[frame="15 70"]المذود[frame="15 70"]
"... وأضجعته في المذود لأنّه لم يكن لهما موضع في المنزل" (لو 2: 7).
منذ مولده من مريم البتول لم يكن لابن الإنسان
"أين يسند رأسه" (لو 9: 58).
هذا لأنّ البشريّة "لم تقبله" (يو 1: 11).
دخل في مذود وخرج على الصليب. ليس وحده كذلك. تلاميذه أيضاً كانوا مرفوضين.
"إن كانوا قد اضطهدوني فسيضطهدونكم..." (يو 15: 20).
بعض الناس قَبِله. هؤلاء هم القطيع الصغير (لو 12: 32).
حملان بين ذئاب (لو 10: 3).
خراف يحدّثون عن
"حمل الله الرافع خطيئة العالم" (يو 1: 29).
ذبائح تحكي الذبيح. كل المهمَّشين عليهم وشم مسيح الربّ. في عالم القوّة الضعيف مُهمَّش.
في عالم الظلم العدل مهمَّش.
في عالم الباطل الحقّ مهمَّش.
لذا كان الضعفاء وأُولو العدل وصَحْبُ الحقّ إلى السيّد وضعاً.
إلى هؤلاء وأمثالهم من مهمَّشي الأرض كانت الدعوة:
"تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أُريحكم" (مت 11: 28).
كلٌّ، في كلِّ حال، برسم التهميش. إذا كانت القيمة للمال فمَن افتقر تهمَّش.
وإذا كانت الأهمية للإنتاج فمَن عجز تهمَّش.
في نهاية المطاف يبدو السيّد لهذا الدهر كالتاجر الجائل ينادي:
"حديد عتيق للبيع! نحاس عتيق للبيع!"
ما لم يعد ينفع من أشلاء البشر في هذا الدهر يشتريه.
لا قيمة للناس في هذا العالم.
القيمة لِمَ يعملون ولِمَ يملكون.
جهة استعمال الناس للناس هذه تحدّد قيمتهم.
الفقراء مهمّون لأنّهم يدعمون شعارات الساسة في شأن الفقراء.
بعد ذلك يجلس حصّادو الناس على الأرائك السنيّة ويأكل الكلاب من الفُتات الذي يسقط من مائدة أربابها (مت 15: 27)
ويشتهي لعازرُ الفقراءُ أن يشبع من الفتات الساقط من مائدة الغني (لو 16: 21)،
ويكون ممتنّاً.
منذ الدهر والذين هم فوق يتباكون بكاء التماسيح على الذين هم تحت ولا زال المستغِلّون في مراقيهم العليا والمستغَلّون في مراقيهم الدنيا.
كلّهم اغتنوا، وهم الفقراء،
لكي تفتقروا أنتم بغناهم إلاّ الذي قال عنه الرسول المصطفى بولس إنّه
"من أجلكم افتقر، وهو غنيّ، لكي تستغنوا أنتم بفقره" (2 كو 8: 9).
هم همّشوكم ليوجَدوا فيما همّش السيّد نفسه لتكونوا.
مذود البشريّة متخم بالناس الذين لا مطرح لهم في قلوب الأعيان والذوات.
ويطعمونهم من تبن كلامهم أطباقاً تدغدغ المخيلة فيهم ولا تشبع منهم المعدة الخاوية.
السيّد جاء ليطعمهم، أولئك المطروحين في الظلمة وظلال الموت،
من جسده ويسقيهم من دمه،
والمهمِّشين يأكلون لحمانهم كالبهائم المعلوفةِ شعاراتٍ للذبح.
"هلمّ الآن أيّها الأغنياء ابكوا مولولين على شقاوتكم القادمة.
غناكم قد تهرّأ وثيابكم قد أكلها العُثّ.
ذهبكم وفضّتكم قد صدئا وصدأهما يكون شهادة عليكم ويأكل لحومكم كنار" (يع 5: 1 – 3).
يبقى أن يكون السيّد لمَن أُلقُوا ويُلقَون خارج هذا الدهر قدوة.
" أحزاننا حملها وأوجاعنا تحمّلها" (إش 53: 4).
"خذوا نيري عليكم وتعلّموا منّي" (مت 11: 29).
ما دمنا، في كل حال، مستوطنين المذود فلا خير لنا سوى في أن يحمل بعضنا أثقال بعض (غلا 6: 2).
كلّنا برسم المذود عاجلاً أم آجلاً، صبية أو كهولاً أو شيبة.
الفقر، في نهاية المطاف، خير من الغنى لأنّه بالفقر يتسنّى لك أن تحسّ وتنوجع،
وأن تصير إنساناً. تحسّ، إذ ذاك، بثقل الفقر على الناس. تصير وإياهم في مركب واحد. الفقر، والحال هذه، فرصة.
ليس ضمانة. بعض الناس فقرهم يؤول بهم إلى الكفر.
ولكنْ ثمّة مَن يأتي بهم إلى الحنان.
الفقير، إذ ذاك، يصير إلى الفقير.
كلاهما، ساعتذاك، يعبّ من مَعين غنى القلب.
كلاّ ليس الإنسان بما يعمل ولا بما يقتني.
الإنسان هو القيمة لأنّه قلب.
وكل ما يذهب بالقلب يذهب بالناس. الغنى تجربة قاسية لأنّه يقسّي القلب.
إنسانياً، الغنى هو الفقر لأنّك إن لم تغتنِ بما للقلب، بما للحسّ، تبقى فقيراً إلى الإنسانية الحقّ.
ليس أنّ الأغنياء أو الذين في السلطة هالكون لا محالة.
كلّ شيء عند الله مستطاع. لكن الغنى والسلطة يُسقطان في الزهو ويضربان بالعمى.
طوبى لغني سلك في الفقر وأسبغ غناه على الفقراء ولصاحب سلطان تسيَّد، بنعمة ربّه، على بهيميّة نفسه وجيّر اقتداره لخدمة المظلومين والمقهورين.
هؤلاء يكونون قد تخيَّروا، لأنفسهم، المذود مُقاماً
وتشبّهوا بسيّد الأكوان وحدّثواعن عطاياه الفائقة لا في الدهر الآتي وحسب بل في هذا الدهر الحاضر أيضاً.
يسوع ابن الإنسان لأنّه الإنسان جديداً.
آدمُ. خلقٌ جديد. علّمني، اللهمّ، أن أصير إنساناً! لا يولد الإنسانُ إنساناً بل مشروعَ إنسان.
يصير إنساناً إذا ما اقتدى بالسيّد، بابن الإنسان.
الإنسان العتيق، إنسانُ قِيمِ هذا الدهر،
كاللصوص يعرُّونك من قيمتك كإنسان ويجرِّحونك بالقهر والذلّ وينصرفون عنك باللامبالاة واللاحسّ ويتركونك بين حيّ وميت (لو 10: 30).
ولكن يأتيك السيّد سامرياً صالحاً.
والسامري هو صاحب الأرض، الحارس والمراقب، العارف بمكنونات القلوب لأنّ الكل منبسط لديه.
هو يأخذك على عاتقه، يطبِّبك بالوصيّة ويكلِّف بك الملائكة والقدّيسين ويجعلك في كنيسته،
كفي فندق، حتى تتعافى ويتابع شأنك ولا يتركك إلى أن تصير
جديداً. يبثُّك روحه لكي لا تخور وتشتدّ عليك العتاقة من جديد.
هذا هو يسوع الذي جاء ليستوطن المذود عساك به تستوطن الإنسانية الحقّ.
ومن المذود يأخذك إلى حيث كان قبل أن ينزل.
هو صار إنساناً. اتّخذك وشابهك في الذلّ لأنّه أحبّك،
وأحبّك لذاتك حتى إن عرفته وذقته طاب لك أن تكون حيث هو كائن. قصده، في نهاية المطاف،
ليس أن يحسِّن ما لك ههنا.
قصده أن يعطيك الأبدية، حياة جديدة، أن تصير به ما تشتهيه على الأرض ولا تقتنيه لأنّك مضلَّل.
أن تصير إلى ألوهة حقّانية. أن تأكل وتشرب على مائدته السماوية.
أن تتالّه بالنعمة. ليتك تدرك في هذا الميلاد أن خالق السماوات والأرض هو الذي قبع في المذود لأجلك ولأجلي لكي يجلببنا بالنور، بالمجد.
للألوهة خُلق الإنسان لا لترّهات هذا الدهر.
المذود اليوم عرش المساكين لدى الله!
"مع العظماء يقسم [السيّد] غنيمة من أجل أنّه سكب نفسه للموت" (إش 53: 12).
الأرشمندريت توما (بيطار)
رئيس دير القدّيس سلوان الآثوسي – دوما[/frame]
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات