[FRAME="11 90"]
عيد ميلاد يسوع المسيح هو عيد ظهور الله في الجسد . عن السؤال الذي يطرحه الرّعاة والمجوس والفقراء والملوك، أمام طفل المغارة: " من هو هذا المولود الجديد ؟"، يجيب الإيمان المسيحي في الإنجيل المقدس، ويتردّد الجواب عينه في الليتورجيا: انه يسوع المسيح كلمة الله الذي تجسد في أحشاء مريم العذراء، وابن الله الذي صار ابن الإنسان ليجعل من الناس أبناء الله، والفادي ومخلص العالم، الذي جاء ليفتدي الإنسان من الشر ويخلصه من الخطيئة . انه الخالق الذي حضر في ما بين خلائقه ليجدد إبداع الإنسان ويؤلّهه . انه المشرق الذي من العلاء، انه النور الإلهي الصادر من نور الآب، انه شمس العدل والبر الذي اظهر نور المعرفة في العالم .
تؤكد صلوات عيد الميلاد أن ميلاد يسوع المسيح هو ميلاد كلمة الله المتجسد . وهي لا تفهم لفظة " كلمة الله " بمعناها المجازي، كأن يسوع هو مجرد إنسان تلّقى كلمة الله لينقلها إلى الناس على غرار سائر الأنبياء . فالنبي عندما يتكلم لا يعلّم تعاليمه الخاصة، بل ينقل الى الناس إرادة الله، ويبدأ دوما نبؤاته بقوله:" هكذا يقول الله وكلام الله ." يسوع المسيح هو أيضا نبي، ولكنه أكثر من نبي ، كما جاء في انجيل متى : " ههنا أعظم من يونان ... ههنا أعظم من سليمان " ( متى 12 :41 – 42 ) .
انه كلمة الله بالذات، وصلوات العيد تفهم عبارة " كلمة الله " بالمعنى الذي ورد في مستهل انجيل يوحنا: " في البدء كان الكلمة، والكلمة كان لدى الله، وكان الكلمة الله . انه في البدء، كان لدى الله . وانه به كان كل شيء وبغيره لم يكن شيء مما كان . فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والكلمة صار بشرا وسكن بيننا مملوءا نعمة وحقا . وقد رأينا مجده ، مجد ابن وحيد آت من الآب " ( يوحنا 1: 1 ،14 ) .
هذا الإيمان بأن الطفل المولود هو كلمة الله الوحيد في الجوهر مع الآب، وابن الله الأزلي المملوء من مجد الآب، تعلنه الليتورجيا في مختلف صلوات عيد الميلاد ، وتردده بتعابير متنوعة يقترن فيها إعلان الإيمان بالتسبيح والتمجيد والدعوة إلى الفرح والابتهاج .
آحاد التهيئة لعيد الميلاد :
تمر التهيئة لعيد الميلاد بفترة طقسية خاصة تسبق العيد وتتلى أثناها صلوات معينة: فالأحد الذي قبل عيد الميلاد هو احد النسبة والأحد الذي قبله هو احد الأجداد .
ان العالم ينتظر مجيء المخلص منذ زمن بعيد، لذلك فالخدم والصلوات التي تتلى في هذه الفترة تأتي على ذكر البطاركة والأنبياء وكل الذين عاشوا الإيمان وترقبوا مجيء المخلص، وكلهم تكلموا عنه برموز وإشارات ونبوءات ان قانون عيد الميلاد يبتدىء بإعلان مفرح يقدونا تدريجيا إلى عظمة الواقع والحدث العظيم .
" المسيح ولد فمجدوه .. المسيح أتى من السموات فاستقبلوه .. المسيح على الأرض فارتفعوا .. رتلي للرب أيتها الأرض كلها ويا شعوب سبحوه بابتهاج لأنه قد تمجد " .
ان الآحاد السابقة للميلاد تنتمي إلى دورة الآحاد التي تلي العنصرة ولا علاقة لها مباشرة بسر مجيء الرب المعبر عنه في عيد الميلاد .
لذا أضافت الكنيسة، وهي الراغبة في إعداد المؤمنين إلى عيد التجسد العظيم إلى قراءات الأحدين السابقين للميلاد وصلواتهما نصوص أخرى ذات علاقة وثيقة بتهيئة الميلاد وان كان هذان الأحدان في رتبة الآحاد التابعة للعنصرة .
يجب مبدئيا في هذين الأحدين تلاوة رسالة الأحد بوصفه واقعا بعد العنصرة وإنجيله ثم الرسالة والإنجيل المضافين بغية الميلاد . بيد انه في غالب الأحيان نحذف نصوص الآحاد الواردة في ترتيب العنصرة ونقتصر على القراءات والصلوات المعدة لميلاد الرب .
احد الأجداد: ( رجاء وانتظار مجيء المخلص )
نقيمه في الأحد الثاني قبل الخامس والعشرين من كانون الأول وهو يقع بين الحادي عشر والسابع عشر منه، اذ نقيم تذكار أجداد المسيح بحسب الجسد ومعهم تذكار جميع آباء العهد القديم الذين لهم صلة بالمخلص أو تنبأوا عنه أو كانوا صورة له، وعاشوا تحت الشريعة الموسويّة. أن تذكار الأجداد والآباء هذا يذكرنا بذلك الإيمان الحي العظيم الذي عاشه هؤلاء، منتظرين مجيء المخلص . لقد بررّهم هذا الإيمان:" بالإيمان بررّت الأجداد، وبهم خطبت الكنيسة التي من الأمم، فالقديسون يفتخرون بالمجد، لان من زرعهم الثمرة المجيدة التي ولدتك بلا زرع . فبتضرعاتهم، أيها المسيح الإله، خلص نفوسنا " ( طروبارية الأجداد ) إما الأجداد فهم بطاركة العهد القديم وأنبياؤه منذ كان آدم حتى يوحنا المعمدان والكنيسة ترتل " لنجتمع اليوم يا محبي الآباء جذلين بتذكار الآباء" ( اكسابستلاري ) .
لكي تضعنا الكنيسة في جو الرجاء وانتظار مجيء المسيح تذكّرنا في ايام التهيئة لعيد الميلاد بكوكبة من الأنبياء الذين اعدّوا مجيء مخلص البشرية .
ففي الثاني من شهر كانون الأول نحتفل بتذكار النبي حبقوق ، الذي عاش في أواخر القرن السابع قبل المسيح وتنبأ عن خراب الهيكل وأورشليم وفي الثالث من الشهر نفسه نعيّد للنبي صفنيا الذي عاش أيضا في أواخر القرن السابع قبل المسيح وتنبأ عن نهاية إسرائيل وارتداد الأمم الوثنية إلى الله . وفي السادس عشر من كانون الأول تعيّد الكنيسة لتذكار النبي حجاي الذي عاش في أواخر القرن السادس وأوائل القرن الخامس قبل الميلاد وقد تنبأ عن تجسد كلمة الله . وفي السابع عشر من الشهر نفسه تذكار النبي دانيال آخر الأنبياء العظام ورفاقه الفتية الثلاثة .
الرسالة المعينة لهذا الأحد هي رسالة الأحد التاسع والعشرين للعنصرة، اذ تركز على الانتقال من وطأة الناموس إلى العهد الجديد في حياة الإنسان العتيق إلى جدة الحياة في المسيح .إما الإنجيل فللأحد الثامن والعشرين للعنصرة إذ يحدثنا عن العشاء العظيم: إنسان صنع عشاء عظيما ودعا كثيرين .. فاخذوا جميعهم واحد فواحد يستعفون .. حينئذ غضب رب البيت وقال لعبده : اخرج إلى الطرق والسياجات والزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي " . المدعوون ( أي إسرائيل حسب الجسد ) رفضوا الدعوة فاتجه رب البيت اذ ذاك بدعوته إلى الجميع بغض النظر عن انتسابهم أو عدم انتسابهم للأمة اليهودية. حيث يذكرنا هذا بما ورد على لسان يوحنا البشير:" إلى خاصته جاء وخاصته لم تقبله وإما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطانا ان يصيروا أولاد الله .." ( يوحنا 1:11 – 12 ) .
هؤلاء تقول لنا الكنيسة هم " بالإيمان ورثة " الآباء الذين قبل الشريعة، آدم الأب الأول واخنوخ ونوح وملكي صادق وإبراهيم واسحق ويعقوب، ثم الذين بعد الشريعة: موسى هارون ويشوع ومعهم اشعياء وارميا، وحزقيال ودانيال والأنبياء ألاثني عشر مع ايليا واليشع وزخريا والمعمدان .
إن هذه النصوص تتعلق بميلاد المسيح أكثر مما تتعلق بأجداده . إما القنداق فيشير مباشرة إلى الميلاد " اليوم العذراء تأتي إلى المغارة لتلد الكلمة .." ويمتاز هذا الأحد بذكر التراتيل المكررة للنبي دانيال الذي تنبأ عن مجيء المسيح وزمان ولادته والفتية الثلاثة حنانيا وعزريا وميصائيل الذين طرحوا في الأتون لكونهم رفضوا عبادة تمثال الملك نبوخذ نصر وحفظوا من الموت فإنهم رمز إلى حمل العذراء مريم في أحشائها نار الألوهة ولبثت سليمة البكارة قبل الولادة ومدة الولادة وبعد الولادة .
من جهة يمثل هؤلاء الفتية الثلاثة الثالوث كما مثله الملائكة الثلاثة الذين تراءوا لإبراهيم . " ان فتيان الله كانوا يتخطرون في وسط اللهيب مبتهجين بندى الروح كأنهم في روضة فبقوا ورسموا فيه سر الثالوث " انهم يمثلون غلبة الإيمان للموت :" اخمدوا بالإيمان قوة النار "وأخيرا يمثلون – وهنا نجد العلاقة بالميلاد – العليقة الملتهبة الجديدة ، الحضرة الإلهية النارية التي لا تحترق : " أيها المسيح إن فتيانك القديسين لما كانوا في أتون لهيب النار كأنهم في ندى سبقوا فصوروا سريا مجيئك من البتول الذي أنارنا بغير احتراق ".
احد النسبة: ( سلالة المسيح حسب الجسد )
الأحد الثاني المكرس خصيصا لتهيئة الميلاد وهو الأحد السابق للميلاد ويدعى " احد النسبة " ويقع بين الثامن عشر والرابع والعشرين من كانون الأول . فهو يركز على سلالة يسوع حسب الجسد .
" إذ نرتقي بعولنا إلى بيت لحم فلنصعد بالروح ولنعاين السر العظيم الذ1ي في المغارة . " " ها قد اقترب زمان خلاصنا ... افرحي يا بيت لحم استعدي يا افراثا "
هكذا تنشد الكنيسة في الخدمة . وهي لا تنفك عن ذكر البطاركة والأنبياء ونسوة العهد القديم القديسات " المتلألين مثل الكواكب " .
إن انجيل القداس يرسم لنا نسب المسيح حسب الجسد " كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود . ابن إبراهيم . إبراهيم ولد اسحق واسحق ولد يعقوب ".. وهلم جرا حتى يوسف " رجل مريم التي منها ولد يسوع الذي يدعى المسيح " .يكمل انجيل الأحد هذا مظهرا شك يوسف بصورة دقيقة جدا ورسالة الملاك له وطاعته للملاك .
أما رسالة هذا الأحد فتمدح إيمان البطاركة:" بالإيمان نزل إبراهيم في ارض الميعاد ..." وفيها يذكر أيضا اسحق ويعقوب وصموئيل وداود . والنتيجة المنطقية ليست مضمونة في هذه القراءة ولكنها في الجملة الأولى من الإصحاح اللاحق :" لذلك نحن أيضا إذ يحدق بنا مثل هذا السحاب الكثير الكثيف من الشهود، فلنطرح عنا كل ثقل الخطيئة التي تكتنفنا ولنسع بثبات في الميدان المفتوح إمامنا شاخصي بأبصارنا إلى مبدىء الإيمان ومكمله يسوع
برامون ميلاد المسيح: ( تقدمة عيد الميلاد )
تدوم تقدمة الأعياد الكبرى أياما، كما هي الحال في عيد ميلاد المسيح، فأنها تبتدىء في 2. كانون الأول، فنرنم في صلاة الغروب أيام التقدمة بنشيد يحوي فكرتها الرئيسية:" استعدي يا بيت لحم، فقد انفتحت عدن للجميع . تأهبي يا افراثه، فان عود الحياة قد نبت في المغارة من البتول . وبطنها ظهر فردوسا عقليا، فيه الغرسة الإلهية التي إذا أكلنا منها نحيا ولا نموت مثل آدم . المسيح يُولد ليقيم الصورة التي سقطت منذ قديم . " . طروبارية التقدمة .
أما نهار الرابع والعشرين من كانون الأول له خصائص ليتورجية مفيدة جدا وتبدو للوهلة الأولى محيرة . فمن جهة ليلة الميلاد هي أوج الرجاء والانتظار ومن جهة ثانية تضم الخدم لنفسها ما هو للعيد . فلا نطلب فقط بحرارة مجيء المسيح ولكن الكنيسة تدعنا نقرأ نصوص العيد الإنجيلية.
إن صهر هذين العنصرين، التوبة في انتظار الحدث والإعلان عنه كأنه قد حصل ، هذا ما نلمسه من خلال قراءتنا لنصوص كتابية فيها عناصر ليتورجية وتاريخية .
إن قراءتنا منذ ليلة الميلاد، لنصوص كتابية ترسم لنا قصة الميلاد، وترتيلينا لأناشيد لا يجعل صلاة الخامس والعشرين من كانون الأول البهية غير ذات فائدة بل بالعكس إنها تهيؤها وتسهلها .
إن خدم برامون الميلاد أطول من خدم يوم العيد وفيها الروايات الكتابية عن الميلاد مفصله أكثر من روايات الغد . وبهذه الصورة تكون الكنيسة قد وضعت أمام أعيننا في الرابع والعشرين كل منظر الميلاد .
أما في يوم الميلاد فلا تعود الكنيسة إلى كل ما قالته، المفروض فينا إننا عرفناه وتأملناه . إن خدم العيد اقصر من أمسية العيد . فالكنيسة تركز انتباهنا على بعض النقاط، إنها تعطينا الفرصة ليس لنتعلم وننمو فكريا بل أن نتذوق ونذوق كلمات الحياة التي تعرف كأثمار روحية .
إن الرابع والعشرين من كانون الأول يحدثنا عن الأمور عينها التي يتكلم عنها الخامس والعشرين من كانون الأول ولكن الرابع والعشرين مقدمة وتعليم وتسبيح يحتضن الحدث، أما الخامس والعشرين فملء ونضوج وتسبحة تكلل الحدث الحاصل .
في صباح الرابع والعشرين من كانون الأول تقام " الساعات القانونية "، أو الساعات الملكية، أو ( الملوكية كما غلب استعمالها )، بجلال وهيبة وتسمى في هذا اليوم " الساعات الملكية "، حيث تتلى على مسامعنا مقاطع من نبوءات العهد القديم تشير إلى ميلاد المخلص وأيضا تتلى قراءات كتابية محددة من العهد الجديد، حيث تأتي في قسمين: التلاوات الإنجيلية توجز لنا تسلسل الإحداث وتساؤلات يوسف وشكه هما تساؤل كل إنسان حول سر التجسد، أما التلاوات من الرسائل فهي تفسر لنا الأحداث عقائديا، إضافة إلى المزامير والأناشيد .
يتبع[/FRAME]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات