يتساءل كثيرٌ من الأرثوذكسيّين عمّا إذا كانت كنيستهم المقدّسة تحوي ضمن صلواتها العديدة ما يُسمّى بصلاة المسبحة، الأمر الموجود في سائر الكنائس الأخرى. كما أنّ كثيرين يعلمون بوجود المسبحة، ويتزيّنون بها واضعينها حول معصمهم، إلاّ أنّهم إمّا لا يعرفون كيف تُستَعمَل، أو يستعملونها بطريقة خارجة عن تقليدنا الأرثوذكسي.
نقرأ في مثل الفرّيسي والعشّار صلاتين متناقضتين تمامًا: صلاة الفرّيسي المتشامخ الذي يدين الآخرين معتبرًا نفسه أفضل من الجميع، وصلاة العشّار المتواضع الذي يقرّ بخطاياه من دون أن يجرؤ على النّظر إلى السّماوات، قائلاً: "يا الله ارحمني أنا الخاطئ"، فسمع الله صلاة هذا الأخير وبرّره، أمّا الفرّيسي فَلَم تُسمَع صلاتُه (لو 18: 9-14).
ما علاقة هذا النصّ بالمسبحة؟ في تقليدنا، صلاة المسبحة هي صلاة العشّار. نحن نصلّي على كلّ حبّة من حبوب مسبحتنا قائلين مثل العشّار: "ربّي يسوع المسيح ارحمني أنا عبدَك الخاطئ". تختصر هذه العبارة الكثير في كلماتها القليلة. فيها نعترف بأنّ يسوع المسيح هو ربُّنا وليس لنا ربٌّ آخر، كما نعترف بأنّنا خطأة ونحتاج الرّحمة، أي نتذكّر خطايانا كالعشّار عوضًا عن إدانة الآخرين كما فعل الفرّيسي. وأيضًا نقرّ بأنّنا عبيد لله وليس للخطيئة، وهذا يجعلنا نفكّر أكثر، عندما نصلّي، بأنّه علينا أن نكون عبيدًا صالحين على مثال سيّدنا الصّالح.
عندما نعتاد على صلاة المسبحة، أو ما يُسَمّى في تقليدنا "صلاة يسوع"، يصبح اسم يسوع المسيح دائمًا على شفاهنا وفي قلوبنا. قال الأب أنّوف (من آباء الصحراء المصريّة): "منذ أن حلّ عليّ اسم المسيح لم يخرج من فمي كذب". إنّ هذه الصّلاة تبدأ بواسطة الشّفاه، وعندما تعتاد شفاهنا عليها تنتقل إلى القلب فيعتاد عليها كلُّ كياننا، وحينئذٍ يصبح ذكر يسوع المسيح يخرج مع كلّ دقّة من دقّات قلوبنا، وبهذا تُطرَد كلُّ الأفكار الشرّيرة المعشِّشة فينا لأنّنا نصَّبنا المسيحَ مَلِكًا على قلوبنا وأفكارنا وحياتنا كلِّها.
يقول الأب البار بورفيريوس الرّائي: "لا تفكّروا مطلقًا بأن تطلبوا أمرًا محدّدًا، بل أطلبوا الاتّحاد مع المسيح بتجرّد من دون أن تقولوا: أعطني هذا وذاك... يكفي أن تقولوا: أيّها الربّ يسوع المسيح ارحمني". متى اعترفنا بتوبةٍ بأنّنا خطأة غير مستحقّين يهبنا الله كلّ ما نحتاجه من دون أن نطلبه، أمّا إذا تشتّت كلٌّ منّا عن الصلاة بسبب الطّلبات التي نريد أن يمنحنا إيّاها الله، فلن نحصل على شيء لأنّ صلاتنا تكون صلاة مصلحة وغير نابعة من قلب تائبٍ متواضع.
إلى جانب الصلاة التي ذكرناها، يمكننا أن نصلّي بواسطة المسبحة إلى والدة الإله قائلين: "أيّتها الفائق قدسها والدة الإله خلّصينا"، أو إلى الملاك الحارس وسائر القدّيسين طالبين شفاعاتهم من أجل أن يرحمنا الربّ الإله: "بشفاعات القدّيس... أيّها الربّ يسوع المسيح ارحمني". إضافةً إلى كلّ هذا، يمكننا استعمال المسبحة مصلّين من أجل الآخرين أحياء أو راقدين: "ربّي يسوع المسيح إرحم (أو أرح نفس عبدك) فلان". أن يحمل بعضُنا بعضًا في الصّلاة أمر علينا أن نتعوّده أيضًا، وهذا يدلّ على أنّنا مسؤولون عن خلاص إخوتنا مسؤوليتنا عن خلاص أنفسنا، الأمر الذي يجعل الجميع مرتبطين برباطٍ قويّ لا يتزعزع هو رباط المحبّة والصّلاة، وبهذا نعبّر صراحةً عن كوننا كنيسةً واحدة، جسدًا واحدًا في المسيح يسوع.
صلاة المسبحة ليست تردادًا عقيمًا، إنّما هي ذكرٌ لإسمٍ يفوق كلَّ اسم، أي اسم ربّنا يسوع المسيح. إذا كان أحدٌ منّا مُغرمًا فإنّه لا يفتر عن ذكر محبوبه في كلّ أحاديثه. إذًا، مَن أهمّ من معشوقنا الإلهيّ لكي نبقي ذكره على شفاهنا وفي قلوبنا، ومتى حضر المسيح ترحل كلّ أفكار الكبرياء والنّميمة والثرثرة وما إلى ذلك من الشرّ ويبقى هو ملكًا على حياتنا.