[[/IMG][/URL]

ما هي ميتولوجيا الكأس المقدسة التي شرب منها السيد المسيح في عشائه الأخير مع تلاميذه (متّى 27:26، مرقس 23:14، لوقا 17:22)، وهي اياها التي تقول الميتولوجيا انها جمعت دماءه المقدسة وهو ينزف من جنبه على الصليب؟ ما علاقة هذه الكأس بالميتولوجيا الأريترية الايرلندية وفرسان الطاولة المستديرة؟ وكيف نقرأ اليوم ملحمة البحث عن هذه الكأس او الـGraal؟
لا تصف الاناجيل شكل الكأس، وهي لفظة ظهرت في الأدب للمرة الأولى في القرن الثاني عشر في نصوص مستوحاة من مخطوط ورد ضمن الانجيل الازائي لينقوديموس الذي كتب في القرن الرابع. في هذا الأدب الابوكريفي، تبدو الكأس إناء رمزياً يمثل نور السيد المسيح. ومنذ ذلك الاكتشاف حملت كتب عدة تفسيرات رمزية وباطنيّة مختلفة أتاحت أعمالاً فنيّة منوعة.


في الأدب الوسيطي

ربما ان الكأس اناء مجوف واسع، لاستعمالات مختلفة، وهي ظهرت بهذا المعنى في العام 1150 في نص للأديب Michel Roquebert.
في نهاية القرن الثاني عشر أيقظ Chrétien de Troyes ملحمة الكأس المقدسة في كتاب بعنوان Preceval (ou le Conte du Graal.
في العام 1180 بناء على طلب الكونت Flandres Philippe d'Alsace وهي رواية كُتبت بالفرنسية القديمة، وتنطلق من العمق الميتولوجي لتتحدث عن المغامرة الدينية في القرون الوسطى، وفرسان الطاولة المستديرة الذين يبحثون عن وعاء مجوّف غامض يمنح الحياة الأبدية ولا يقدم الا للذين يشتعلون بالروح القدس. وتناولت الرواية دخول الفارس برسيڤال الى قصر الملك الصياد، في رمزية للإله Nuada في الديانة السلتية، ومشاركته بمأدبة شاهد في خلالها حربة تنزف، وصبية جميلة تحمل كأساً ذهبية مشعة. وتكمل هذه الكاس طلسمانين في الديانة السلتية هما قدر الإله داغدا وكأس السيادة... لكن الأديب توفي قبل ان ينهي كتابه.


الطابع المسيحي

أثرت هذه الرواية في عدد من الكتاب، لكنها اتخذت طابعاً مسيحياً مع Robert de Baron الذي كتب عن البعد المسيحي للكأس المقدسة. ثم صدرت رواية مجهولة الكاتب قدمت رؤية ذات اساس روحي لعملية البحث عن الكأس. وانطلاقاً من هذه المرحلة، بدأ الحديث عن الكأس المقدسة للسيد المسيح.


يوسف الرامي

جاء عنوان كتاب Robert de Baron بعنوان "يوسف الرامي او رواية تاريخ الكأس المقدسة" ربط فيها الكاتب ما بين الوهم الروائي والميتولوجيا المسيحية، مستعرضاً تاريخ الكأس منذ السيد المسيح الى برسيڤال، فرأى انها هي كأس العشاء السري، وهي اياها التي حملها يوسف الذي من الرامة والتقط فيها دم المسيح، فاجترحت عجائب عدة، مادية وروحية، في خلال وقوع يوسف في الاسر، ثم في خلال الرحلة التي قام بها مع عدد من رفاقه الى الغرب، وتحديداً الى بريطانيا العظمى. في هذه الرواية تطورت دورة الكأس المقدسة متأثرة بمختلف وجوه الاتجاهات المسيحية لترمز الى الافخارسيتا، والخلاص، ونعمة الروح القدس، من دون ان تفقد، في الوقت نفسه، خصائصها السحرية المتوارثة من الادب الايرلندي القديم، لاسيما في جانبه الديني.
مع مرور الوقت، تأثرت مخيلة الكتّاب بهذه الملحمة فأضافوا اليها عناصر جديدة منها سيف مغروس في الصخر، قبّة غامضة، ميتولوجيا القصر الضائع، الملك الصياد، والحربة التي تنزف... فبالاضافة الى البعد الصوفي المسيحي الذي تجسده، ترتكز الكأس اساساً على مجموعة من المعلومات السلتية والغنوصية، وتمتزج فيها تداخلات سحرية دينية سلتية وعناصر غنوصية انطلاقاً من الاناجيل الازائية، والعقيدة المسيحية الأكثر ارثوذكسية.


في السينما والأيقونات والموسيقى

اهتمت السينما العالمية بموضوع الكأس المقدسة للسيد المسيح، فأنتجت منذ 1937 اكثر من 25 فيلماً سينمائياً من ابرزها: Perceval le Gallois للمخرج ERIC Rohmer في 1978، وExcalibur للمخرج جون بورمان في 1980، وانديانا جونز للمخرج ستيڤن سبيلبرغ في 1988، وصولاً الى Da Vinci Code للمخرج Ron Howard في 2003.
دخلت الكأس المقدسة الى الايقونوغرافيا، ومن بين ابرز الذين رسموها، نذكر لوحة للفنان Juan de Juanes في سنة 1570 وهي موجودة في متحف برادو في مدريد؛ ولوحة لـ Dante Rossetti في سنة 1860؛ ولوحة لـ William Morris في سنة 1890؛ ولوحة للفنان Arthur Rackham في سنة 1917.
استوحى الموسيقي ريتشارد فاغنر من كتاب بعنوان Paszifal للالماني Wolfman Von Eschenbach في العام 1205 وألّف مقطوعة موسيقية حملت العنوان إياه. ومن المعروف ان هذا الكاتب البافاري وصف الكأس المقدسة كحجر من نور سقط من الجنة يحرسه فرسان الهيكل، تظهر عليه قربانة مقدسة كل نهار جمعة من كل اسبوع.
نشرت الدور العالمية كتباً عدة حول الكأس المقدسة من ابرزها "لمحات عن الباطنية المسيحية" للفرنسي Réné Guénon في 1954، و"الاسلام والكأس المقدسة" للفرنسي Pierre Ponsoye في 1976؛ و"الغرال والحداثة" في عمل مشترك لمؤلفين عدة، في 1996؛ و"الغرال في الواجهة" للفرنسية Isabelle Cani في 2005.
ثمة مواقع الكترونية عدّة للحصول على مزيد من المعلومات حول هذا الموضوع، لعل ابرزها
www.graal.be


الأمكنة المرتبطة بالكأس

تدّعي كنائس عدة حصولها على الكأس الأساسية المقدسة، من بينها:
- كاتدرائية فالنسيا في اسبانيا.
- كاتدرائية جنوى في إيطاليا.
- متحف Metropolitan في نيويورك.


رمزية ميتولوجيا الكأس المقدسة

تتطابق ميتولوجيا الكأس المقدسة، من دون شك، مع عدد من النماذج العامة في الانسانية جمعاء. ويمكن اعتبارها كذلك بحثاً في سر الحياة، فترمز الحربة التي طعنت قلب السيد المسيح الى المبدأ الذكوري، والكأس المقدسة الى المبدأ الانثوي، فينتج من اتحادهما الخصب الضروري للحياة.
رأى عدد آخر ان هذه الميتولوجيا تمثل التوق الى معرفة الأسرار الغامضة المغلقة. وفسّرها عدد آخر، من الناحية النفسية، بأنها اجتياح اللاوعي عبر تحقيق خلاصة الوعي واللاوعي.
مسيحياً، ترمز هذه الكأس الى النعمة الإلهية، ويرمز البحث عنها الى ضرورة البحث عن الاسرار الكبرى للسيد المسيح. فهي تمثل السيد المسيح الذي مات ليخلص العالم، كما تمثل العشاء السري وكأس دم الذبيحة الالهية. وترمز الطاولة التي يوضع عليها هذا الاناء الى حجر القبر، والى طاولة التلاميذ الاثني عشر، والى المذبح حيث يحتفل بالذبيحة الالهية. هذه الحقائق الثلاث: الصلب، والعشاء السري، والافخارستيا، غير قابلة للانفصال؛ واحتفال الكأس المقدسة تعبير عنها، فتصبح المناولة معرفة شخص السيد المسيح والاشتراك في الخلاص. وهذا الرمز لا يبتعد كثيراً عن التفسير التحليلي ليونغ الذي رأى ان الكأس المقدسة ترمز الى الكمال الداخلي الذي طالما بحث عنه الناس.


رسالة حية باستمرار

لا تزال الكأس المقدسة تؤثر في الدورة الوجودية لعدد كبير من الكتّاب والفنانين والباحثين المعاصرين.
اكثر من مغامرة مفتوحة، تلتزم الكأس ان ترسم درجات الزهد التي على النفس ان تعبرها نحو كمالها. وهي ليست قريبة، لكنها ليست بعيدة، انها خارج الامكنة، توفّر اليقظة لمن يبحث عنها.
لا تزال الكأس المقدسة تبهر الباحثين برسالتها الانسانية، وهي تتطلب مقومات حياة داخلية نادراً ما تجتمع في شخص واحد.
من جهتنا، نفتش عن يسوع، نبحث عن كأسه ورسالته في كل مكان، فلا نعثر عليه ولا نلمحه، علماً بأنه واقف يقرع طالباً السماح بالدخول على قلوبنا وحياتنا.
منذ اكثر من ألفين، يقف هذا اليسوع على كتف الزمن، يحمل العالم بهمومه كُرة بين يديه، فيشاطر المتألمين آلامهم، والموجوعين اوجاعهم، والقلقين قلقهم، ويقوي ضعفهم، ويدعوهم الى اللجوء اليه، فهو "الطريق، والحق، والحياة" (يوحنا 6:14)، وهو الذي بموته على الصليب حرر الناس من الخوف من الموت، وبقيامته "غلب العالم" (يوحنا 33:16).

جان م. صدقة
( باحث متخصص في الميتولوجيا والعلوم الدينية.)