لن نتكلّم، في هذه العجالة، على المجامع المسكونيّة أو المكانيّة، ولن نبيّن أسباب انعقادها والمواضيع التي بحثتها والعقائد التي أقرّتها والقوانين التي حدّدتها، وتالياً كلّ هرطقة أدانتها وحرمت مبتدعيها ومروّجيها. ما يهمّنا، هنا، أن نكشف طابع الكنيسة المجمعيّ.
ما يجب تأكيده بدءاً هو أنّ الكنيسة هي اجتماع شعب الله في سرّ الشكر (القدّاس الإلهيّ). وفي فهمنا أنّ لفظة الشعب، في عبارة "شعب الله"، لا تفيد تجمّع بشر يلتقون اجتماعيّاً، ولكن أنّ هذا الشعب شعب إلهيّ في كلّ ما يقول ويعمل. واجتماع الشعب في سرّ الشكر يتمّ بإمامة الأسقف المحلّيّ أو مَن ينتدبه. هذا ما يؤكّده القدّيس أغناطيوس الأنطاكيّ (+107) في رسالته إلى كنيسة إزمير، بقوله: "سرّ الشكر هو السرّ الذي يتمّمه الأسقف أو من أَوكل إليه ذلك. حيث يكون الأسقف هناك يجب أن تكون الرعيّة..." (7:1 و2). فليست الكنيسة أفراداً مبعثرين أو تراكم لحم، بل إنّما هي "الجماعة" التي افتداها الربّ بدمه، وأقامها لتقول حبّه في العالم، وتساهم في جمع المتفرّقين "إلى اتّحاد واحد". وإذا رأينا إلى الكنيسة كهنة وشعباً، في اجتماع سرّ الشكر، نجد تناغماً هو، في حقيقته، قاعدة الكنيسة الجامعة وعنوان حياتها وممارستها. وهذا يدلّنا على الوحدة العضويّة التي يشكّلها معاً الأسقف والمؤمنون. فمن دون الأسقف لا يوجد شعب أرثوذكسيّ، ومن دون الشعب لا يوجد أسقف حقيقيّ. يقول القدّيس كبريانوس القرطاجيّ: "الكنيسة هي الشعب في اتّحاد والأسقف، هي القطيع المرتبط براعيه. والأسقف هو في الكنيسة والكنيسة في الأسقف" (الرسالة 96-8). ويؤكّد هو نفسه في رسالة وجّهها إلى كهنة أبرشيّته أنّه لا يفعل شيئاً من دون "استشارة الكهنة" و"موافقة الشعب". وهذا يعني أنّ الكنيسة جماعة تحيا وتتداول في كلّ أمورها، وأنّ الأسقف "يبقى دائماً داخل شعب الله الذي يشكّل، مع المسيح، الكنيسة بأجمعها" ("زاد الأرثوذكسيّة"، صفحة 302)، ولا ترفعه، تالياً، مكانته وامتيازاته فوق الكنيسة. فهو لا يحتكر المواهب أو العمل في الكنيسة، ولكنّ الجميع (وأقصد الذين يوافقون مواهب الروح) يعملون، ويشكرون. وفي هذا السياق، لا أحد في الكنيسة يمكنهأن يسلك "فرديّاً"، أو يلغي أحداً، لئلاّ يخسر عضويّته ويشوّه تجلّيات الروح.
ثمّ إنّ جسد المسيح هو حياة الأسقف وقناعته واهتماماته. وبما أنّه صورة المسيح يحاول أن يتخلّق بأخلاق معلّمه الأوحد، فيحبّ الكنيسة (شعب الله) ويرعاها بـ"كلمة الحقّ" التي "يقطعها باستقامة"، ويتفانى في خدمتها، ويراقبها، ويكتشف مواهب أعضائها، ويبعد عنها كلّ عدوّ يتربّص بها. شأنه، في كلّ حال، ألاّ يثبّت رأيه الشخصيّ، بل "رأي يسوع المسيح". يقول القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ في رسالته إلى كنيسة مغنيسية: "احرصوا أن تثبتوا في تعليم الربّ والرسل حتّى تنجحوا في أفعالكم" (13: 1). وشأنه، تالياً، ألاّ يتسلّط على الرعيّة، ولكن أن يحملها في قلبه ودعائه، ويكون قدوة لها في كلّ ما يقول ويعمل غير مهتمّ لربح مادّيّ أو مجد في العالم، ورجاؤه أن ينال الفرح الأخير في يوم الربّ المنتظَر. هذا ما يؤكّده الرسول بطرس في رسالته الأولى، بقوله: "ارعوا قطيع الله الذي وُكِلَ إليكم واحرسوه طوعاً لا كرهاً، لوجه الله، لا رغبةً في مكسب خسيس، بل لما فيكم من حميّة. ولا تتسلّطوا على الذين هم في رعيّتكم، بل كونوا قدوةً للقطيع. ومتى ظهر راعي الرعاة تنالون إكليلاً من المجد الذي لا يذبل" (5:2-4).
يعطى الأسقف الأرثوذكسيّ عند رسامته سلطة مثلّثة: 1) إقامة الأسرار ؛ 2) التعليم؛ 3) الإدارة والتوجيه. غير أنّ هذه السلطة لم تعنِ يوماً أنّ الأسقف لا يخطئ في ممارسته مهامه. يقول المطران جورج (خضر)، في مقال له بعنوان "الممارسة المجمعيّة": "كلّ ممارسة للرؤساء تعكس خطايا الرؤساء كما تعكس فضائلهم"، وأيضاً: "الروح لا يعصم من لا يريد أن يعتصم" (مجلّة النّور، العدد الخامس، 1996). فالأسقف مفوّض تفويضاً إلهيّاً طالما تعليمه ومسلكه يوافقان صورةَ المسيح التي يحملها، أي طالما لا يخلط بين ما هو بشريّ فيه وبين ما هو إلهيّ. فما هو بشريّ إن طغى يشوّه الصورة ويسقط التفويض. فلا يعود الربّ هو الذي يسوس الكنيسة فيه، بل إنسان أخطأ في قراره، وأخطأت الكنيسة في اختياره (وهذه مسلّمة قديمة أوحى بها القدّيس إيريناوس أسقف ليون). والحقّ، تالياً، يفرض أن يعرف الجميع أنّ الإيمان يحافظ عليه شعب الله كلّه (أساقفة وكهنة وعلمانيّون). وهنا تميّزالأرثوذكسيّة بين إعلان الحقيقة وامتلاكها، "فالمؤمنون يمتلكون الحقيقة، لكن مهمّة الأسقف إعلانها" (المطران كاليستوس (وير)، الكنيسة الأرثوذكسيّة: إيمان وعقيدة، صفحة 67). ولقد أكّد البطاركة الأرثوذكس، في رسالة وجّهوها إلى البابا بيوس التاسع السنة 1848، أنّ: "ما من بطريرك أو مجمع يستطيع أن يُدخل إلى صفوفنا تعليماً جديداً، لأنّ المحافظ على الإيمان هو جسد الكنيسة نفسه، أي شعب الله".
انطلاقاً من هذه الثوابت يمكننا أن نرى إلى اجتماع الكنيسة كلّها في وحدة الحقّ والمحبّة. فالكنيسة جماعيّة في جوهرها وقوانينها وشهادتها. وهي واحدة في كلّ موقع (أبرشيّة)، وتحمل الجميع لأنّها جسد المسيح وهو رأسها. غير أنّ ثمّة وجهاً آخر من وجوه الوحدة والأُخوّة، وهو اجتماع الأساقفة معاً (المجمع المقدّس)، ويشكّل هذا الاجتماع السلطة العليا في الكنيسة الأرثوذكسيّة. وهنا أيضاً لا يكون الأسقف وحده منفرداً، وذلك أنّه يحمل كنيسته معه في كلّ لقاء له وإخوته الأساقفة. يقول المطران جورج في المقال الآنف ذكره: إنّ "الأسقف الجالس في اجتماع مقدّس يحمل كنيسته معه ويحمل مساءلتها وإشكاليّاتها وينقل اختبارها وضعفها والبهاء الساطع فيها لمنفعة الجسم الكنسيّ كلّه". والمؤمنون لا يتركون أساقفتهم في اجتماعهم، فهم إن لم يشارك بعضهم في اجتماع الرؤساء (وهذا يصير في غير بطريركيّة أرثوذكسيّة)، يحملونهم، أو هكذا يجب، في أدعيتهم، وفي كلّ وقت، لتكون قراراتهم مرضية للروح القدس ونافعة لبنيان الكنيسة.
هذا بعض ما يجب أن يذكره جميع أعضاء الكنيسة الواحدة فيما يحيون جماعيّاً، ويشهدون معاً لمن له وحده يليق المجد في كلّ زمان ومكان.
المفضلات