هدف الزواج الأول أن يكون مسيرة متواصلة نحو ملء المحبة . وهو هدف يمكن أن يحققه حتى الأزواج العاقرون .

فيكون قد تهيأ الزوجين لعيش تلك المحبة الكاملة التي يُدعى إلى عيشها في الدهر الآتي . وهذا الهدف المقدس للزواج أي تجاوز الذات بغية الوصول إلى ملء المحبة التي تبدأ بالمحبة الزوجية وتكتمل في ملكوت السموات . وهذه المحبة يجب أن تعاش مع الله . وهي منطلق الزواج ونهايته وهدفه في آن , لأن الزواج هو شركة محبة .


يشير الكتاب المقدس مراراً عديدة إلى سر الزواج . ففي الأمثال نقرأ عن المرأة العاقلة ( ميراث من الرب ) ( أم 19 : 14 ) ويؤكد النبي ملاخي أن الله نفسه الذي أبدع الرجل والمرأة معا هو الشاهد على الرابطة الزوجية ( ملا 2 : 14 ) وقد حارب المفهوم السائد في عصره ومفاده أن الهدف الوحيد من الزواح هو إنجاب الأولاد وأن الطلاق ممكن بعد إنجاز هذا الهدف ( انظر حكمة سليمان 4 : 1 - 6 , حكمة سيراخ 16 : 1 - 4 ) . وأكد على أن جوهر السر يكمن في تحقيق الحياة المشتركة وفي حفظ رباط الزوجين غير المنفصل وتنميته , حتى يصبح الإثنان روحاً واحداص وجسداً واحداً ( ملا 2 : 15 , تك 2 : 24 , متى 19 : 5 , مر 10 : 8 ) . وذكر أن الله ( يكره الطلاق ) الذي يناقض هذا الهدف المبدئي للسر ( ملا 2 : 16 ) .

وهذا المعنى نفسه نجده في العهد الجديد : ( من طلق امرأته إلا في حالة الفحشاء , عرضها للزنى , ومن تزوج مطلقة زنى ) ( متى 5 : 23 , 19 : 9 , لو 16 : 18 ) ( فإن الله سيدين الزناة والفساق ) ( عب 13 : 4 ) .

وعلى هذا الاساس يمكن القول أن مصير الإنسان هو أن يشابه خالقه ,أي أن يعيش ملء المحبة مع إخوته البشر , حسب المثال الإلهي ووفقاً لمحبة الله المثلث الأقانيم وبكلام أخر إن المصير مرتبط بشركة الجنسين في إنسانية واحدة .

والزواج المسيحي يشبه دائما بزواج المسيح بالكنيسة وهكذا يغدو الرباط المسيحي بين الرجل والمرأة سراً عظيماً لأن نموذجه هو الرباط بين المسيح والكنيسة . وفيه يتجاوز الإنسان نفسه ويزول طابع الأنانية والفردية من حياته وتنقله المحبة الزوجية إلى داخل الوحدة من جديد . يقول الذهبي الفم : ( طنا أنهما منذ البدء إثنان فانظر كيف اجتمعا مجددا أصبحا واحداً بواسطة الزواج ) .

ومن الواضح أن هدف الزواج لا يتحقق بمسعى الأزواج وحدهم , لأن بلوغ هذا الهدف موهبة من الله . والروح القدس الفاعل في الكنيسة يوزع المواهب على المؤمنيين ويمنح الأزواج المسيحيين نعمة الزواج ( 1 كو 7 : 7 ) , ولذا كان الزواج المسيحي أحد الأسرار السبعة المقدسة .


والزواج المسيحي ليس شأناً يخص الأزواج وحدهم , فهولا يغيّر مركزهم في المجتمع وحسب , بل يخلق حالة جديدة داخل جسد الكنيسة , ولا سيما الرعية التي ينتمي إليها العروسان الجديدان . لأنهما لم يعودان فردين منفصلين بل صارا جسداً واحداً , ودُعيا إلى أن يعيشا كمال المحبة الزوجية ( في الرب ) .
وعليهما أن يعبرا عن هذا الرباط بكامل حياتهما في الرعية . وهذا ما يفسر سبب اعتبار الزواج المسيحي حدثاً في حياة الرعية , ووجوب إقامته في الرعية ذاتها لا بعيداً عنها .


ليس صدفة أن يسمى سر الزواج المقدس في الكنيسة الأرثوذكسية ( إكليلاً ) . فنحن نعلم أن الأكاليل تخص الشهداء وقديسي الكنيسة ولذا نراهم في الأيقونات متوجين بالأكاليل المضيئة .ولكن الكنيسة تكلل العروسين الجديدين أثناء خدمة الزواج المقدس . وبذلك ترمز إلى أن ارتباطهما برباط الزواج المقدس بنقاوة وطهارة أشبه بنضال الشهداء الذين استبسلوا حتى النهاية فنالوا أكاليل الظفر لحفاظهم على الإيمان . والعروسان يدخلان أيضاً حلبة جهاد جديد هي ساحة الصراع الروحي الذي خاضه شهداء كنيستنا . ولذا فإنهما يطوفان حول المائدة وأيدهما متشابكة , بينما تستدعي الكنيسة الشهداء القديسين منشدة بخشوع : ( أيها الشهداء القديسون الذين جاهدتم حسنا وتكللتم .... ) و ( المجد لك أيها المسيح الإله .... بهجة الشهداء .... ) ثم تطلب من أجلهما : ( يا الله الهنا , يا من حضر قانا الجليل وبارك العرس الذي هناك , بارك أيضاً عبديك هذين اللذين اتحدا في شركة الزواج . وبارك مدخلهما ومخرجهما . وأكثر الخيرات في حياتهما . إرفع إكليليهما في ملكوتك . واحفظهما بغير دنس ولا عيب غير محتال عليهما على مدى الدهور أمين ) .
زاد الأرثوذكسية