أنت تعيش بقوة الحيازة او الاستحواذ او الأخذ او الملك وهذا كله يبطن الطمع وهي شهوة لا حد لها ككل شهوة تطلق لها العنان او انت ملك الله ولا يهمّك ملك آخر في هذا العالم وعند ذاك يتملّك ما أنت مالك او انت لا يهمّك ما حزته وأن يبقى او يذهب وأنت قائم بما أنت اي أنت وجودك ولا تعتبر ان ما في هذه الدنيا يصنع وجودك او يزيدك وجودا. فالصراع قائم بين كونك مالكا وكونك مملوك الله او عبده او ابنه.
فإما ان يكون الوجود الخارجي الذي بين يديك شيئا وإما ان الوجود الذي فيك هو انت. ولك ان تختار بين ما تحوز وحضرتك الواقفة امام الله اي المستندة روحيا الى فقرها. وقد يصل بك الاستغناء عن هذا العالم الى الاستغناء بالله فتصبح قيمتك آتية منه ولا أحد انسان قيم ما لم يقل الله ما يراه فيه في اليوم الأخير.
لا محاربة للطمع الا اذا اعتبر الانسان نفسه قائما بذاته وبالحري قائما برؤية الله له، واذا رآه غارقا في هذه الشهوة فيحزن الله.
لا يتوهمنّ أحد اني أدعو الناس الى ان يبددوا المال الذي يكفيهم او الا يطمحوا الى الأكثر. هناك عيال ويكفي الله من أراد. أما الذي يحب المساكين فليس لي أن أعلّمه وهو يعلّمني. نحن لا نعيش مع الأقل والأكثر، مع الوفرة العظيمة والفقر المدقع. نحن نعيش مع القلب. السؤال هو ماذا في قلبك او هل عندك قلب ليتّسع لله فقط. وحتى يستنزل قلبك الله يجب ان تعطي كثيرا لأن هذه الإمارة (العلامة) الوحيدة للحب. لا يدعو الى الفقر الذي نسمّيه اختياريا الا ربّك. دائما أخشى المال لكوني أخشى الافتخار. انت لست حرا مما تأخذ. أنت حر بما تعطي. ليس اذًا حديثنا عما تكسب وما تخسر ولكن حديثنا عمّا اذا اخترت أن تحوز لتوجد او الا تحوز ليملك الله عليك.
في هذه الجدلية يذهب بولس الى أبعد من هذا اذ يقول: "الطمع هو عبادة الأوثان" (كولوسي ٥:٣) مع انه ذكر من قبل ومن بعد شهوات أخرى ولم يقل عنها انها عبادة وثن. كان يفكّر في اشتهاء الأموال لا ريب في ذلك، ويخشى ان يصير الإنسان ما يشتهي. كنت أسمع في طفولتي هذا السؤال: "شو بيسوا هيدا" وأفهم انه سؤال عن ثروته. قد لا يعني هذا ان قيمة الإنسان عند هؤلاء ان شخصيّته هي ما يملك ولكنها تُخفي اعتقادا أن الله قوة وهذا صحيح. ولكن ما بالك بإنسان لا يسعى الى القوّة ولا الى نفوذ الا اذا كان حاملا دعوة من فوق أمره ربه بتبليغها وهذا لا يتطلّب نفوذًا من الأرض. الناس في كل حياتهم لا يحترمون القوي لمجرد كونه كذلك لكنهم يحبون ان يقووا به وأن يكون مصدر نِعَم لهم. آمن الناس والساقطون منهم دوما ان قيمة الإنسان باستقامته وصدقه ومحبته، ويتحسسون انهم قد يصيرون أفضل بالاقتداء به وقد تصل القدوة اليهم. الانسان السيئ الشرير يقول عن الآدمي انه آدمي ويأسف لكونه ليس مثله.
***
الناس يحبون ان تكون ذا طموح. هنا ايضا يجب ان نفرق بين الطموح البناء والطموح الذي يقوي عندك الطمع ان تتخذ مهنة لكونها مصدر ربح طامع. ان اتخذها لكي اخدم هذا طموح شرعي ومقدس. وهنا يفترق المبدع وغير المبدع وأتكلّم هنا فقط على الإبداع الروحي الذي هو الإخلاص. لا إبداع بلا حب فأنت مثلا تبغي ان تصير طبيبا كبيرا لأنك تريد معالجة الأمراض المستعصية وتساعد على الشفاء والمال يتبع هذا في معاييرنا البورجوازية. اما اذا زججت نفسك في دراسة تعرف انها تغنيك فقد تنجح علميًا او لا تنجح ولذلك يترك بعضهم مهنا حرة مهذّبة للنفس ومساندة للمعذّبين ليصيروا تجار عقارات وما الى ذلك. اذًا لم يتخذوها مهنتهم الاولى تعلقا منهم بالخير.
هناك فنانون ماتوا جوعا. قلة من الشعراء يعيشون من إصدار كتبهم. هؤلاء ممسوحون بالقداسة. أنت تبغي الإنتاج العظيم او تلتمس مالا ولا جمع بين هذين الشيئين الا اذا تثقّف قوم كثيرون ليقرأوا. ولكن ان اشتهيت فلسًا واحدا قبل ان تضع قصيدة تأتي تافهة حتما. لا جمع ممكنا بين الطمع والقيم العظيمة لأن كل ما تطمع به أنت عابده.
***
من المؤكّد انك تحتاج الى الروح الإلهي فيك يفحص نياتك ويرشدك الى كونها جيدة او سيئة.الشر يغطي دائما نفسه برغبة الحسنات. لا تدع نفسك تغرق في هذا الوهم. اي ادع ربك ليعطيك ما نسمّيه في النسك المسيحي روح التمييز. اعرف اي تحرك داخلي يلهمك. هل هذا التحرك من الله؟ اثنان يرغبان في الاقتناء واحد لاستلذاذ الحياة هو وأولاده وآخر ليصير أكثر انصبابا على المساكين. هاتان حركتان في القلب مختلفتان كليا.
كل الطمع هو تسطيح الوجود الحق. طبعا هذا يطرح مسائل لا نهاية لها. على سبيل المثال تبغي الزواج بامرأة فائقة الجمال. هذا طموح كله التباس. فأنت حوّلت كائنا بشريا الى سطح وجوده. في هذه الحال هذه رغبة شرعية لكنها ليست كاملة الشرعية لأنها تجزئة اي اعرف انك اخترت نصف الواقع او أقل. هذا تشييء لا يعطيك انسانا كاملا واذا لم تجد مضمونا مرضيا في هذه المرأة قد تؤذي حياتك كلها. اذا مدحت امرأة على أناقتها مثلا الا تسمع منها كلاما ظاهره متواضع فتجيبك مثلا هذا صدفة... وواحدة من رفيقاتك دلتني على هذا الثوب فرأيته أنت كما رأيته اي انها على كذبها تتمنى ان تكون عالية الشأن روحيا او ذكاء وكأنها تريد ان تعرف عمق نفسها.
***
ميل آخر أحب ان أشير اليه هو الطمع السياسي في بلدنا. في البلدان الراقية يريد كل حزب ان يصل الى الحكم لكي يطبّق برنامجه والعضو العادي لا يشتهي ان يصل هو شخصيا الى الحكم ان لم يكن من اللامعين. الإنسان ينتمي الى حزب لكونه يؤمن بعقيدته التي يظن انها منقذة للبلاد واذا رأى أن الحزب فسد يتركه لأن الأعضاء الذين يسيطرون على المكتب السياسي يكونون قد حولوه لمصالحهم المحازبين. تكون العقيدة قد استخدمت في الطمع.
ماذا عندنا نحن؟ انا لست أقول ان ليس عندنا شيء من هذا ولكن السائد ان الفرد الذي ليس خاليا من الأفكار يطمع بالحكم وهو عالم انه وحده لا يستطيع ان يغيّر شيئا وان ثلاثة او أربعة في كتلته لا يقدرون على الكثير. ماذا يدفع المرشّح اذًا الى النيابة؟ ماذا يريد ذاك الذي يعرف شيئا من التشريع او الذي لم يبلغ صعيدا علميا يؤهله لان يفهم البيان الوزاري.
هذه هي بدعة الثورة الفرنسية في شرعتها ان تقول ان كل مواطن مؤهل للترشيح. هنا الطمع بالوصول قد لا يكون مقرونا بحب المال اذ لا شك عندي ان بعضا من النواب طاهرون والبعض من الوزراء كذلك ولكن هذا طمع بالسلطة التي يرى الروحانيون انها أخطر شهوة من شهواتنا. ليس هذا الوضع الذي أناقش فيه أهمية الأحزاب وفاعليّتها. لكن كثرتها لا تغني الأمة وتزيد الصراعات وقد لا يكون بين بعضها فروق كثيرة لا في العقيدة ولا في أسلوب العمل . وأظن ان ما قاله غبطة البطريرك صفير في ان البلد يكفيه حزبان حسب احساساتنا الوطنيّة قول يحتاج الى تأمّل.
في لبنان طمع طوائفي في الحكم. هذا يمكن تسميته الطمع الجماعي او الجمعي. وبعض الطوائف في ممارساتها الدنيوية غدت أحزابا. كيف لا يكون متفرقا بلد يعترف دستوريا بضرورة انتمائك الى واحدة من ١٨ طائفة وكيف تلغي الطمع وتجعله عطاء؟ كيف تميز بين الانتساب الأرضي وانتسابك السماوي او الأخروي؟
قال غير قوم من غير المسلمين ان طائفتهم دين ودنيا. السؤال الكبير هو ما معنى واو العطف. اي ميزان انتخابي او في ممارسة الحكم يجعلك تقول: "وللآخرة خير لك من الأولى" (الضحى، الآية ٤)؟ اي سياسي يسقط الآخرة على الأولى ويكيف هذه بما تقتضيه الآخرة؟
أحببت الآخرة او ملكوت الله كما يقول الإنجيل فليست دنياك كلها سوى مرور الى الملكوت الذي هو في دواخلنا كما يقول لوقا وتخرج انت الى استعمال الدنيا من داخلك وهكذا لا تكون طماعا بها ولكن تكون طامحا الى سيادة الله عليك اي فقيرا اليه ان كنت هنا فقيرا او غنيا او رئيسا او ملكا. اذ ذاك تعطى هذه الدنيا وتزاد وتبقى عاريا منها ومتسربلا النور.
المطران جورج خضر
جريدة النهار

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات