ثم انتقل إلى انتقاد أطروحة هوكينغ الأولى الواردة في كتابه "تاريخ الزمان الموجز" حيث يقول: إذا ما وجودنا سر العلم، النظرية التي تشرح كل شيء، لكنا فهمنا لم نحن والكون موجودون. لكنا عرفنا ما هو فكر الله". هذه الفكرة – بحسب ساكس – هي بدائية لدرجة يصعب التفكير بأن هوكينغ قد تفوه بها. فإذا ما اكتشفنا سر العلم لكنا عرفنا بالتأكيد "كيف" جئنا نحن والكون إلى الوجود، ولكن لما كنا عرفنا "لماذا".
ثم قال: "إن الكتاب المقدس يهتم بشكل نسبي جدًا بكيفية مجيء الكون إلى الوجود. فهو يكرس فقط 34 آية لهذا الموضوع. بينما يكرس 15 مرة عدد هذه الآيات ليشرح كيف بنى الإسرائيليون الهيكل في الصحراء. الكتاب المقدس يعتني بأسئلة مختلفة كليًا. أسئلة الكتاب هي: من نحن؟ لماذا نحن هنا؟ كيف يجب أن نعيش؟"
لهذه الأسئلة وليس للمسائل العلمية نحن نسعى لمعرفة فكر الله.
أطروحة هوكينغ الثانية تنفي الأولى. فبحسب النظرية الثانية، الكون خلق نفسه بنفسه. وحجته هي أن سعة الكون وتشابه بعض كواكبه يجعل الصدفة أمرًا ممكنًا، ولذا يمكن للكون أن يكون وليد الصدفة. هذه الكلمات – بحسب الحاخام ساكس – هي بعيدة عن الحكمة وأناقة الكون. إنها تعبير عن علم يريد أن يتنكر بثياب الدين، وهو سخيف بقدر دين يريد أن يتنكر بثياب العلم.
تحتل المقالات التي تقدم، تعالج تمدح وتنتقد كتاب عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ الجديد صفحات جريدة "ذا تايمز" البريطانية.
قبل أسبوع من زيارة البابا المرتقبة إلى بريطانيا يطلق عالم الفيزياء هوكينع ما يظن أنه سيكون قنبلة نووية، ستصدر في الأسواق في 9 سبتمبر الجاري بعنوان "المشروع الكبير" (The Grand Design). كتاب يزعم الإجابة على هذا السؤال: "هل العالم بحاجة إلى خالق؟" جواب عالم الفيزياء هو قطعي: كلا، العالم كان سيخلق نفسه انطلاقًا من قانون الجاذبية.
تعليقًا على هذه الخلاصات (التي لا بد للقارئ أن يذهب أعمق في القراءة عندما يصدر الكتاب لكي يفهم عما إذا كانت تحاليل هوكينغ متماسكة منطيقيًا أم لا) تعليقًا عليها، خلصت هانا دالفين إلى القول: "تمامًا كما أزالت الداروينية الحاجة إلى الخالق في حلقة البيولوجيا، كذلك يقدم أشهر علماء بريطانيا سلسلة جديدة من الحجج تجعل دور الله في الكون مجرد إطناب زائد".
يعتبر العالم – بحسب التقرير الذي يسبق النشر – أن الانفجار الكبير (Big Bang) لم يتم بتدخل من الله بل كنتيجة حتمية لقوانين الفيزياء. وتستشهد دالفين بالكتاب - الذي ستصدر "ذا تايمز" مقتطفًا منه في 6 سبتمبتر – حيث يقول هوكينغ: "بما أن هناك قانون مثل قانون الجاذبية، يستطيع الكون بل يتوجب عليه أن يخلق ذاته من العدم. الخلق التلقائي (Spontaneous creation) هو السبب بأن هناك شيء بدل اللاشيء، هو سبب وجود الكون، هو سبب وجودنا". وعليه ما من داعٍ لإدخال الله في المعادلة لكي يسير عملية خلق الكون.
يشكل هذا الكتاب موقفًا جديدًا لهوكينغ، بعد أن كان أكثر انفتاحًا على الدين في مؤلفه السابق " A Brief History of Time "، حيث يشير إلى أن الدين لا يتناقض مع العلم وفهم الكون.
يجدر القول بأن الكتاب يحاول أن يدحض نظرية العالم الشهير إسحق نيوتون حول الكون، الذي يصرح بأن الكون لم يتولد من العدم انطلاقًا من قوانين الطبيعة، بل أنه خلق حتمًا من قِبَل الله.
يصرح هوكينغ أن بدء الشك الذي حمله إلى النظرية الحالية جاء في عام 1992، عندما تم اكتشاف كوكب يدور حول نجم يشبه شمسنا. وتعليقًا على هذا الاكتشاف يقول: "هذا الاكتشاف يجعل الصدفة التي أدت إلى نشوء ظروف كوكبنا – الشمس، والأرض المحظوظة القائمة على مسافة ملائمة من الكتلة الشمسية – أمرًا أقل دهشة، وحجة أقل قوة للتصريح بأن الأرض خُلقت بانتباه كبير لكي تستضيف الكائنات البشرية".
ويسترسل هوكينغ فيقول: ليس فقط الكواكب بل هناك إمكانية لوجود أكوان أخرى. ولو كانت نية الله هي أن يخلق البشر فقط فوجود كل هذه المادة والأكوان هي أمر فائض.
ردات فعل على تصريحات هوكينغ
رحب عالم البيولوجيا ريتشارد دوكينز، الذي يجاهد لنشر الإلحاد (خصوصًا في أشهر كتبه "وهم الله")، بخلاصات هوكينغ بالقول: "رغم أنني لا أعرف شيئًا عن تفاصيل علم الفيزياء، إلا أنني أعتقد بالأمر نفسه".
في المقابل، صرح البروفسور جورج إيليس، رئيس الجمعية العالمية للعلوم والأديان بالقول: "إن مشكلتي الكبرى مع هذه الخلاصات هي أنها تضع الناس أمام خيار: إما العلم وإما الدين. كثير من الأشخاص سيقولون: حسنًا، أنا أختار الدين، وعندها الخاسر سيكون العلم".
هذا وكانت هناك ردات فعل وتعليقات من رجال دين مسيحيين، مسلمين ويهود في انكلترا، عبروا في آرائهم ووجهات نظرهم في شأن نظرية هوكينغ.
مواقف رجال الدين
إن نظرية الفيزيائي هوكينغ الذي يصرح بأن علم الفيزياء لا يترك مجالاً لله في الكون لم تمر بدون ملاحظة ممثلي الأديان المختلفة في بريطانيا.
فقد قال رئيس أساقفة كانتربري، روان ويليمز، لصحيفة "ذا تايمز" معلقًا: "الإيمان بالله ليس سدة تفيد في تسكير فجوات في شرح كيف تترابط الأمور في الكون. الإيمان بالله هو أن نؤمن بأن هناك عامل ذكي وحي تعتمد عليه كل الموجودات".
وأضاف: "علم الفيزياء لوحده لن يجيب أبدًا على السؤال: لم هناك شيء بدل العدم".
من ناحيته، عبّر الإمام ابراهيم موغرا، رئيس لجنة المجمع الإسلامي في بريطانيا عن رأيه بالقول: "إذا ما نظرنا إلى الكون وكل المخلوقات، لرأينا أن هناك أحد ما وراءها أتى بها إلى الوجود. وهذا هو الله".
أما الجواب الأطول والأكثر محاججة فقد جاء من قبل الحاخام جوناثان ساكس الذي هو رئيس اتحاد الجماعات اليهودية في الكومنولث.
في مقالته التي نشرتها صحيفة "ّذا تايمز"، يبدأ ساكس مصرحًا: "ستيفن هوكينغ يخطئ بأمر وجود الله. وجل ما يفعله هو أنه يرفض اللاهوت المغلوط الذي كان يعتنقه في الماضي".
ويتساءل ساخرًا: "ماذا كنا سنفعل لنتسلى لو لم يكن هناك علماء يقولون لنا بحماسة خانقة أن "الله لم يخلق العالم"، كما لو كانوا أول من يقول هذا الأمر؟ ستيفن هوكينغ هو الأخير، ولكنه بالتأكيد ليس الأول!".
ويتابع: "عندما سأل نابوليون عالم الحساب لابلاس، منذ نحو 200 عام، عن الله في برنامجه العلمي، أجاب الحسابي: ‘أنا لست بحاجة لهذه الفرضية‘. لست بحاجة إلى الله لكي أشرح الكون. لم نكن يومًا بحاجة إلى الله لكي نفهم الكون. وهذا الأمر هو ما لا يفهمه العلماء".
"هناك فرق بين العلم والدين. العلم يشرح. الدين يفسّر. الدين يضع الأمور سوية لير ما معناها. ولذا فالمقاربتان الفكريتان تختلفان جوهريًا. لا بل إنهما يستعملان قسمين مختلفين من الدماغ. العلم – لطبيعته التراتبية، الذرية، والتحليلية – هو من خواص القسم اليساري من الدماغ. الدين – لطبيعته التكاملية، الشمولية، والعلائقية – يرتبط أكثر بعمل القسم اليميني من الدماغ".
وأوضح الحاخام أن العداوة بين الدين والعلم هي من "لعنات عصرنا، وقد أساءت إلى الدين والعلم على حد سواء".
ثم انتقل إلى انتقاد أطروحة هوكينغ الأولى الواردة في كتابه "تاريخ الزمان الموجز" حيث يقول: إذا ما وجودنا سر العلم، النظرية التي تشرح كل شيء، لكنا فهمنا لم نحن والكون موجودون. لكنا عرفنا ما هو فكر الله". هذه الفكرة – بحسب ساكس – هي بدائية لدرجة يصعب التفكير بأن هوكينغ قد تفوه بها. فإذا ما اكتشفنا سر العلم لكنا عرفنا بالتأكيد "كيف" جئنا نحن والكون إلى الوجود، ولكن لما كنا عرفنا "لماذا".
ثم قال: "إن الكتاب المقدس يهتم بشكل نسبي جدًا بكيفية مجيء الكون إلى الوجود. فهو يكرس فقط 34 آية لهذا الموضوع. بينما يكرس 15 مرة عدد هذه الآيات ليشرح كيف بنى الإسرائيليون الهيكل في الصحراء. الكتاب المقدس يعتني بأسئلة مختلفة كليًا. أسئلة الكتاب هي: من نحن؟ لماذا نحن هنا؟ كيف يجب أن نعيش؟"
لهذه الأسئلة وليس للمسائل العلمية نحن نسعى لمعرفة فكر الله.
يتبع
المفضلات