إذا قرأنا سيرة القدّيس غريغوريوس بالاماس، تستوقفنا الفترة التي كان فيها كاهنًا قبل أن يصبح رئيسًا لأساقفة تسالونيكي اليونانيّة. سيرة هذا القدّيس تصفه بأجمل الصّفات ككاهن، ومن هذه الطّريقة الوصفيّة للقديس غريغوريوس أو لغيره من القدّيسين الكهنة، يمكننا أن نستنتج كم أنّ النّاس كانوا يحترمون هذه الرّتبة الملائكيّة ويجلّونها.
إنّ العبارة الأشهر التي ننادي بها الكاهن هي "أبونا". الكاهن هو أبٌ يلدُنا بالرّوح، وإكرامه واجبٌ علينا، ومن الممكن أن تسري عليه وصيّة الإكرام "أكرم أباك وأمّك" (خروج 20: 12). إلاّ أنّنا نصادف الكثيرين في أيّامنا هذه ممّن لا يحبّون الكهنة ولا يحترمونهم ويقومون بإدانتهم على الدّوام قائلين: "إسمعوا أقوالهم ولا تفعلوا أفعالهم".
تختلف صفات الكهنة من واحد إلى آخر، إذ نجد البسيط والمثقّف والمتعلّم وغير المتعلّم... لكنّ صفةً واحدة تجمعهم جميعًا هي محبّة المسيح وقطيعه. والكلام الذي يُقال عن الكهنة في أيّامنا هذه هو كلام دينونةٍ لا ينفع ولا يبني أحدًا مِن قائليه أو المستهدَفين به، وبه نكون وضعنا أنفسنا مكان الله، القاضي العادل، الذي سيدين الكلّ حسب أعمالهم، وبه أيضًا نكون قد خالفنا إحدى أهمّ وصايا ربّنا: "لا تَدينوا كي لا تُدانوا". إذا قمنا بإدانة الكاهن على كلّ أمرٍ يقوم به من دون أن نعرف خلفيّة هذه الأمور، فمن المؤكّد أنّ دينونتنا ستكون أعظم إذ سنكون ظالمين إيّاه في غالبيّة الأحيان.
ثمّة قصّة صغيرة في سِيَر آبائنا الشّيوخ القدّيسين تُخبِرنا عن راهب تعثَّر بسبب أحد الكهنة ولم يُرِد أن يتناول القدسات من يده، فذهب ليعترف مخبِرًا أباه الرّوحي عن مشكلته. أجاب الأب الرّوحي الرّاهبَ بأنّه سيذهب معه صباحًا وسيختبئان قرب باب الكنيسة بحيث يستطيعان رؤية الكاهن داخلاً الكنيسة من دون أن يراهما هو. هكذا حصل، وقد تفاجأ الرّاهب عندما شاهد الكاهن آتيًا وعلى كتفه شيطانٌ. إلاّ أنّ المفاجأة الأكبر كانت إذ قفز الشيطان ليستقرّ عند عتبة الباب العُليا من دون أن يدخل مع الكاهن. بعد دخول الكاهن أخذ الأب الروحي الراهبَ إلى الكنيسة فشاهدا الكاهن يخدم القدّاس الإلهي محاطًا بنورٍ عظيم. بعد ذلك عاد الإثنان إلى مخبئهما ليشاهدا الكاهن خارجًا، فتفاجأ الرّاهبُ بعودة الشيطان ليستقرّ على كتف الكاهن.
تفيدنا هذه القصّة بأنّ الكاهن إنسانٌ كباقي النّاس، إلاّ أنّه حاصِلٌ على نعمة عظيمة تقهر الشّياطين، وهي نعمة الكهنوت الممنوحة له بواسطة الرّوح القدس، والتي بها يستطيع أن يخدم جميع الأسرار وأهمّها تحويل الخبز والخمر إلى جسد الربّ ودمه. "كهنوت النّعمة"، بحسب شهادة القدّيس يوحنّا الذّهبي الفم، لا يحلّ محلّ عرش الأنبيا ورؤساء الآباء كما كان في كهنوت العهد القديم. ولكن هنا، على هذا العرش، يجلس المسيح الإله، مؤسّس هذا السرّ نفسه. لهذا، فإنّ مَن يُهِنْ كاهن ناموس النّعمة أو يشتمه، يُهِنْ المسيح إلهنا نفسَه ويشتمه.
في الكثير من الأحيان نسمع الأقاويل عن الكهنة، أو حتّى نشاهد كهنةً يتعرَّضون للإهانة علانيةً، والمؤسف أنّ الذين يبثّون الأقاويل والإهانات هم غالبًا من الملتزمين كنسيًّا أو العاملين في الحقل الكنسي، فيظنّ البعض أنّهم إذا قاموا بخدمةٍ في الكنيسة أصبح من حقِّهم أن يعتبروا الكاهِنَ والكنيسة مدينَين لهم ويستطيعون أن يتصرّفوا معهما كما يشاؤون. إنّ الكاهن خادمٌ فعلاً، لكنّه يخدم الجميع بدافع المحبّة: محبّة الله الخالق، ومحبّة البشر المخلوقين على صورة الله ومثاله، لذلك لا يحابي الوجوه ولا يهتمّ بالغنيِّ أكثر من الفقير... الكاهن يرى الله في وجوه كلّ النّاس.
ربَّما سيقول بعض من يقرأ ما كُتِبَ ويُكتَب عن الكهنة إنّه دفاعٌ لا بدَّ منه لتبييض صورة الكهنة، إلاّ أنّهم يقعون في خطيئة الإدانة. بدلاً من إدانة الكاهن علينا أن نساعده كي يتمّم عمله المؤتَمَن عليه والذي سيُسأل عنه في يوم الدّينونة العادلة حيث سيُدان عن كلّ ما فعله لإيصال خراف حظيرة رعيّته إلى الله. نقول في صلواتنا: "باسم الربّ بارك أيُّها الأب القدّيس"، وبهذه العبارة نقوم بتذكير الأب الكاهن بأنّه يحمل نعمةً عُظمى إذ إنّه يبارِكُنا باسم الربّ، أي كأنَّ الربّ نفسه هو الذي يباركنا، كما نذكّره بأنّ عليه أن يكون قدّيسًا وعلى قدر المسؤوليّة المُلقاة على عاتقه. إذًا، في النّهاية، بدلاً من قذف الكاهن بالكلام البطّال، فَلنَعمَل على مساعدته في الوصول إلى القداسة وتاليًا نصل نحن بدورِنا إليها مقتدين به.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات