لاهوت الثورة
كيف لنا أن نفهم تسونامي الخامس والعشرين من يناير الذي انطلق من ميدان التحرير ليعيد تشكيل الشرق الأوسط ؟ ثم كيف لنا أيضا ، أن نفسر ذلك الموقف المتخازل لقيادة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية من حدث هو الأعظم في تاريخ مصر؟
إن رؤية تشريحية فاحصة لمشهد ميدان التحرير لكافية لأن تجعلنا ندرك أن للثورة – بصفة عامة ، والمصرية بصفة خاصة – مفهوما طوباويا يتجلى في انصهار ” الأنا ” ليتم تجاوزها نحو الآخر ليصير للكل مفهوم هو الوطن ؛ فتبدد شبح الطائفية والتعصب وتعالت قيمة الإنسانية التي لاتنشد غير الحرية .
هذا هو مدلول صورة ميدان التحرير ، وهذه هي دلالة صورة الثورة . فالثورة قبل أن تكون مفهوما لتغيير نظام قمعي نحو التحرر الوطني ، هي تغيير ثقافي إنساني نحو تكريس واقع للوطن يستوعب جميع الأحرار الذين قد تحرروا بالفعل من الأنانية والعنصرية ، هكذا وبهذه الصيغة يعتلن نجاح الثورة ، أي ثورة .
أما إذا أردنا أن نعمق المفهوم ونرده إلى أصله فقد يكون مفاجئا أن أقول بأن مفهوم الثورة – كتغيير – لم يبلغ علوا يضاهي ماقد قدمه اللاهوت المسيحي ، فيسوع هو الثائر الأعظم في تاريخ الكون . والكلمة بتجسده قد ثار على الموت الطبيعي وغير الواقع الإنساني إلى الخلود وعدم الفساد .
وحتى على المستوى التاريخي ، كان يسوع الثائر هو الشخص الذي ثار على الناموس بمفهومه العتيق مكرسا ناموس ذاته ، ناموس المسيح ، ناموس الخليقة الجديدة .
ثار يسوع على طبقة الإكليروس العتيقة من الكتبة والفريسيين ، وكشفهم بخطاب إيجابي تحمله كلمات جديدة ووصية جديدة مضومنها المحبة والحرية .
في هذا السياق نستطيع أن ندرك أن تعاطي القيادة الكنسية لم يكن الأمثل ، لا لشيء إلا لأن الوعي السائد – للأسف – مايزال يتعاطى مع يسوع على أنه مجرد شخص تاريخي وليس الشخص الثائر الذي غير التاريخ وغير الجميع فيه ، وبالتالي كان ينبغي أن يكون المسيحيون ، وعلى رأسهم قيادتهم ، أول من يساهمون في تغيير الوطن كصورة لتغيرهم نحو " الكل الذي قد صار جديدا " .
إن المدلول الحقيقي لكون أن ” الوطن يعيش فينا “ - وهي تحديدا كلمات البابا شنودة - ليس مجرد كلمات رومانسية ، ولكنه يتخطى ذلك إلى أن الوطن هو صورة المسيح ذاته ، ذلك الشخص الذي نغادر طبيعتنا العتيقة إليه ” لنستوطن فيه “. والكنيسة كجسد للمسيح هي الوطن السماوي الذي رأسه وملكه هو الرب يسوع المسيح ذاته .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات