[FRAME="15 70"]
تأملات في الظهور الإلهي
للقديس يوحنا الذهبي الفم
يسأل البعض: لماذا دُعي عيد عماد المخلص وليس عيد الميلاد بعيد الظهور الإلهي .
أجيب: لأن المسيح قد ظهر للجميع في عماده وليس في ميلاده. فحتى ذلك اليوم الذي تعمّد فيه المسيح، قليلون كانوا يعرفونه، وكثيرون كانوا يجهلون وجوده ومن هو. وهذا ما عبَّر عنه يوحنا المعمدان: "يوجد بينكم شخص لا تعرفونه" (يوحنا 1: 26)، ولا نتعجب من جهل الكثيرين للمسيح. فيوحنا السابق نفسه كان يجهل حقيقة المسيح "أنا لم أكن أعرفه، لكن الذي أرسلني لأعمّد بالماء هو قال لي إنّ الذي ترى الروح ينزل ويستقر عليه هو الذي يعمّد بالروح القدس" (يوحنا 1: 33)...
كان يوحنا يعمد اليهود لمغفرة الخطايا، فلماذا نال يسوع المعمودية؟ وما هي المعمودية التي نالها؟ من الأكيد أن المسيح لم يكن بحاجة الى معمودية يوحنا، فهو "الذي لم يصنع خطيئة ولم يوجد في فمه مكر" (1 بطرس 2: 22). ويسوع تحدّث عن نفسه فقال: "مَن منكم يثبت عليَّ خطيئة؟" (يوحنا 8: 46). فاذا كان المسيح أتى الى يوحنا لا لطلب غفران الخطايا، فلماذا طلب ان يعتمد إذًا؟
هذا العماد شرحه سفر الأعمال بهذا القول: "ان يوحنا عمّد بمعمودية التوبة مخاطبًا الشعب بأن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بيسوع المسيح" (اعمال 19: 4). إذاً كان من الضروري ان يبشَّر بالمسيح من بيت الى بيت، وأن تتمّ الدعوة لقضيته في كل مكان ومنطقة، وأن يجري التعليم في المجامع بأن يسوع هو ابن الله مخلّص العالم.
استفاد يوحنا من زحف الجموع من كل المدن والقرى، وقال كلمته: "هذا حَمَلُ الله"، "الذي يأتي بعدي كان قبلي وهو أقوى مني". وجاء التثبيت من العلاء بصوت الآب وشهادة الروح القدس الذي ظهر بهيئة حمامة... فالله أراد أن يعلن هو نفسه عن ابنه للبشر.
وهذا ما عبَّر عنه يوحنا المعمدان بقوله: "الذي أرسلني لأعمّد قال لي...الذي ترى الروح نازلاً عليه هو...".
أما السبب الثاني لمعمودية يسوع فقد أشار اليه يسوع نفسه، وذلك عندما قال ليوحنا "...يجب أن نكمل كل برّ" (مرقس 13: 14).
ما هو البر؟ هو تتميم كل وصايا الله. بهذا المعنى قال لوقا البشير عن زكريا وأليصابات: "كانا كلاهما بارّين أمام الله سالكين في جميع وصايا الرب وأحكامه بلا لوم" (لوقا 1 :6). وبما ان كل إنسان يلتزم بتكميل كل بر، لهذا جاء المسيح وأكمله. فالمسيح أطاع النبي يوحنا وأطاع شريعة الختان وتقدمة الذبائح، وحفظ شريعة السبت والأعياد اليهودية... وهذه كلها برّ.
لنتأمل يا إخوة الأعجوبة الكبرى التي جرت حالاً بعد عماد المخلَّص، والتي كانت مقُدمة لما كان سيحدُثُ فيما بعد. لأنَّ ما إنفتح إذ ذاك ليش الفردوس بل السماء فقط، "وعندما إعتمد يسوع لإنفتحت السماوات". لما إنفتحت السماء عندما إعتمد يسوع المسيح؟ لكي يُفهمكم أن الأمر عينَه يحدُثُ بنوع غير منظور عند عمادكم، حيث يدعوكم الله إلى وطنكم السماوي ويًحَرّضكم على الاّ تتمسَّكوا كثيراً بالأرض. وإن تكن هذه الأعجوبة لا تحدث معكم بنوع منظور فلا تدعوا مع ذلك مجالاً للشك فيها.
لقد تعوَّد الله في تأسيس أسراره، أن يُظهر بعض أدلةً وخوارق خارجية، للنفوس الغشيمة التي لا تستطيع أن تفهم شيئاً من الروحانيات ولا تتأثر إلا بما يلامس الحواس، حتى إذا عُرضت علينا هذه الأخبار، بدون أن ترافقها هذا العجائب نقتبلها حالاً بطواعية الإيمان الراسخ. وهكذا عندما حلَّ الروح القدس على الرسل، سُمِعت ضجَّة عاصفة عنيفة. وظهرت ألسنةٌ من نار. ولم تحدث هذه الأعجوبة لأجل الرسل بل لليهود الحاضرين هنالك فإن كنا لا نرى الآن الأدلة عينها ومع ذلك ننال ذات النعم التي كانت تمثلها هذا الأدلة.
لماذا إعتمد السيد المسيح؟
"حينئذٍ أتى يسوع من الجليل إلى الأردن، إلى يوحنا، ليعتمد منه، فكان يوحنا يمانعه قائلاً: أنا المحتاج أنا أعتمدّ منك وأنت تأتي إليّ"(متى 13:3-14).
لقد جاء الرب يا إخوتي، يعتمد مع العبيد والقاضي مع المجرمين. غير أنَّ إتَّضاع الله هذا لا يجوز أن يُشغل بالكم، لأنه تعالى في تنازله العظيم يُظهرُ مجده العظيم. أتتعجبون من أن الذي شاء أن يمكث أشهراً في أحشاء العذراء، وأن يخرج منها لآبساً طبيعتنا، والذي شاء فيما بعد أن يحتمّل اللَّطم وعذاب الصليب وغيره مما تحمل حباً لنا، أن يشاء أيضاً تقبُّل العماد، والإتضاع أمام عبده مختلطاً مع جمهور الخطأة؟ أما ما يجب أن يذهلنا فهو أن يكون الله قد تنازل وصار إنساناً، لأنه بعد هذا التنازل الأول لم يعد الباقي سوى نتيجة طبيعية. وهكذا لكي يبيّن لنا يوحنا المعمدان مقدار أتضاع إبن الله، كما سبق وقال: أنه لا يستحق أن يحل سير حذائه، وأنه الديّان العادل الذي يُحاسب كلاً بحسب أعماله، وأن يفيض نِعَم الروح القدس على كل الناس، حتى إذا رأيتموه أتياً على العماد لا ترون مهانة في هذا الإتضاع. وهذا عندما شاهده يوحنا المعمدان أمامه، أخذ يمانعه قائلاً: "أنا المحتاج إلى أن أعتمد منك وأنت تأتي إليّ". وبما أن عماد السيد المسيح كان عماد التوبة، وكان يقضي على المعتمدين أن يعترفوا بخطاياهم، فلكي يستدرك يوحنا المعمدان ويبيّن لليهود أن السيد المسيد لم يأتِ إلى عماده على هذه النية دعاه أمام الشعب: "حمل الله" والمخلض الذي يمحو كل خطايا الجنس البشري، يقتضي بأول حجة أن يكون هو نفسه بريئاً من الخطأ. وبما أننا قد حُسبنا جديرين بتلك الأسرار العظيمة، فلنعش حياه أهلاً لها، حياة الكمال في المسيح يسوع ربنا الذي له المجد والعزّة مع الآب والروح الآن وكل أوآن وإلى دهر الداهرين. آمين.
الروح بهيئة حمامة
لماذا ظهر الروح القدس بشكل حمامة؟ الحمامة حيوان أليفٌ طاهر. وبما أن الروح القدس هو روح وداعةٍ، لذلك تراءى بشكل حمامة. ومن ناحية أخرى، هذا يذكرنا بقصةٍ تاريخيةً قديمة، عندما غمر الطوفان كل المسكونة، وكاد الجنس البشري أن يفنى، كانت الحمامة الطائر الذي بيَّن بوضوح نهاية الغضب الإلهي، حاملة في منقارها غصن زيتون، كخبرٍ مفرح يعلن السلام العام. كل ذلك كان رسماً لما سيحدث لاحقاً. كانت حالة الناس أبشع بكثير من حالتهم الحاضرة، وكانوا يستحقون عقاباً أكبر. فلكي لا تيأس أنت الآن، يذكِّرك هنا بتلك الحادثة القديمة: حين كان الرجاء مفقوداً، وُجد حلٌّ وإصلاحٌ. كان الطوفان في ذلك الوقت تأديباً، وأما الآن فقد جاء الحل عن طريق النعمة والعطية الجزيلة. لذلك ظهرت الحمامة، لا تحمل غصن زيتون، ولكنها تشير إلى الذي سيخلص من كلِّ الشدائد، وتبسط أمامنا رجواتٍ صالحة؛ لأنها لا تُخرج إنساناً من الفلك، بل تقود بظهوره المسكونة كلها إلى السماء. لا تحمل غصن زيتون بل البنوَّة للبشر كلهم.
الآن، وقد أدركت قيمة العطية، لا تحسب أن قيمة الروح ناقصةٌ، بسبب ظهوره بشكل حمامة. أسمع البعض يقول إنه كما يختلف الإنسان عن الحمامة كذلك يختلف المسيح عن الروح؛ إذ ظهر المسيح بصورة طبيعتنا الإنسانية، بينما ظهر الروح القدس بصورة حمامة. فبم نجيب عن كل ذلك؟ إن ابن الله اتَّخذ طبيعة الإنسان، بينما الروح القدس لم يأخذ طبيعة الحمامة. لذلك لم يقل الإنجيلي إن الروح ظهر "بطبيعة حمامة" بل قال "بشكل حمامة". ولم يظهر الروح بعد ذلك بهذا الشكل، الحقيقةُ شيءٌ والتدبير شيءٌ، التنازل شيءٌ، والظهور العابر شيءٌ آخر.
معمودية الروح القدس
"فقال لهم هل أخذتم الروح القدس لما آمنتم فقالوا له: لا بل ما سمعنا أنه يوجد روحٌ قدسٌ* قال: فبأية معمودية اعتمدتم فقالوا: بمعمودية يوحنا* فقال بولس إن يوحنا عمَّد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بالمسيح يسوع.
[/FRAME]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس




المفضلات