+ «إن كنتُ أُبشر فليس لي فخر، إذ الضرورة موضوعة عليَّ» (1كو 9: 16).
صورة عالمنا المعاصر الذي تُدعَى الكنيسة الأرثوذكسية لتشهد له عن إيمانها وعقيدتها وروحانيتها، إنما هو عالمٌ معقَّدٌ. ففيه من الأسباب العنصرية والقومية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والأسباب الأخرى التي تفصل البشر بعضهم عن البعض، بل وكثيراً ما تخلق حواجز تجعل الحوار والشهادة للحق مهمة صعبة.
ومن الناحية الدينية، نجد أن الشعوب تنقسم إلى نوعين رئيسيَّيْن: مسيحيين وغير مسيحيين. ولكن الحدَّ الفاصل بين المسيحيين وغيرهم ليس دائماً واضحاً، وذلك بسبب تأثير الدنيويات على المسيحيين. فضلاً عن أن مظهر المسيحية المأساوي هو انقسامها إلى طوائف عديدة متباينة. بالإضافة إلى أنه لا تزيد نسبة عدد الأرثوذكسيين بين المسيحيين عن 21%. فالأرثوذكسية، إذن، مدعوَّة لأن تقدِّم شهادتها وسط العالم المسيحي المنقسم، من ناحية؛ ووسط شعوب العالم ككل، من ناحية أخرى.

+


الشهادة الأولى: الثالوث الأقدس والمحبة

شهادة الأرثوذكسية أساسها هو الثالوث الأقدس الذي استُعلِن للإنسان في المسيح لأجل خلاص وتجديد حياة الإنسان. ولا ننسى أن هذه الشهادة كانت مختفية تقريباً وسط المجال التبشيري في الألفية الثانية لأسباب تاريخية وغيرها.
ولكن، ما هي الحقائق التي يمكن للأرثوذكسية أن تُقدِّمها للمسيحي ومجتمع عصرنا الحاضر؟ ما هي الأمور الجُدُد والعُتَقاء التي يمكن أن تُخرجها من كنزها للمسيحيين الذين هم خارج حدودها وللبشرية بصفة عامة؟
شهادة المحبة:
أول وأعظم شهادة أساسية للأرثوذكسية مدعوَّةً لتقديمها لعالم اليوم المنقسم والذي تتغلب عليه النزاعات، إنما هي شهادة المحبة. والمقصود من ذلك الشهادة لله نفسه، لأن «الله محبة» (1يو 4: 8و16). فمن البديهي أن هذه الشهادة هي المسئولية المشتركة للمسيحية ككل، وليس للأرثوذكسية وحدها. فما يجب ملاحظته هنا هو أن الإيمان الصحيح بالله في الأرثوذكسية يقود أيضاً إلى الرؤية الصحيحة بخصوص المحبة. وبالتالي، فإن الشهادة الأرثوذكسية عن المحبة تنطوي على قيمة وأهمية خاصة للعالم الحاضر.
المحبة الحقيقية التي تُعبِّر عنها الشركة بين أقانيم الثالوث الإلهي، علامتها المميزة هي عدم الأنانية، لأن كل أقنوم في الحقيقة إنما هو إله كامل بحسب الجوهر، وبالتالي فإن شركة المحبة بين الأقانيم الثلاثة يجب أن تُفهَم بأن الغرض منها ليس إشباع حاجة كل أقنوم على حِدة؛ بل بالحري أنها تعبير عن ملء الشركة غير الأنانية بين الأقانيم الثلاثة. إنها طاقة محبة فيَّاضة بلا حدود! لقد تحوَّلت سقطة الإنسان، بواسطة حب الله، لتصير هي نقطة البداية لتجديده ومشاركته في الطبيعة الإلهية! وبالتالي فإن المحبة المسيحية يمكنها أن تهزم شرَّ العالم والشيطان، وتُحوِّل عثرات الإنسان المعاصر إلى فرص جديدة.

+


الشهادة الثانية: الإيمان والرجاء والحرية الحقيقية

والواسطة التي بها يتخذ الإنسان حب الله لإعلان المحبة بواسطة الفداء والتجديد ويتخذه لنفسه، لكي يصبح تابعاً لهذا الحب وبالتالي شاهداً له بين الناس؛ إنما هما الإيمان والرجاء. فالإيمان يستلزم الرجاء، والرجاء يظل بلا سند بدون الإيمان. فالذين يؤمنون بالله هم الذين لهم رجاء (2كو 10: 15)، في حين أن الذين لا يؤمنون بالله هم الذين لا رجاء لهم (أف 2: 12).
والكنيسة الأرثوذكسية تتمسَّك بأنها تُحافظ على الإيمان الحقيقي والرجاء اليقيني، أي الاعتقاد الصحيح بخصوص الله الذي سبق أن رآه الأنبياء وعلَّم به الرسل، وتقبَّلته الكنيسة، وأَعدَّ الآباء صيغته، وقَبـِلَه العالم. فالقديس غريغوريوس النيسي يقول: ”إنه لبرهانٌ كافٍ على تعليمنا أن لنا تقليداً منحدراً إلينا من الآباء، وقد صار كميراثٍ من الرسل وبواسطة القديسين الذين جاءوا بعدهم“(2).
بالإيمان يقبل الإنسان حب الله، كما استُعلِن في سرِّ التجسُّد، تجسُّد ابن الله في التاريخ؛ كما أنه بالرجاء ينتظر ظهوره المجيد مرة أخرى في الأزمنة الأخيرة.
فالإيمان والرجاء، إذ يشيران إلى بُعْدَي الزمن: الماضي والمستقبل، فهما يربطان الإنسان بحب الله الذي ظهر في العالم، وأيضاً الذي ينتظره العالم بآن واحد. وأنْ نعيش حب الله في الزمن الحاضر كتعبير نشيط وفعَّال عن الإيمان والرجاء، فهذا يُشكِّل الشهادة المسيحية لحضور الله بين الناس، ويُحوِّل الحاضر إلى مجال يُستَعلَن فيه حب الله: «بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي، إن كان لكم حبٌّ بعضاً لبعض» (يو 13: 35)، وأيضاً: «إن أحب بعضنا بعضاً، فالله يثبت فينا، ومحبته قد تكمَّلت فينا» (1يو 4: 12).
الحب هو الحياة في الإيمان والرجاء في الدهر الحاضر، الذي توجد فيه الإمكانية لأن نعيش الحب الإلهي.
شهادة الحياة كذبيحة:
الشهادة لحب الله لا يمكن أن يُقدِّمها المؤمن كتعليم نظري، بل فقط كحياة وذبيحة. فباعتبار أن شهادتنا حياة، لابد أن تكون مؤسَّسة على القيمة الحقيقية للإنسان أمام الله والتي قدَّمها المسيح للعالم. وباعتبار هذه الشهادة ذبيحة، فهي تتحقَّق في التشبُّه بذبيحة المسيح والمشاركة فيها.
فالإنسان يمكنه فقط بمشاركته في حياة المسيح وموته وتشبُّهه بهما، أن يتغلَّب على الخوف من الفساد والموت، وأن يغرس حُباً حقيقياً تجاه الآخرين.
والقديس باسيليوس يقول: ”لا يوجد إنسان يمكنه أن يُحقِّق كمال الحب، إلاَّ فقط بخلع الإنسان العتيق الذي حطَّمته الشهوات الخادعة، ثم لِبس الإنسان الجديد الذي استُعيد إلى صورة الخالق“(3).
المحبة الحقيقية تتطلَّب إماتة الذات، وقبول هذه الإماتة باعتبارها الطريق إلى الحياة. فالحياة للمسيحي ليست هي الحفاظ على تأدية الوظائف العضوية الشخصية؛ بل بالحري التفوُّق عليها، وارتباطها بينبوع الحياة الشخصية غير الفانية التي هي الله، كما يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: ”حياة واحدة شاخصة في الحياة (الحقيقية)“(4).
إن الله هو، بآنٍ واحد، ينبوع الحياة، وينبوع الحب. لذلك فإن المشاركة في حياة الله هي بالضرورة مشاركة في حبه! والقديس إغناطيوس يُعرِّف الإيمان بأنه بداية الحياة، وأن الهدف منه هو الحب (رسالته إلى أفسس 14: 1).
وحيث إن الإيمان هو التعرُّف على حب الله وقبوله، وبالتالي اختباره هذا الحب والتعبير عنه، فمن الطبيعي أن كل ما في الحياة ينبغي أن يتطابق مع هذا الحب.
والعلاَّمة كليمندس الإسكندري يرى أن الحياة في الإنسان هي: ”معرفة الله، وتخصيص الحياة له، وحبُّنا له، وتشبُّهنا به“(5).
وبالتالي يجب أن نضع في اعتبارنا أن افتداء حياة الإنسان ينبغي أن يتم بواسطة إنكار الذات. فالقديس باسيليوس يحثُّنا بقوله: ”الأمر الذي يكون بالإجبار، اجعله طوعياً. فلا تستبقِ (لنفسك) حياة تستلزم إنكار الذات“(6).
([1]) مقتبس باختصار عــن مقال: The Witness of Orthodoxy to the Contemporary World، الذي نُشر في مجلة: St. Vladimir, Vol. 17, 1973, p. 170، لمؤلِّفه George Mantzarides وهو أستاذ علم الأخلاقيات في كلية اللاهوت - جامعة تسالونيكي باليونان، وقد ترجمه عن اليونانية Dr. Stanley S. Harakas.
(2) Contra Eunom., I; PG 45,653 B.
(3) Homily on Psalm 44,2; PG 29,392 AB.
(4) Hom.18,42; PG 35,1041 A.
(5) Quis dives salvetur 7.
(6) Hom. 18,8; PG 31,5
[line]-[/line][line]-[/line][line]-[/line]


+ «إن كنتُ أُبشر فليس لي فخر، إذ الضرورة موضوعة عليَّ» (1كو 9: 16).
صورة عالمنا المعاصر الذي تُدعَى الكنيسة الأرثوذكسية لتشهد له عن إيمانها وعقيدتها وروحانيتها، إنما هو عالمٌ معقَّدٌ. ففيه من الأسباب العنصرية والقومية والاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية والأسباب الأخرى التي تفصل البشر بعضهم عن البعض، بل وكثيراً ما تخلق حواجز تجعل الحوار والشهادة للحق مهمة صعبة.
فالأرثوذكسية، إذن، مدعوَّة لأن تُقدِّم شهادتها وسط العالم المسيحي المنقسم، من ناحية؛ ووسط شعوب العالم ككل، من ناحية أخرى.
وقد تحدثنا في العدد السابق (يناير 2006، صفحة 30) عن أن شهادة الأرثوذكسية أساسها الثالوث الأقدس الذي استُعلِن للإنسان في المسيح من أجل إظهار محبة الله للإنسان، ومن أجل خلاص وتجديد حياة الإنسان، وهذه هي الشهادة الأولى. أما الشهادة الثانية التي تحدَّثنا عنها فهي الإيمان والرجاء والحرية الحقيقية.
وسنستكمل في هذا العدد الحديث عن هذه الشهادة الثانية؛ ثم نتحدث عن الشهادة الثالثة وهي قيمة اختبار السكون الروحي في حياتنا البشرية.


(تابع) الشهادة الثانية: الإيمان والرجاء والحرية الحقيقية


الرهبنة كمَثَل أعلى للمحبة والإيمان والرجاء:
هذا هو الاتجاه الذي تحرَّكت فيه الكنيسة من خلال قديسيها وشهدائها. وقد تبع هذا الاتجاه المتين الرهبان والنسَّاك في الأوقات السلامية للكنيسة، بالصبر، وبشهادة الضمير، وبالموت عن العالم. والأرثوذكسية التي احتفظت بمنهج الحياة الرهبانية كمَثل أعلى للحياة الاجتماعية، ظلت دائماً مُخلِصة لهذا الاتجاه.
وتفضيل المسيحيين الأرثوذكسيين لإبادة الإمبراطورية البيزنطية على إنكار إيمانهم الأرثوذكسي(1)، إنما هو مثال لمكانة هذه الرؤية. وذلك فضلاً عن أن إيمان الأرثوذكسيين الذي لا يهتز بخصوص الاستمرار الأبدي لميراثهم الروحي، يشهد كيف أنهم يمكنهم أن يقبلوا الموت على أنه هو الحياة في الرب.
الأرثوذكسية اليوم، ولا سيما الرهبنة الأرثوذكسية، كحياة إماتة وقبول للموت المؤدِّي إلى الحياة؛ إنما هي المؤشر الأكيد لطريق إنكار الذات. ولذلك فإن تفسير روح الأرثوذكسية، ولا سيما روح الرهبنة الأرثوذكسية، يُقدِّم نوع الشهادة الأكثر أصالةً للعالم المعاصر. وقد صار للغرب الآن مفهومٌ أفضل لأعماق الرهبنة الأرثوذكسية، وهذا يمكن أن يكون إشارة هامة إلى إمكانيات الحوار اللاهوتي بين الشرق والغرب بعمق أكثر.
حب الله يحترم الحرية الإنسانية:
الحب الحقيقي هو ثمرة الإيمان، وعند المؤمن الحقيقي يدل على احترام حرية المحبوبين،لأن حب الله للعالم في الحقيقة، ليس تعبيراً عن الاحتياج، بل عن الحرية. فالعالم لم ينبثق من جوهر الله، بل من قدرته الحُرَّة الخلاَّقة. إنه «كل ما شاء الله صَنَعَ» (مز 135: 6). والإنسان كصنيعة قدرة الله الخلاَّقة، هو ينتسب إلى الله من خلال قدراته الفعَّالة، أي مباشرةً وبصفة شخصية، وليس بواسطة الجوهر أو من خلال بعض الوسائط المخلوقة أو غير المخلوقة. وبالتالي، فإن العلاقة بين الله والإنسان، إنما هي علاقة شخصية، لا تفرضها طبيعة مجهولة، ولا تُحتِّمها مشيئة تُقيِّد حرية الإنسان.
حب الله لا يُقيِّد الحرية الإنسانية، بل هو بالحري يفترض وجودها مُسْبقاً. فطاعة الإنسان الحُر لله، إنما هي شرط أساسي لقبول الحب الإلهي الذي يُستَعلَن له. بدون احترام الحرية الإنسانية يبقى التدبير الإلهي كله غير مفهوم. ومع ذلك، فإنه في الحقيقة بدون عمل التدبير الإلهي، تصبح الحرية البشرية ثقلاً لا يُحتمل!
إن الحق الكامل بخصوص الإنسان المخلوق على صورة الله ومثاله يكمن في خالقه: الله ذاته. والإنسان يمثِّل هذه الصورة، وبالله يعيش الإنسان ويوجد. وعلى ذلك، فإن علم تقييم الإنسان يستلزم لاهوتاً صحيحاً. وعلى أساس علم اللاهوت الأرثوذكسي، يمكن صياغة رؤى صحيحة للإنسان، ولحياته في العالم.
صورة الله في الإنسان هي على مثال الثالوث الأقدس:
بالإشارة إلى المفهوم الصحيح للشخصية البشرية، فإن الرؤية الدقيقة للأقنوم في الثالوث الأقدس لها أهمية جوهرية. وبالتالي، فإن التعليم الأرثوذكسي بخصوص الأقانيم والعلاقات المتبادلة بينها، إنما هو شرطٌ للمفهوم الصحيح للشخصيات البشرية ومكانتها في المجتمع. فينبغي أن نُركِّز نظرنا على الوحدة والشركة بين أقانيم الثالوث الإلهي. وبدون اقترابنا من الله بالتمجيد والشكر - الذي هو من طبيعة الأرثوذكسية - تظهر أخطاء خطيرة وجوهرية تؤثـِّر إلى أقصى حدٍّ في الشهادة للعالم عن الحق المسيحي وعن الحياة المسيحية.
إن هدف الأرثوذكسية هو دائماً التغيير الداخلي للإنسان بواسطة نعمة الروح القدس الفعَّالة في الكنيسة. وبهذا التغيير، تتحقَّق إمكانية التغيير الحقيقي للحياة الاجتماعية. والذين يتكلمون اليوم عن الحرية يتصرفون باسم الحرية بطريقة أكثر تقييداً وبأنشطة غير إنسانية. إن حرية كل إنسان ينبغي أن تتقيَّد بحرية غيره، وإلاَّ فإن تصرفاته لابد أن تضرَّ غيره والمجتمع كله. وهذه الحقيقة هي التي تجعل الأرثوذكسية مُلزَمة أن تتكلَّم للعالم المعاصر.

الشهادة الثالثة: قيمة اختبار السكون الروحي في حياتنا البشرية

والحب والحرية يتطلبان، ليس فقط العمل، بل وأيضاً الهدوء والسكون أو ”الهيزيخيا“ باليونانية، وهذا هو الأساس الثالث الذي يجب أن تشهد له الأرثوذكسية للعالم الحاضر. فمعظم الناس يؤسِّسون حياتهم وتحقيق آمالهم على الحركة والنشاط. أما السكون فهو يُعتَبَر، في نظرهم، علامةً على الكسل أو اليأس! ولكن الإنسان يحتاج إلى السكون الفعَّال الذي يتعمَّق فيه في داخل نفسه، وبذلك يتجنَّب أنماط العزلة عن العالم، أو الاستعباد له مما يُسبِّب النفور منه.
فالمسيحي يُدرك أن عزلة الإنسان إنما هي نتيجة حتمية لِمَنْ هو متغرِّب عن الله. لذلك فتجديد الإنسان لا يمكن تحقيقه بدون رجوعه إلى الله، وفي نفس الوقت فإن رجوعه إلى حياة الشركة مع الله يجب أن يتزامن مع تجديد حياته الطبيعية. ولذلك يقول القديس باسيليوس: ”إن عمل إلهنا ومخلِّصنا بخصوص الإنسان، يكمن في تجديد حياته (أو إحيائه) من عُزلته، وتجديده وإعادته من التغرُّب عن الله، الذي يكمن سببه في عدم طاعته المؤدِّية إلى الأُلفة معه. لأجل ذلك جاء المسيح في الجسد، حتى أن الإنسان - الذي خلص بواسطة التمثُّل بالمسيح - يتمتع بتلك البنوَّة الأصلية“(2).
كما أن القديس غريغوريوس النيسي، وهو يعتبر أن الإيمان والعلاقة بالثالوث الأقدس صفتان أساسيتان للوجود البشري الصحيح، قد لاحَظ أن عدم الإيمان والتمرُّد على حياة الشركة مع الله ”هما إرباك للشخصية البشرية، وتغرُّب عن طبيعة الإنسان الحقيقية، وتشويه للعلامات المميِّزة للبشرية“(3).
هذا السكون الفعَّال أو ”الخصب“ الذي يُراعيه المرء، ليس عن كسلٍ، بل بالعكس بالتيقُّظ والحيوية في الإنسان الباطن. هذا السكون يهدف إلى تحقيق تحرير الإنسان من كافة أشكال عُزلته وعبوديته، وذلك بإعادة اكتشافه ذاته، وإخضاعها للمسيح! فعندما ينكر المرء نفسه ويُخضعها للمسيح، يجد ذاته الحقيقية ويُحقِّق شخصيته: «مَن وجد حياته يضيعها، ومَن أضاع حياته من أجلي يجدها» (مت 10: 39). هذا السكون الروحي، أو الهيزيخيا، ارتبط جداً بالرهبنة الأرثوذكسية التي تبدأ بالهروب من العالم، والانعكاف على الحوار الداخلي. ففي الحقيقة إن كُلاًّ من الهروب من العالم، وسكون الحوار الداخلي، إنما هما شرطان للسكون الروحي (الهيزيخيا).
وكما يقول القديس برصنوفيوس، فإن السكون الروحي هو حالة النفس الداخلية التي لا يمكن للإنسان أن يُحقِّقها ”إن كان لا يتألم أولاً مع المسيح ويحمل جميع أثقاله“(4). وكما يقول القديس باسيليوس، فإن الهروب من العالم ”لا يتم بالمنظر الخارجي لهروب الإنسان من العالم؛ بل بالحري بنبذ ارتباط النفس بشهوات الجسد. وهكذا تصير بلا وطن، بلا بيت، بلا صديق، بلا ملكية، بلا حياة (دنيوية)، بلا تورُّط أو انهماك في شيء، بلا مقايضة، بنسيان التعاليم البشرية، وأن تكون (النفس البشرية) مستعدة إلى الأبد لأن تتقبَّل في القلب دفقات التعاليم الإلهية“(5).
تلك ”الهيزيخيا“ يمكن تحقيقها إلى حدٍّ ما في العالم، وفي وسط الضوضاء والتشويش الخارجي، فهي ليست محصورة في الحياة في البرية، بل إنها أيضاً يمكن أن يحصل عليها المؤمنون وسط العالم. إن التقليد الأرثوذكسي ليشهد بتلك الحقيقة، لأن الكنيسة لم تُفرِّق جوهرياً بين أسلوب حياة الراهب، وأسلوب بقية المؤمنين.
ولكن الحياة الرهبانية تُعتبر نموذجاً لحياة المجتمع المسيحي، وينبوعاً للإلهام للذين يعيشون في العالم. لذلك فالإنسان المعاصر إنما هو في أشدِّ الاحتياج إلى السكون الروحي حتى لا تطغى عليه مشاغل التقدُّم التكنولوجي ووسائل الإعلام التي أصبح لا حدود لتقدُّمها المذهل. ولذلك فقد ازداد اهتمام المفكرين بكتابات الآباء النسكية وروحانيتهم العميقة، ولا سيما الشرقيين منهم!
هذه الشهادة الثلاثية للحب، والحرية، والسكون؛ دُعِيَت الأرثوذكسية - بصفة خاصة - لكي تُقدِّمها للعالم المعاصر. فينبغي أن تكون مسئولية الأرثوذكسية الأولى أن تُقدِّم هذه الشهادة للعالم، حيث إن الكنيسة جامعة بطبيعتها.
وبالتالي يجب على الأرثوذكسية قبل كل شيء أن توجِّه انتباهها للمسيحيين الذين هم خارج حظيرتها بروح المحبة الأخوية، وبمفهوم القديس غريغوريوس اللاهوتي القائل:”نحن لا نطلب أن نحرز انتصارات؛ بل أن نقبل إخوتنا الذين بسبب انفصالهم عنا نعاني من محنة الانشقاق“(6)؛ وفي نفس الوقت يجب أن توجِّه الأرثوذكسية انتباهها للبشرية كلها، حيث إن شهادتها إنما هي شهادة لخلاص وتجديد جميع البشر!
(*)مقتبس باختصار عــن مقال: The Witness of Orthodoxy to the Contemporary World، الذي نُشر في مجلة: St. Vladimir, Vol. 17, 1973, p. 170، لمؤلِّفه George Mantzarides وهو أستاذ علم الأخلاقيات في كلية اللاهوت - جامعة تسالونيكي باليونان، وقد ترجمه عن اليونانية Dr. Stanley S. Harakas.
(1) يقصد رفض البيزنطيين عرض البابا الروماني حماية الدول الأوروبية لبيزنطة (القسطنطينية) بشرط أن يخضعوا لرئاسته، فكان الاحتلال العثماني لبيزنطة وكل الشرق.
2) De Spir. Sancto 15,35; PG 32,128 CD.
(3) Adv. Pneumatomachos 15; PG 45,1320 C.
(4) Apokrisis 3; PG 88,1813 C.
(5) Epistle 2,2; PG 32,225 C.
(6) Hom. 41,8; PG 36,440 B.