ظهر الله في العهد القديم بواسطة أفعال إلهية مخلوقة وتكلم بأفواه الأنبياء . أما في العهد الجديد فقد تجسد كلمة الله " وحل بيننا ورأينا مجده " ( يو 1 : 14). أي الآب نفسه ظهر للبشر بشخص الإبن ( يو 14 : 9 ) وأقام علاقة شخصية معنا , لذلك نستطيع أن نصور الله في شخص المسيح . وفي هذا المجال يقول القديس يوحنا الدمشقي : " في الحقبة القديمة لم يكن تصوير الله ممكناً , لأنه لم يكن قد اتخذ جسداً ولا شكلاً أما الآن بعدما ظهر الله بالجسد وعايش البشر , فإنني أصور الله الذي يمكنني أن آراه , والذي أصبح مادة من أجلي . ولن أنقطع عن احترام المادة التي اكتمل بها خلاصي " .
ويوضح القديس ثيوذورس الستوديتي : " إننا لا نصور طبيعة المسيح بل شخص المسيح الذي هو " صورة الله غير المنظور " (كول :15 , 2كو 4 : 4 , حكمة سليمان 7 : 26 ) . فهذه الصورة علاقة منظورة لحضور الله غير المنظور وتأكيد لهذه الحضور (يو 14 : 9 ) . وبالتالي فإن إكرام الأيقونات يستند إلى أهم عقائد الإيمان الخلاصية ألا وهي تجسد المسيح وحضوره الحقيقي بيننا . وعندما نكرم الأيقونات فإننا نعلن بحقيقة التجسد وتأنس المسيح . الأيقونة التي هي اعتراف بتجسد الإله المسيح تقودنا إلى النموذج , أي إلى المسيح نفسه .
وتعبّر الأيقونة أيضاّ عن شوق الإنسان العميق إلى المسيح الإله المتأنس , وتشكل دافعاً قوياً لرجوع الإنسان إليه . وهكذا ندرك الخطر الكبير الذي يقع فيه من ينكر تجسد المسيح وحقيقة التدبير المقدسة , لأنه يرفض تصوير الذي "حل بيننا " و " رأينا مجده " يكون قد أنكر على الكنيسة , التي هي جسد المسيح صفتها الإلهية - الإنسانية وقدرتها على تقديم الخلاص إلى الإنسان .
لذلك تعتبر كنيستنا أن الإيمان الأرثوذكسي الذي يشمل تكريم الأيقونات , وتطلق على الأحد الأول من الصوم , الذي تعيد فيه لذكرى رفع الأيقونات المقدسة , إسم " أحد الأرثوذكسية " وبالتالي لا أحد يستطيع أن يدعى أنه أرثوذكسي إذا لم يكرم الأيقونات .
ولكن هذا لا يعني أن الأرثوذكسين يخلطون بين الصورة والأصل ويعبدون الخشب والألوان التي تكوّن الصورة دون الله الذي هو الأصل والنموذج . فإن الأيقونة هي الإشارة أو العلاقة وليست الشخص المرسوم فيها . لذلك يقول القديس يوحنا الدمشقي : " كل من يؤله أيقونة يُلعن " وهذا تعليم كنيستنا كما صاغه المجمع المسكوني السابع " إننا نُقبِّل الأيقونات ونسجد لها ونكرمها , أما العبادة الحقيقية فلا تليق إلا بالطبيعة الإلهية " .
ومن يعبد الأيقونات المقدسة دون الله يكون قد أساء تفسير قرار المجمع المسكوني , وعرّض نفسه لإدانة لأقوال الكتاب المقدس لأنه يسجد " لأوثان ذهبية وفضية ونحاسية وحجرية وخشبية (رؤ 9 : 20 ) وهي من صنع البشر . لها أفواه ولاتتكلم لها عيون ولا تبصر . لها آذان ولاتسمع . لها أنوف ولاتشم . لها أيد ولاتلمس . لها أرجل ولا تمشي , ولا تصوّت بحناجرها . مثلها فليكن صانعوها وجميع المتكلين عليها " . (مز 113 : 4- 8 مز 134 : 15 - 21 ).
أيقونات قدّيسي كنيستنا
لا تكرم الكنيسة الأرثوذكسية أيقونة المسيح وحسب , بل أيقونات القديسين أيضاً وهذا أمر لا يرد ذكره في العهد القديم لأن أحدا لم يكن بإمكانه أن يصور طبيعة الإنسان الحقيقية كما خلقت " على صورة الله " بسبب العجز عن رؤية صورة الله ( الإنسان ) في كل طهارتها . فجميع البشر قد ورثوا طبيعة آدم المشوهة والمتحولة بالسقوط والفساد .
ولكن المسيح تجسد وأخلى ذاته " متخذاً صورة عبد , وصار على مثال البشر " ( فيل 2 : 7 ) وجعلهم مجدداً " مشابهين لصورته " ( رو 8 : 29 ’ فيلبي 3 : 21 ) . وهكذا صار بإمكاننا أن نعرف الإنسان الحقيقي في شخص أولئك الذين يحملون بطهارة صورة الله . أما قديسو كنيستنا الذين استجابوا لدعوة الله فصاروا "مشابهين لصورة الإبن " ولبسوا مجدداً " صورة السماوي " ( كو 15 : 49 ) وعكسوا مجده ( 2كو 3 : 18 ) .
وإذن فإن أيقونات كنيستنا لا ترسم طبيعة الإنسان الساقطة بل " الإنسان الجديد " (أف 2 : 15 , 4 : 24 ) وتشير إلى خليقة الله الجديدة ( 2كو 5 : 17 , غلا 6 : 15 ) . وإلى التجلي الذي لا يستطيع أحد إدراكه بحواسه الجسدية لأنه " العالم الذي قدسته نعمة الله " على حدّ تعبير القديس يوحنا الدمشقي .
إن الإنسان الذي قبل المسيح يعكس " مجد الرب " ويتحول " إلى تلك الصورة بعينها من مجد إلى مجد " ( 2 كو 3 : 18 ) ’ وهذا الأمر يحصل بقوة الروح القدس . لذلك تشع أجساد القديسين بالنور منذ الآن , دون أن يستطيع سائر البشر إدراك ذلك بحواسهم . فالذين لا يحيون حياة الروح في عنصرة دائمة لا يستطعون إدراك معنى الأيقونات المقدسة , و رؤية تحول الإنسان والعالم كله . أما المؤمنون الذين يحيون هذه الحقيقة في الكنيسة فلا يمكن لأحد أن يمنعهم من الدخول إلى هذا الفرح الروحي الذي يشعرون به من خلال شهادة الأيقونات الأرثوذكسية لهذا العالم الجديد .
يقول القديس يوحنا الدمشقي : " إن الرسل قد رأوا الرب بعيونهم الجسدية , وإن كثيراً من الناس قد رأوا الرسل والشهداء . وأنا أيضاً أرغب في أن أراهم بعيون النفس والجسد . إنني إنسان محاط بالجسد وأرغب في أن أتصل بالقديسين وأشاهدهم " ووجود الأيقونات المقدسة وسيلة ممتازة للإتصال الدائم بالقديسين , الذين لا يبقون أناساً من الماضي السحيق بل يصبحون معاصرين وأصدقاء شخصيين لكل مؤمن .
الرسامون في كنيستنا
كان يفرض على رسامي الأيقونات القديسين قبل المباشرة برسم أيقونة للمسيح أو العذراء الكلية القداسة أن يصوموا ويحيوا حياة نسك وتكريس وصلاة . وهكذا يحصلون على الخيرات الروحية الضرورية , ثم يعبرون عنها بالألوان . وقد حصل أمر مماثل في رؤيا موسى , فقد رأينا أنه بقي أربعين يوماً وليلة فوق الجبل وعاش حياة تسك شديد واقترب من الله ( خر 24 : 15 - 18 ) . وبعد استنارته بنور الألوهة المثلثة الأقانيم نزل من الجبل لكي ينقل وصايا الله ( خر 34 : 30 ) .
وهكذا ندرك لماذا لم يستطع أن يكتسب صفة الرسام في الكنيسة كل من فقد هذا الشعور الداخلي وتلك الخبرة الروحية , ولم تكن أعماله سوى ألواح بسيطة , أو صور منسوخة عن الأيقونات المقدسة . أما الرسامون الحقيقيون فقد كانوا يشعرون أنهم لا يعملون لأنفسهم بل يصنعون أعمل الروح القدس الذي أعاروه أيدهم وحسب .
ولذلك لم يصنعوا أسماءهم على الأيقونات , واكتفوا بالإشارة إلى أنها قد صنعت بيد ... أي بيدهم التي سلموها للروح القدس لكي يرشدها إلى ما تعمل . وآمنوا أن الأيقونات التي كنت تعبيرا عن حياة روحية لا تصور حالات من الحياة الأرضية بل حالات من العالم المتحول . ولهذا السبب لم يرسموا القديسين والحيوانات والنباتات والخليقة كلها بأشكال " طبيعية " . فأيقونات المقدسة لا تعبر عن حالات " طبيعية " لهذا العالم بل خبرة كنيستنا الروحية لعالم متحول عائد إلى إشراقه الأول وإلى " حرية مجد أبناء الله " ( رو 8 : 12 ) .

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس

المفضلات