"تربية الطفل تبدأ من قلبك"
(من حديث للأب جورج رومانينكو)



"الأب جورج رومانينكو هو المتقدِّم في الكهنة في قرية بوريسوفو في نطاق إيبارشية موسكو. وهو أيضاً طبيب نفساني مشهور للأطفال. وقد قابلناه لنناقش معه مشاكل الصحة الذهنية للأطفال".
(محرر وكالة أنباء Pravoslavia)

س - أيها الأب، لقد صرتَ كاهناً لأعوام عدة، وما زلتَ تمارِس الطب النفسي. فهل عندك الكثير من المرضى؟

ج - نعم، الكثير، ولكني لا أُعالجهم. فأنا أؤدِّي لهم بعض الاستشارات الطبية ونوعاً من الإرشاد الاجتماعي، ثم أوجِّههم بعد ذلك، إما بأن أرسل بعضهم إلى الأطباء، والبعض الآخر إلى المستشفى، وآخرين أنصحهم بارتياد الكنائس.

س - هل أمراض الأطفال الذهنية منتشرة في أيامنا؟
ج - إن كنا نأخذ في الاعتبار الظروف المتغيِّرة، فإن الكثير من الناس ليسوا على ما يرام. فنسبة الناس ذوي الأمراض الخطيرة مثل: الشيزوفرنيا (انفصام الشخصية) لا تتغيَّر، ولكن عدد مرضى الاضطرابات العصبية يزداد كل عام.

أما بخصوص مرحلة المراهقة فإن 90 % من الأطفال في هذه المرحلة يُعانون من مشاكل ذهنية، سواء كانت ذات سمة بسيطة أو خطيرة.
س - وما الذي يسبِّبها؟
ج - أولاً، هي مرتبطة بالوراثة وبالحالة الصحية للوالدين وهما مصدر الجينات المختفي. ثانياً، هي ذات صلة بتربية الأطفال. وثالثاً، الوسط الذي يعيشون فيه: مثل مواد التليفزيون المشوبة بالعنف والفن الهابط، وأفلام الكارتون المُرعبة، والعروض الجسدانية ذات العنف؛ كل هذه تجعل من صحتهم ليست على ما يُرام ويتفاقم ضررها.

س - وأية أمراض هي الأكثر انتشاراً وخطورة؟
ج - أنت لا يمكنك أن تُصنِّفهم إلى خطيرة وبسيطة. فقد يُصاب طفل بالرُّعب، وآخر باعتياد التشنُّج، وثالث باضطرابات عاطفية. حينما تصطدم سيارتك، فلن يمكنك استعمالها سواء لأن المحرِّك محطَّمٌ أو الإطارات قد أفرغت هواءها، فأنت لن يمكنك ركوبها. أما بالنسبة لمرحلة المراهقة، فالمرض يصير إلى أسوأ، ويكون مستعدًّا لإفراز جيل جديد من المرض.

س - صورة مُرعبة بلا شكَّ. هل هذا يعني أن الأمور تؤول إلى الأسوأ في كل عام؟
ج - قد يولد الأطفال أصحاء بدنياً، ولكن تتدنَّى عندهم إمكانية الاستجابة، إذ يجدون صعوبة في مقاومة الظروف المليئة بالإثارة، ويصير سقوطهم صرعى المرض أسرع.

س - بحسب الإحصاءات، معظم الأطفال مرضى، لكن والديهم لا يمكنهم كثيراً أن ينتبهوا. لذلك، لأنه بحسب تصويرك الذي ذكرته لنا، كثيراً ما يأخذ المرض أشكالاً مختفية. فكيف يمكن أن يعرف الإنسان الحالة غير الطبيعية لأطفاله، وما الذي يجب أن ينتبه إليه الوالدون؟
ج - يجب أن ننتبه أولاً: للمخاوف، والإفراط في النشاط، وفقدان الانتباه؛ وعلى الأخص يجب أن ننتبه إلى حدَّة الطبع، وسرعة الهياج، والسادية عند الأطفال (التلذُّذ بإيلام الآخرين)، بعض السلوك الغريب (مثلاً، طفل يحب بإفراط لعبة واحدة أو يرسم باستمرار منظراً واحداً). أو مثلاً: طفل يُعذِّب كلباً أو قطة، ثم يقرر الانتقام من أصدقائه الذين يُعادونه. ماذا نفعل حينذاك؟ هل نحاول أن نجد سبيلاً لمنعه من مثل هذه التصرفات في المستقبل؟ يجب أن تنتبه إلى ما إذا كان الطفل يسلك باستمرار مثل هذا السلوك الخاطئ كما أنك قد تجد مشاكل لتأسيس صلة مع طفلك، أو قد يكون طفلك قد حدث له أثناء الولادة ضغط على الجمجمة والمخ نتيجة ولادة عسرة. فإن كنتَ تحس بأن هناك مشاكل في التواصل بينك وبين طفلك، فاستشر عالماً نفسانياً في البداية، فإن أوصاك أن تلجأ إلى طبيب نفساني أو طبيب أعصاب للأطفال، فلتفعل ذلك، وقد يعطيك الطبيب علاجاً أو توصيات لنظام خاص لطفلك.

س - كيف يمكن أن نمنع الأمراض الذهنية لدى الأطفال؟
ج - الطريقة الوحيدة هي أن نربِّي الطفل بالطريقة اللائقة.

س - فإن كان المراهق كثير التقلُّب، عدوانياً، غير متأدِّب في السلوك، ويصير مرهف الحساسية، وقد انقطعت أواصر الاتصال به، لكن كل الذين حولك يقولون للوالدين أن هذا أمر عادي، ولا يجب أن يسبب لهم قلقاً، وكل واحد يشجِّع مثل هذه التصرفات. هل أنت تشجِّع مثل هذه النصيحة؟
ج - لا، نحن لا نشجِّع هذا؛ بل إن الحالة الذهنية للناس في كل مرحلة من مراحل عمرهم، بما فيها مرحلة المراهقة، تسوء. كان القديس يوحنا ذهبي الفم يقول إن هذه المرحلة هي أكثر المراحل صعوبة. فلا أحد يمكنه أن يتنبَّأ بالتحديد كيف سيكون هذا الشاب فيما بعد. الله وحده يعلم. يجب أن تتذكَّر أنه في أية مرحلة لا يصح أن تستثير غيظ أطفالك، وفي الوقت نفسه لا يجب أن تفعل لهم كل ما يطلبونه. فهناك قاعدة ذهبية: ربِّي الأطفال بحزم ولكن في محبة. إحكام الرقابة عليهم غير مقبول، فالطفل هو شخصية حُرَّة أحبها الله. والوالدون يجب أن يتعلَّموا كيف يكونون متضعين، صبورين، يتحمَّلون مصاعب عَقْد الصلة مع أبنائهم بالمحبة، ولكن إن تعدَّى سلوك الطفل الحدود، فهناك يأتي التأديب ويكون شديداً.

س - تنقسم الآراء حول موضوع تأديب الأطفال، فالبعض يقترح أن الطفل لا يجب أن يُضرب؟
ج - لا، بل يجب ويتحتَّم أن تؤدِّب طفلك، حتى لا يتعوَّد الطفل على السلوك السيئ. فإذا ساء جداً سلوكه فقد يبصق على أو يلعن والدته ووالده، أو يستهين بالأيقونات. فلابد أن توضح له أن مثل هذا السلوك غير مقبول البتة، فإن استمر في أن يسلك هكذا، فلابد من تأديبه. على أن لا يكون التأديب بخفة وكأنك تتصنع تأديبه، حذار من هذا وإلاَّ فإنه سيكبر وهو يعشق الألم ويتلذذ به (المسمَّى الماسوشية masochist).

والتأديب يجب أن يكون سريعاً، دَعْه يصرخ، ولكن بعد أن يهدأ، اشرح له لماذا فعلتَ معه هكذا، لأنك تحبه. لا تتراجع وتقول له: أخطيت سامحني. أما إذا لم يرد الطفل أن يُغيِّر من سلوكه بأية طريقة، فخُذه إلى طبيب نفساني. في بعض الأحوال، لا يكون في إمكان الأطفال أن يضبطوا أنفسهم على الإطلاق، وحينئذ يكونون قد صاروا مرضى فعلاً للأسف.
س - ما الذي يجب أن نتفاداه في تربية الأطفال؟
ج - لا تتمادى في أي اتجاه. فمرة مثلاً بينما كنت أمشي في الطريق انزعجتُ من صوت امرأة تصرخ. فظننتُ أن أحداً قد قُتِل، فجريتُ نحوها، وإذا بها أُم شابة تتكلَّم إلى طفلها ذي السنتين من عمره الذي كان يسير خائضاً في الوحل. ما أتعس هؤلاء الأطفال، الذين تقضي أُمهاتهم طيلة النهار في صراخ قائلة: "لا تفعل هذا، ولا تفعل ذاك"!!

إن الطفل هو طفل الله وليس طفلك أنت. إنه ذو شخصية منفصلة متميزة. ولابد أن تعامِل الطفل وتربِّيه باعتباره شخصية متميزة، بروح المحبة والحرية. موهبة الحرية هي، بحسب آباء الكنيسة القديسين، أعلى من موهبة المحبة. وبينما نحن نربِّي الطفل، يجب أن نتذكَّر دائماً أبداً أن أمامنا صورة ومثالاً لله. وحتى حينما نؤدِّبه أو نشجِّعه فيجب أن نتذكَّر ذلك. فلنربِّي طفلنا بالمحبة، والصبر، والتواضع، واللطف؛ ولكن دون أن نذلَّه أو نهاجمه أو نستثيره أو نجربه.
س - إذن، الإفراط في الرقابة هو أمر سيئ للأطفال؟
ج - طبعاً، كل ما هو مفرط هو مؤذي، يجب أن تعرف الحدود، فلا يجب أن تسود على أو تعذِّب طفلك، وإلاَّ سيصير مدمناً للمخدرات، كما يجب أن لا تتركه يستخدمك بمكر لتنفيذ أهوائه. ولكن كيف يمكنك أن تجد الوسطيَّة الذهبية هذه؟ كيف تفهم متى يجب أن تؤدِّب طفلك، ومتى ترى أنه من الأفضل ألاَّ تفعل ذلك؟ أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، المؤشر الوحيد والمرشد الوحيد لكم هنا هو محبتكم لطفلكم. فأنت حينما تربِّيه فإنك تحبه. فقلبك المُحب سيجعلك تعرف متى يجب أن تؤدِّب ومتى يجب أن تتغاضى وتُسامح. فتربية الطفل تبدأ من قلبك. فإن كنت لا تحب طفلك محبة حقيقية، فلن يمكنك أن تربِّيه كما يجب.

والوالدون يحتاجون - على الأخص - إلى الصبر. فحينما يبلغ أطفالك مرحلة المراهقة، لا تحاول أن تلح عليهم وتحاصرهم وتضغط عليهم بشدة دون سبب مهم. إن 90 % من انحراف الشباب في هذه المرحلة يأتي عادة نتيجة المحاصرة المفرطة من الوالدين، وهذا يأتي بالذات من الأمهات. والشباب المراهق الذين ينضغطون في مرحلة المراهقة ينمون بطريقة غير سوية، فلا يشعرون بالحرية، ولا يحسون بالله، بل قد يتحوَّلون سريعاً إلى أدوات وكأنهم ليسوا بشراً. اخْتَر، أو اختاري، الأسلوب والألفاظ التي بها تحذِّر ابنك - أو تحذرين ابنتك - من مرافقة طرف آخر غير مرغوب فيه. وعلِّمه وعلِّميه أنكَ وأنكِ تصلِّي وتصلِّين من أجله لكي يبصِّره الله بأين الصحيح وأين الخطأ في هذه العلاقة أو ذاك التصرُّف. وصلُّوا، أيها الآباء والأمهات، كثيراً وبدموع إلى الله، في المخدع وفي الكنيسة، من أجل أطفالكم، وخذوا لكم القديسة مونيكا شفيعة لكم، فدموعها أنقذت وأرجعت ابنها ليكون أحد أعاظم القديسين في تاريخ الكنيسة المسيحية، وهو القديس أوغسطينوس.
نحن محظوظون أن نوجد في الكنيسة الأرثوذكسية حيث فيها الرب الإله الضابط الكل، الحق نفسه، هناك يصير أيسر علينا أن نربِّي طفلنا كما يجب. فإنه يمكنك أن تربِّي طفلك حسناً في أسرة من المؤمنين، أو على الأقل وسط مَن يسعون في أثر الإيمان. لأنه لا علماء النفس، ولا الأطباء، ولا المربُّون، بكل علومهم وخبراتهم، يمكنهم أن يغرسوا في الأطفال روح الشفقة والمحبة والعفة والتحنُّن. فمثل هذه الفضائل والقِيَم تُغرس فقط داخل الكنيسة.
س - أيها الأب، أنا أعرف أسرتين أعطَوْا أطفالهم مطلق الحرية. فلا يقومون بأية واجبات داخل البيت، وبناتهم يرجعن متأخِّرات إلى البيت، وهم يرتِّبون برنامج يومهم بأنفسهم، ويشترون حاجياتهم بأنفسهم.
ج - وهل أنت تسمح لابنك أن يتزوَّج فتاة من إحدى هاتين العائلتين؟ أنا لا أسمح بذلك. فالذي يبحث عن شريك حياة، لا يأخذ مَن يأكل فقط ويشرب ويحضر الحفلات. فأين الواجبات؟

س - لكنهم يُذاكرون وهم ناجحون في دراساتهم.
ج - لا، الطالب الناجح أبعد ما يكون عن هؤلاء. أن تسمح لابنك بكل شيء، فهذه أكبر غلطة، إنها خطية، لأن القِيَم الفاضلة مثل المشاركة والرحمة لا تنمو في شخصٍ من تلقاء ذاتها. انظر إلى الأطفال في المدرسة، كيف ينادون على بعضهم البعض بأسماء هجومية، كم من الشراسة تتصف بها أخلاقهم، وبأي قسوة يضربون بعضهم البعض. إن الخبرات السامية والأفكار والأحاسيس الراقية يجب أن تُغرس في الأطفال. ماذا تنتظر من طفل ينمو بحرية مُطلقة؟ فقد يحب هذه الحرية ولكن بدون الله الذي ينبغي أن يسكن في نفسه. يجب أن نقاوم الاتجاهات السيئة منذ البداية. يجب أن يعرف الطفل ماذا تعني كلمة "لا"، أي أن هناك أشياء يمكن أن تكون ممنوعة عليه.

س - ما هو الأسلوب الأفضل لوالد مُفرد أو والدة مُفردة (أي يعيش وحده أو تعيش وحدها لغياب الطرف الآخر) لتربية طفله أو طفلها؟
ج - في أسرة غير متكاملة (والد بمفرده أو والدة بمفردها) ينمو الطفل بطريقة غير متكاملة. المرأة لا يمكنها أن تُنشِّئ رجلاً، ذلك لأنها امرأة. ومن الصعب عليها أن تُنشِّئ ابنة بدون أب أيضاً؛ إذ كيف يمكن للمرأة أن تعطي ابنتها فكرة عن معنى الأسرة، وعن دور المرأة، وعن تبادُل العلاقات الأُسَريَّة في العائلة؟ أيتها النساء العزيزات، احتفظن بأُسَرِكنَّ، احفظن أزواجكن آباء أطفالكن. فكثيراً ما ينفصل زوجان بسبب مناقشة تافهة، أو على أمور كان يمكن أن تُسوَّى. دبِّروا أنفسكم في علاقاتكم مع شريك حياتكم من أجل أطفالكم، والله سيُبارككم ويجزيكم خيراً. فإن ترككِ زوجكِ، اسعي - بعد محاولات المصالحة - إلى تأسيس عائلة جديدة. فإن لم يمكن، فاقضي أكبر وقت مع جدَّهم، وذلك حتى يكون لرجلٍ حضور في البيت. هذا الوضع لم يقترحه أو يخترعه الأطباء النفسانيون أو علماء النفس، بل هي مشيئة الله.

س - ما هو الأسلوب الأمثل لحفظ الأطفال في صحة طيبة بالوضع الموجودين فيه؟
ج - أولاً وأهم من كل شيء، يجب أن يكون السلام مرفرفاً على الأسرة. والطريقة الوحيدة لحلول السلام في الأسرة أن يكون هناك إنسان ما عنده اتضاع. ثانياً، علِّم طفلك كيف يؤمن بالله. خُذه إلى الكنيسة، اقرأ معه الكتب النافعة. ثالثاً، يجب أن يكون الوالدان وأبناؤهما منفتحين بعضهم على البعض، حتى لا يلجأ الأطفال إلى أن يكذبوا على والديهم أو يتملَّقوهم. ويمكنك أن تحقِّق ذلك بقدوتك أنت. لا تذكر لابنك أنك لن تستطيع أن تشتري له هذه الملابس أو غيرها لأنه يعوزك المال ثم يراك تصرف المال في شيء آخر. يمكنك أن تذكر له بأمانة أن المال الذي معك سيُصرف فيما هو أكثر لزوماً، وهذا هو السبب الذي لن يمكنك أن تشتري هذا الشيء أو ذاك. من الأهمية جداً ألاَّ نكذب داخل الأسرة.

س - هل عدد الأطفال في الأسرة عامل مهم للصحة الذهنية للطفل؟
ج - المستوى العادي هو طفل أو طفلان ينموان معاً، أو ثلاثة على الأكثر. والأطفال ينمون معاً نموًّا سليماً إن كانوا أكثر من واحد في الأسرة؛ حيث تكون شركة في كل شيء، والكل لنا، ونحن عائلة واحدة. وكل واحد يعمل ويتعلَّم أن يعتني بالإخوة الآخرين، والمرأة "ستخلُص بولادة الأولاد." (1تي 2: 15)