الترتيل على أنغام الموسيقى البيزنطية
كان للموسيقى منذ القديم في العالم الشرقي معنى خاص، وبالتالي كان أيضاً دور الموسيقار فريداً ويحمل مفهوماً عميقاً. من هذا العالم الشرقي تبنّت الكنيسة ذلك المفهوم ثم نمّته وقادته فعلاً إلى غايته الحقيقية. الموسيقار إذاً، ليس العازف وحسب إنّما هو من يوصل الكلمة البشرية بواسطة المعزوفة أو اللحن إلى الأذن اإلهية، فهو بكلمة أخرى كاهن ووسيط للكلمة الإنسانية بين الله والبشر.
يمكننا مثلاً أن نتلو قراءةً صلاة "يارب إليك صرخت فاستمع لي". ولكن لأن هذه الكلمات، هكذا بالقراءة، تكاد لاتستطيع أن تحمل حجم المشاعر وكامل التعبير المطلوب، هنا يأتي بالتمام دور الموسيقار حين يضيف عليها اللحن، فتبدو وكأنها تلبس لباساً لائقاً تستطيع به أن تدخل إلى الخدر السماوي. أو كأنها امتلكت جناحين تطير بهما إلى عالم الملكوت. فالموسيقار إذاً هو كاهن يرفع الكلمة من العالم الإنساني، محلاّةً مجمّلةً بالألحان كاملة التعبير، إلى العالم الإلهي الذي يتقبّلها.
فإذا كانت الموسيقى هي رداء الكلمة عندها ندرك بسهولة لماذا لاتوجد لدينا موسيقى بدون كلمات، وندرك أهمية الكلمة للموسيقى، كما بالعكس ندرك أهمية الموسيقى بالنسبة للكلمة. الموسيقى بحد ذاتها ليست غاية بل تبقى أبداً واسطةً، لهذا نبرّر حذر الكنيسة من بعض فنون الترانيم كـ" التريرم" أو "التينانا" أي الأنغام دون كلمات. في الوقت ذاته نفهم أيضاً كيف تقبل هذه الفنون في حالات خاصة وأعياد كبيرة. فإنه في موسم الأعراس ترتدي الكلمة العروس وشاحاً أطول منها يتبعها وراءها احتفاءً وبهاء. هكذا إذاً، نعطي للموسيقى جمالها وقيمتها حين نرتلها لا كأنغام وحسب، بل كصلاة تصل الإنسان بالله وتحمل كلماته ومشاعره إلى أمام المنبر الإلهي. هذه هي عظمة الموسيقى في أنها كنسياً ليست فنّاً بشرياً بقدر ما هي رسالة إلهية.
المطران بولس يازجي

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات