في عود الصليب

عظة للقديس أفرام السرياني

أيها الإخوة، كالعود المغروس في وسط الفردوس (تك9:2) هكذا يكون الصليب في الأماكن المقدسة. ذلك العود قد أخرج ثمرة الحياة وأفاض ينبوعاً يروي أبدياً، وأما الصليب الحاضر فقد أثمر وأفاض من جنبه ينبوعاً من دم ٍ وماء (يو34:19). ذلك العود كان في وسط الفردوس، وأما هذا الصليب فقد نُصب في وسط الأرض، كما شهد داود النبي لله قائلاً: "صنع خلاصاً في وسط الأرض" (مز12:73). هناك غُرس، وهنا تحقق، فلقد أبدع الله الفردوس كإله وأما الصليب فقد صابر عليه كإنسان.
ذلك العود المغروس قد منح الحياة، وأما عود الصليب هذا فيمنح الحياة الأبدية مجاناً لمن يريدونها. ذلك العود قد أُعطي لآدم فقط ليسوده، وأما عود الحياة هذا فمباحٌ لكل من يود التمتع به. ذلك العود قد مُنع التمتع به من جراء معصية آدم، وأما عود الحياة هذا فيُشرك الخطأة أنفسهم في الحياة بالتوبة.
ذلك العود المغروس قد أعطى ثمراً للحياة الأبدية، وأما عود الحياة هذا فقد اكتسب ما لم يكن عليه قيلاً إذ صار غيرَ فاسدٍ بعد أن كان فاسداً، ولم يعد من بعدُ مجرد عودٍ بل بالإيمان صار ينبوعاً لحياة أبدية. والبرهان على أن الصليب يُنبع حياةً هو ما قاله يسوع: "أنا هو الحياة والقيامة" (يو25:11)، وكذلك الرسول الذي يقول إنا قد اعتمدنا لموت المسيح من أجل حياةٍ أبدية (رو3:6).
يا لقوة الصليب الإلهية، إذ جعلنا نتمتع بالفردوس مانحاً الحياة الجديدة في المسيح! والويل لليهود والوثنيين لأنهم لم يميزوا عود الحياة وإن سكنوا الفردوس العام.
الويل لليهود لأنهم لم يعرفوا ثمرة الحياة على الرغم من أن الله قد ائتمنهم على فلاحة كرمه. الويل لليهود لأنهم عميان فلم يعرفوا اللؤلؤة الثمينة المعلقة على الصليب. الويل لليهود لأنهم أخذوا على عاتقهم العناية بالحقل من دون أن يدركوا، مع ذلك، الكنز الذي كان على العود فأسلموه غلى الأمم الوثنية. الويل لليهود لأنهم إذ كانوا موكلين على الكرم حُرموا من فرح ذلك العود وتركوا لنا ذلك الكنز من دون أن يأخذوا منه شيئاً! ولذلك ما برح الشيطان يلعب بهم كعميان جهلة. فبسبب كسلهم أتلفوا ثمرَ الكرم، ولذلك انتزعه الله منهم وأعطاه لنا، أخذ الكرم ومنحه للأمم (متى 41:21) فأعطى أثماراً مضاعفة.

***

ومن ثمرُ كرم المسيح غيرُكم؟ وأنتم عديدون وكذلك الثمار. كان المسيح يطلب في المجمع ولو عنقوداً واحداً، فقال له الأنبياء: "ضلوا كلهم جميعاً. ليس من يعمل صلاحاً ولا واحد" (مز3:13). وأما أنتم فافرحوا بحضوره كعناقيد مميزة مقدمين له ذواتكم. كان المسيح يطلب في المجمع ثمراً، فقال له القديسون: "ليس من يعمل صلاحاً ولا واحد". وأما أنتم فتشتركون في نعمة المسيح، أنتم كلكم ثمر كرمه الذي فيه غُرس العود. ذلك أن شعب الله في العهدين القديم والجديد إنما هو حقل الله وثمره في آن معاً ولذلك يقول الرسول بولس: "أنتم فلاحة الله بناء الله" (1كو 9:3) وكما قال أشعيا لليهود: "كرم رب القوات هو ميراث اسرائيل وأناس يهوذا هم الغرس المحبوب الجديد" (أش 7:5). جاء الرب إذاً إلى هذا الكرم طالباً الثمار، إلا أن أشعيا يقول أيضاً: "لماذا تطلب ثماراً من الكرم الجاف؟ لماذا تطلب عنباً؟ هل تنتظر من العميان أن يهتموا بالفلاحة؟ سوف يعطونك أشواكاً عوضاً عن ثمار العناقيد. انتظرتَ أن يُثمر عنباً فأثمر حصرماً برياً (أش 2:5).
إن اليهود الذين أعمتهم الأهواء لم يكترثوا للكرم فأضاعوا بكسلهم كل ما تعب الآباء به من قبلهم. ولذلك قال نبي آخر للمسيح الذي كان يطلب الثمر: "احترقت الكرمة بالنار واقتُلعت...خنزير الغاب أتلفها ووحش البر افترسها" (مز 14:79 و16).
وأيضاً عندما جاء سيد الكرم أيبس التينة التي عطلت الكرم، ثم بعد أن غرس فيه التقوى الجدّية من جديد قدم لنا الكرم. أيبس التينة وغرس الصليب في الكرم، ولذلك قال حزقيال النبي عنه (أي عن المسيح): " أيبست الشجر الرطب وثبتَّ الشجر اليابس" (حز 24:17). أو لمْ يُفرع الصليب الذي أعطى ثماراً غنية كهذه فأشبع المصلوب الكنيسة وكل شعبها بوفرة؟!
يا لها من قوة ! قوة الصليب، إذ أصبح الحقلُ حقل زيتون وكرماً مثمرا، والثمر الطالع هو خبزٌ وزيتٌ وخمرٌ يفيض على كل الأمم.
المسيح هو كل ذلك، وهذا ما يقوله الإنجيل "أنا هو الخبزُ النازل من السماء (يو 51:6). وقد صار هو نفسه خمراً: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان. أي هو الكرام" (يو 5:15 و1)، وزيتاً أيضاً كما يقول النبي: "أما أنا فإني مثل زيتونة مثمرة في بيت الله" (مز 8:51).

***

أيها الأحباء، إن سر هذا الحقل لعظيم هو، إذْ في ثلاثة أيام أظهر ثماراً كاملة. تقبّل الزرع نهار الجمعة وفي يوم واحد أفرع كاملاً. غرس الكرم قبل يومين وظهر العنب في اليوم الثالث فمنح الكل خمراً وافرةً. وكلما استمر هذا العجب صار أطيب "لأن كل واحد يقدم الخمرة الجيدة أولاً ومتى سكروا حينئذ الدون. أما أنت فقد أبقيت الخمرة الجيدة إلى الآن" (يو 10:2) إذاً جاء المسيح آخراً فصار أولاً كما يقول: "هو الذي يأتي بعدي صار قدامي لأنه كان قبلي. وأنا لم أكن أعرفه" (يو 15:1 و31).
يا لها من ينابيع لا تنضب تنبجس من ذلك العود ! فهو يهب الجميع التمتع بالخلود وكلاً على قدر طاقته. يقول بولس: "عندنا هذا الكنز في آنية خزفية" (2كور 7:4)، أما أنا فأجيب عن كلامه بالمقابل وأقول إنه عندنا هذه الكنوز في عود الصليب هذا. كما ولا يحتاج هذا الحقل إلى أمطار، ولا إلى ماء حسي، ولا إلى تبدلات في الجو عبر الأيام وأدوار السنة، ولا إلى جفاف الصيف، بل على شبه المنّ تنضج ثماره بصورة مباشرة.
وحتى لا يشك المرء في كلامنا عن المسيح أنه خبزٌ وخمرٌ وزيت علينا أن نثبت ذلك عن طريق الكتاب المقدس من عهده القديم حيث يقول داود: "ذوقوا وانظروا ما أطيب الربَّ. فطوبى للرجل المتوكل عليه" (مز 9:33).
هلموا إذاً لنأكل من ثمر حياة المسيح الأبدية لنصيرَ صالحين، لأننا إن اغتذينا من هذه الأطعمة صرنا أناساً سماويين على اسم يسوع المسيح ربنا الذي يليق به المجد إلى دهر الداهرين آمين.

من كتاب أناجيل ورسائل الأعياد السيدية والثابتة
دير مارمخايل