماذا هذه الإستراتيجية الإلهيّة، كل هذه الخضة؟ أما كان ممكنا لله أن يعبّر عن حبه بغير هذه الطريقة؟ طريقة أخرى تأتي من سؤال افتراضي. الأمور صارت هكذا لأن الله حكمته في هذا. حكمته تجلت في أن يتجسّد الكلمة ويتأنسن ليكون لصيقا بالإنسان، ليفهم البشر أن الرب ردم كل هوة كانت بينه وبين بنيه. هل من سبيل أفصح من أن يلازمنا الله في دنيانا، في جسدنا، في أوجاعه، في موتنا، في قبرنا؟
المسيحي يعرف في كل ألم أن مسيحه شريك له ويعرف انه لا يُلقى وحده فيالتابوت وان شيئا فيه لا يقضي عليه تراب الأرض. انه يعرف انه ليس عبدا نهائيا لوطأة الدنيا. هو يقع في الخطيئة لكنه ناهض إلى البر لأنه يحمل في نفسه طاقة الحب. ويستطيع أن يغفر إلى ما لا نهاية وان يذوق الفرح في أمراضه والكمال في عاهته ويختبرفي القداس "كمال ملكوت السموات والدالة لدى الله لا لمحاكمة ولا لدينونة" لأنه قد انتقل بقيامة المخلّص من الموت إلى الحياة.
هذا هو عيد الغد.
المطران جورج خضر

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس



المفضلات