سؤال أساسي حول تجسد كلمة الله هو: لماذا صار الأقنوم الثاني إنساناً وليس الأول (الآب) أو الثالث (الروح القدس). بالواقع، الثالوث القدوس عمل كله في التجسد لأن الكلمة اتخذ الطبيعة البشرية، الآب سُرّ بتجسد ابنه، والروح القدس تعاون، لأن المسيح حُبل به من الروح القدس. لكن الواقع هو أن الأقنوم الثاني هو الذي أخذ الطبيعة البشرية، وذلك لسببين أساسيين.
السبب الأول هو أن كلمة الله هو النموذج الأول لخلق الإنسان. ابن الله وكلمته هو "صورة الله غير المنظور" (كولوسي 15:1)، الإنسان خُلق على صورة الله أي صورة الكلمة. بحسب القديس يوحنا الدمشقي، صنع الإنسان على صورة الكلمة، إذ أعطي إرادة نوسية حرة، وكان "على مثاله"، أي أنه صُنع على أكمل ما يمكن لطبيعته في الفضائل. لكن، بتجاوزه الوصايا أظلم المثال وعُرّي من الشركة مع الله، وكنتيجة طبيعية دخل الفساد والموت. لهذا صار الكلمة إنساناً، لكي يعيد خلق الإنسان ويقوده إلى حيث يصل بنعمة الله وجهاده الشخصي. بالخلق أعطانا الله ما هو أكثر رفعة، أي أن نكون على صورة الله ومثاله، لكننا لم نحمِ هذه العطية وخسرناها. الآن كلمة الله، النموذج الأول لخليقتنا، أتى واتّخذ ما هو أكثر ضعة، أي طبيعتنا ليحررنا من الفساد وليعيد الإناء الذي صار بلا نفع ومكسوراً، كما ليخلصنا من طغيان الشيطان ويرشدنا في الحياة الجديدة.
كما يعلّم القديس أثناسيوس الكبير، عودة الإنسان إلى الله لم تكن مسألة توبة وحسب، إذ بعد الخطيئة، دخل الفساد والموت. فقد كان ينبغي التغلب على الموت. لهذا، ابن الله وكلمته، بتجسده، اتخذ من العذراء الجسد الأكثر نقاوة، مع أنه جسد قابل للموت ومعرض للخطيئة، لكي يقهر الموت والشيطان وليكون النموذج الأول للخليقة.
السبب الثاني الذي لأجله صار الأقنوم الثاني إنساناً هو شخصيته التي بقيت غير متغيّرة. لكل أقنوم من الثالوث القدوس شخصيته التي لا تتغير. الآب هو الآب وليس الابن، الابن هو ابن الله وليس الآب، والروح القدس هو الروح القدس وليس لا الآب ولا الابن. هذه الشخصية الخاصة لا يمكن أن تتغيّر، ولا أن تنتقل أو تتحوّل. لا يمكن للآب أن يصير الابن، ولا للروح القدس أن يولَد، لأنه ينبثق من الآب. الأقنوم الثاني الذي وُلد من الآب قبل كل الدهور، ينبغي به أن يُولد في الزمان أيضاً، بجسده من العذراء. إذاً، ابن الله صار ابن الإنسان لكي يبقى شخصه غير متغيّر.
السبب الثالث هو أن الأقنوم الثاني هو كلمة الله الذي ينقل إلينا إرادة الآب. فهو من كشف لنا في العهد القديم إرادة الله الآب وأعلنها. بالتالي، من خلال الكلمة المتجسد نصل إلى خلاصنا. نحن نقارب الآب من خلاله. إنه الباب الذي به ندخل بيت الآب. وكون المسيح هو باب الخراف فالروح القدس هو المفتاح (القديس سمعان اللاهوتي الحديث).
المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص ص 48 - 49
اقرأ أيضاً:
ميلاديات - ميلاد المسيح (1)
ميلاديات - ميلاد المسيح (2) - الإعلانات الإلهية
ميلاديات - ميلاد المسيح (3) - لماذا الرعاة؟
ميلاديات - ميلاد المسيح (4) - نشيد الملائكة
ميلاديات - ميلاد المسيح (5) - النجم اللامع والمجوس
ميلاديات - ميلاد المسيح (6) - قوة الله ونعمته
ميلاديات - ميلاد المسيح (7) - أسماء
ميلاديات - ميلاد المسيح (8) - للمسيح ميلادان

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات