تتمة ما سبق، أي إفراغ الذات، هي أن في اتخاذ الطبيعة البشرية، اتخذ المسيح أيضاً ما يُعرف بالأهواء الطبيعية غير المعابة. بما أن كلمة الله اتخذ الطبيعة البشرية يعني أنه اتخذ أيضاً كل ما يخص الإنسان، ما عدا الخطيئة. عندما نحكي عن الأهواء غير المعابة نعني تلك التي لا تتوقف علينا، التي لا تتعلق بالخيار والتفضيل، بل التي نشأت عن السقوط. إنها الجوع، العطش، التعب، الألم، الدموع، الفساد، الخوف من الموت، الهلع، القلق، معونة الملائكة بسبب ضعف طبيعتنا. هذه الأمور ليست خطايا، بل نتائج الخطيئة. كون المسيح اتخذ الجسد الفاسد القابل للموت لكي يغلب الموت والشيطان، وكونه إنساناً حقيقياً وليس خيالياً، لهذا السبب اتخذ الأهواء المعروفة بالطبيعية غير المعابة. وهكذا نرى أنه جاع وعطش وتعب وبكى وانكمش أمام الموت، إلخ.
لكن المسيح لم يتخذ وظيفة الزرع لأنه أتى من الروح القدس وليس من زرع. إلى هذا، الزرع، المقترن بالغريزة الجنسية مرتبط بالأفكار والرغبات وثورات الجسد. لم يعان المسيح من أي من هذه المشكلات لأنه "لم يفعل خطية، ولا وجد في فمه مكر" (1بطرس 22:2). فضلاً عن ذلك، كما ذكرنا سابقاً، لقد اتخذ الأهواء الطبيعية البريئة لا الخطيئة. عندما جُرّب المسيح من الشيطان، كانت التجربة من الخارج وليس في أفكاره "الشيطان هاجم من الخارج وليس بالأفكار..."
المسيح كان آدم الجديد "الجديد الوحيد تحت الشمس"، المسيح الإله – الإنسان، ولهذا السبب عملت الأهواء البريئة التي اتخذها بحسب الطبيعة وفوق الطبيعة. لقد تحركت بحسب الطبيعة ما يعني أنه جاع وعطش مثل كل البشر، ولكن "عندما سمح لجسده تألم كما يناسب". الأهواء البريئة عملت في المسيح بما يفوق الطبيعة لأنه لم يكن ممكناً لها أن تتقدم على إرادته. لم يكن في المسيح أي شيء إلزامياً. لهذا هو جاع طوعياً، وعطش طوعياً، كما خاف بإرادته، وبإرادته مات. بتعبير آخر، لم تَسُد الأهواء على المسيح، بل المسيح ساد عليها.
إذا توقفت القوى الجسدانية خاصة عند معاينة الله حين يبلغ الإنسان التأله، فكم بالحري يكون هذا مع المسيح؟ لقد مات من أجل الإنسان، لكن عندما أراد أن يموت، ولهذا "صرخ يسوع أيضاً بصوت عظيم، واسلم الروح." (متى 50:27). لا يستطيع الرجل المعلَّق أن يصرخ بصوت عظيم، المسيح أسلم روحه بإرادته، صارخاً بصوت عظيم، ما يعني أنه لم ينطفئ رويداً رويداً، كما يجري للذين على باب الموت عند الرمق الأخير، بل مات بالقوة التي كانت له كإله.
المصدر: الميتروبوليت إيروثيوس فلاخوس، بشارة العذراء مريم، الأعياد السيدية، (دمشق: منشورات مكتبة البشارة، 2009) ص ص 53 - 54
اقرأ أيضاً:
ميلاديات - ميلاد المسيح (1)
ميلاديات - ميلاد المسيح (2) - الإعلانات الإلهية
ميلاديات - ميلاد المسيح (3) - لماذا الرعاة؟
ميلاديات - ميلاد المسيح (4) - نشيد الملائكة
ميلاديات - ميلاد المسيح (5) - النجم اللامع والمجوس
ميلاديات - ميلاد المسيح (6) - قوة الله ونعمته
ميلاديات - ميلاد المسيح (7) - أسماء
ميلاديات - ميلاد المسيح (8) - للمسيح ميلادان
ميلاديات - ميلاد المسيح (9) - لماذا الأقنوم الثاني؟
ميلاديات - ميلاد المسيح (10) - لماذا التجسد؟
ميلاديات - ميلاد المسيح (11) - إفراغ الذات

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات