* يقسم القداس الالهي الى ثلاثة أقسام*
التقدمة وقداس الموعوظين وقداس المؤمنين
التقدمة
التقدمة هي تهيئة الخبز والخمر اللذين سيستعملان في سر الشكر. في الكنيسة الاولى كان المؤمنون يأتون بتقدماتهم من الخبز والخمر ويسلمونها للشمامسة وهؤلاء كانوا يضعونها في غرفة خاصة ويصلون من أجل الذين قدمت من أجلهم . وكان الكاهن ينتقي فيما بعد من هذه القرابين ما يلزم لتتميم سر الشكر وأما الباقي فكان يحفظ لموائد المحبة أي تلك الموائد التي كانت تقام بعد القداس الالهي وكان يشترك فيها أخويا جميع المؤمنين. اغنياؤهم وفقراؤهم, اسيادهم وعبيدهم . وتقديم هذه القرابين انما هو رمز لتقديم أنفسنا الى الله بالاشتراك بذبيحة ابنه, اذ أن هذا الخبز وهذه الخمر المقدمين هما قوت الانسان ويرمز الى حياته وشخصه. فتقديمها اذا يرمز الى تقديم الشخصية والحياة لله.
وتتم التقدمة في أيامنا على الشكل الآتي: يقدم المؤمن الذي يريد ان يقيم قداسا على نيته او نية من يختصون به خمس خبزات اشارة الى الخبزات الخمس التي اشبع منها يسوع خمسة آلاف , او ثلاثة - أو تصنع الكنيسة نفسها هذه الخبزات وتقدمها - وتصنع خبزات التقدمة من القمح النقي, وهي مخمرة خلافا لما تستعمله الكنيسة الكاثوليكية من الخبز الفطير, لأن الكنيسة الارثوذكسية تتبع في ذلك التقليد القديم الذي جرت عليه سابقا الكنيسة كلها شرقا وغربا والذي يستند الى كلمة الانجيل المستعملة للدلالة على الخبز, ألا وهي artos, ومعناها الخبز المختمر بينما لم يستعمل الكلمة اليونانية azymos التي تدل على الخبز الفطير. وفي وسط كل من الخبزات طابع يدعى " الحمل" يرمز الى المسيح " حمل الله الرافع خطايا العالم"(يوحنا 29:1 ) وعلى هذا الطابع مرسوم صليب مع هذة العبارات باللغة اليونانية" iz-xz-ni.ka" أي " يسوع المسيح الغالب". هذا يدل على أن يسوع الذي أراد أن يكون حملا مذبوحا من أجل خطايا العالم قد غلب بموته قوة الشيطان والخطيئة وأشركنا معه في غلبته التي سوف تتجلى بصورة كاملة في مجيئه الثاني المجيد.
تجري التقدمة في الهيكل او قدس الاقداس وهو القسم الداخلي من الكنيسة الذي لا يدخله سوى الكهنة والذي يفصله عن بقية الكنيسة حاجز يدعى "الايقونسطاس" لأن الايقونات تعلق عليه, وفي وسط الهيكل هذا نجد مائدة عليها تتم الاستحالة وتدعى ايضا " العرش" لأن عليها يحل ملك الملوك في حين الاستحالة, والى يسار هذه المائدة حفرة في الحائط على شكل مغارة تدعى المذبح فيها تتم التقدمة. ويذكرنا شكل المذبح بالمغارة التي ولد فيها يسوع وبالقبر الذي دفن فيه جسده الطاهر : وفي طقوس الكنيسة الارثوذكسية ذكر الميلاد وذكر الدفن مرتبطان لانهما يعبران عن تنازل الاله وانسحاقه من أجلنا.
تجري التقدمة بعد أن يكون المرتل قد أنشد" الله الرب ظهر لنا . مبارك الآتي باسم الرب" في صلاة السحر وفيما تتلى المزامير المعينة لذلك اليوم . يقف الكاهن امام الباب الملوكي- وهو الباب الرئيسي المؤدي الى الهيكل- ويتلو بعض الصلوات ويتقدم من الايقونات فيقبلها وبعد ذلك يدخل الى الهيكل ليقوم بعمله المقدس واذا كان رئيس الكهنةحاضرا فانه قبل دخوله الى الهيكل يأخذ منه البركة وتدعى باليونانية" كيرون" وبذلك يظهر انه يقيم الخدمة الالهية بانتداب من الاسقف. فالكاهن الذي قطعه الاسقف لا يمكن ان يقيم القداس الالهي لانه كما قال القديس الشهيد اغناطيوس المتوشح بالله " حيثما يوجد الاسقف فهناك توجد الكنيسة".
وعندما يدخل الكاهن الى الهيكل يتلو هذه الآية من المزامير " ادخل الى بيتك واسجد في هيكل قدسك" ( مز7:5) ثم يذهب الى المغسلة فيغسل يديه قائلا : " اغسل يدي بالنقاوة واطوف في مذبحك يا رب"( مز 6:26) وغسل اليدين رمز لنقاوة القلب التي يجب أن يتحلى بها خادم الاسرار الالهية. ثم يرتدي الثياب الكهنوتية قائلا اثناء ارتدائه كل قطعة منها آية من الكتاب المقدس.
نلاحظ أن الكاهن طيلة قيامه بهذه الاعمال الاعدادية يصحبها بايات كتابية لأن الاعمالالاعتيادية الوضيعة كالدخول من باب وغسيل اليدين وارتداء الثياب يجب أن تقدس بكلمة الله نظرا للغاية المقدسةالتي تهدف اليها, اعني خدمة اسرار الله. اما ارتداء الثياب الكهنوتية فمهم, لأن الثوب اجمالا يرمز الى الشخصية ( لنذكر الالبسة الرسمية التي يرتديها رجال الأمن او المحامون او القضاء او الاساتذة...) وهكذا فعندما يرتدجي الكاهن ألبسة خاصة اذا استعد للخدمة الالهية يشير بذلك الى أن شخصيته العادية حجبت ولم يعد لها أهمية بل فسحت المجال لشخصية جديدة هي شخصية خادم الاسرار . فالكاهن الذي يقيم الخدمة الآلهية لم يعد بنظرها ذلك الانسان الذي نعاشره يوميا ونلتقي به في السوق ونزوره ويزورنا ونتحدث اليه أحيانا بعدم تكليف ونعرف نقائصه وعيوبه , انه الآن الاداة الحية التي أقامها الروح القدس لخدمة الاسرار المحيية والتي يستخدمها - رغم عدم استحقاقه- لبث نعمة في الكنيسةواحياء المؤمنين. فارتداء الالبسة الكهنوتية يعني أن الكاهن , رغم جهله, وخطاياه التي هي موضوع حساب بينه وبين الله, يمكنه ان يتمم الاسرار الالهية لأن متمم الاسرار الحقيقي هو المسيح يسوع نفسه الذي هو " الكاهن الى الابد" ( مز11: وعب6:5 )وهو يفعل ذلك من خلال الكاهن. والثياب الكهنوتيةزاهية موشاة بالذهب والفضة للدلالة الى أن خادم الاسرار يقترب من مجد الملكوت الالهي بصفته وسيطا بين الله والشعب.
وبعد ان ينتهي الكاهن من ارتداء ثيابه يقترب من المذبح ويضع عليه الاواني المقدسة وهي : صينية تعلوها قطعتان معدنيتان معكوفتان متصلتان بشكل صليب وهاتان القطعتان اللتان يستند عليها غطاء الصينية تدعيان النجم وتذكران بالنجم الذي هدى المجوس الى حيث كان الطفل يسوع, وكاس ووعاء للخمر ووعاء آخر للماء ولعقة واسفنجة وحربة بشكل مثلث ويضع ايضا على المذبح اغطية الاواني المقدسة والخبزات الخمس.
ثم يأخذ احدى هذا الخبزات وينتزع منها بالحربة الطابع او ( الحمل) مقتطعا اياه من جهاته الاربع وعلى جهة من الجهات يتلو آية من اشعياء النبي - ذلك النبي الذي تنبأ عن المسيح وآلامه بوضع مدهش جعل الآباء يدعونه " الانجيلي الخامس" - فيقول على الجهة الأولى " كمثل خروف سيق الى الذبح" وعلى الجهة الثانية " وكمثل حمل صامت امام الذي يجزه هكذا لم يفتح فاه" ( اشعيا7:53) وعلى الجهة الثالثة" بتواضعه انتزع قضاؤه" (اشعياء8:53 ) وعلى الجهة الرابعة " اما جيله ( أي اصله الالهي) فمن يصفه" ( اعمال33:8). ثم يرفع الحمل قائلا"لأن حياته قد ارتفعت من الأرض" ويضعه مقلوبا على الصينية ويقطعه بشكل صليب دون ان ينفذ الى قشرته قائلا يذبح حمل الله الرافع خطيئة العالم من أجل حياة العالم وخلاصه . بصلبك ايها المسيح قد نقضت عبودية المارد وديست قوة العدو. ثم يقوم الحمل ويطعنه بالحربة قائلا هذه الآية من الانجيل " واتى واحد من الجند وطعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء"( يوحنا 34:19 و35) وعند تلاوة الكلمات الاخيرة يأخذ وعاء الماء ووعاء الخمر ويصب منهما في الكأس ويتلبع قائلا " والذي عاين شهد وشهادته حق" (1 كو 26:11 ) وهكذا نرى كيف ان القداس الالهي هو بالحقيقة ذكرى لموت الرب حسب قول الرسول " كلما اكلتم من هذا الخبز وشربتم من هذه الكأس تخبرون بموت الرب...".
ثم يأخذ الكاهن الخبزة الثانية وينتزع منها بالحربة جزءا يشكل مثلث من اجل تذكار والدة الاله ويضعه في الصينية عن يمين الحمل قائلا هذه الاية من المزامير التي تشير نبويا الى والدة الاله " قامت الملكة عن يمينك مزينة بثوب مذهب موشى" ( مزمور 10:45), ثم يأخذ تسعة اجزاء على اسم جميع الملائكة والقديسين من رسل وشهداء ورؤساء كهنة الخ... ويضعها على يسار الحمل . واخيرا يأخذ اجزاء عن الاحياء والاموات وبنع خاص الذين قدمت القرابين من اجلهم ذاكرا اياهم باسمائهم ويضع هذه الاجزاء تحت الحمل في الصينية , وهكذا يظهر الرب يسوع محاطا بكنيسته كلها المتجندة والظافر حسب قوله " حيثما اكون انا فهناك يكون خادمي" ( يوحنا26:12).
بعدئذ يبخر الكاهن الاغطية ويضعها فوق الاواني المقدسة ثم يبخر المذبح والمائدة وتنتهي خدمة التقدمة.