صورة المسيحيّة كما ترد في كتاب محمّد عابد الجابري عن القرآن الكريم
الأب د. جورج مسّوح
مدير مركز الدراسات المسيحيّة الإسلاميّة
جامعة البلمند
انضمّ إلى قافلة المؤلّفات التي تزعم إضافة جديد إلى الدراسات المتعلّقة بالقرآن، جزء أوّل من كتاب للمفكّر المغربيّ المعروف، محمّد عابد الجابري، عنوانه "مدخل إلى القرآن الكريم: في التعريف بالقرآن" (مركز دراسات الوحدة العربيّة، 2006). وقد آثرت وصف الكاتب بالداعية، ذلك أنّ الكتاب من بدايته يجعلك تستنج بيقين أنّ لا جديد فيه على الإطلاق سوى إعادة تأكيد الروايات القديمة وتبنّيها، من دون أيّ نقد معتدّ بوصفه أكاديميًّا أو علميًّا أو ذا صدقيّة.
نريد أن نتناول هنا ما أورده الكاتب في مؤلّفه من علاقة بين الإسلام الناشئ والمسيحيّة. فهو يستعمل منهجيّة في مقاربته للإسلام تغيب كلّيًّا عند مقاربته للمسيحيّة. منهجيّتان متضاربتان على صفحة واحدة من كتاب واحد. كما ترى الكاتب يطلق أحكامًا مبرمة على المسيحيّة من دون أن يحيلك على أيّ مرجع أو مصدر وثيق، بل إلى صفحات الانترنت! كما يورد أيضًا روايات من التراث العربيّ على أنّها "وقائع تاريخيّة"، وهي أقرب إلى الروايات الغيبيّة التي لا يقبلها إلاّ المؤمنون.
قبل أن نعرض بالتفاصيل لكلّ هذه النقاط لا بدّ من السؤال عن الغاية التي يبتغي الكاتب الوصول إليها عندما يجعل الإسلام في صدام مع المسيحيّة. فمن الصفحة الأولى تراه يجادل المسيحيّين في منهجيّة هي نفسها ما يسود جداليّات القرون الأولى، وكأنّ أربعة عشر قرنًا لم تعبر. ونودّ التأكيد على أنّنا لا ندافع عن المسيحيّة، فهذا ليس نهجنا ولا نؤمن بهذا الأسلوب العقيم، والخبرة تقول لنا إنّ كلّ مَن يهاجم دين الآخر إنّما يزيد العصبيّة عند أتباع مَن يتناولهم بالهجوم. لذلك سنكتفي بالتساؤل المشروع انطلاقًا ممّا قرأناه.
يقول الجابري إنّ "الأبحاث النقديّة المعاصرة تجمع على أنّ الأناجيل الأربعة قد دوّنت بعد المسيح بنحو قرن من الزمان، وأنّها قد تعرّضت للبتر والإضافة والتعديل" (ص 39). ولا يورد الكاتب من أين استقى هذه المعلومات ولا يحيلنا على أيّ مرجع. والمعروف أن لا إجماع على هذا الأمر، والمشهور أنّ الأناجيل دوّنت بعد أربعين إلى سبعين سنة بناء على شهادات الحواريّين وأتباعهم ممّن عاينوا السيّد المسيح وسمعوا تعاليمه. ومسألة قبول النصّ التأسيسيّ أمرها مبتوت في كلّ الديانات ولن يغيّرها رأي من هنا أو رأي من هناك. ونعتقد، في هذا السياق، أنّ لا أحد من أبناء الديانات التوحيديّة الثلاث محصّن ضدّ تشكيك الآخرين في صحّة نصّه المقدّس ونسبته. فما الفائدة من جدل لا يستدعي سوى التراشق الكلاميّ؟
في دفاعه عن نظريّته المتعلّقة بال††††† في القرآن، يؤكّد الكاتب أنّ ال††††† هم المسيحيّون الحقيقيّون، إذ كانوا على دين التوحيد فنبذهم المسيحيّون "الرسميّون" الذين شوّهوا المسيحيّة الأصليّة. وأنّ ال††††† هم الأبيونيّون الذين قالوا إنّ المسيح مجرّد نبيّ خلف النبيّ موسى. وأغفل الكاتب، عن قصد أو عن غير قصد، لست أدري، أنّ هذه الفرقة نموذج صارخ لتهويد المسيحيّة، حيث كانت نوعًا من الردّة عن المسيحيّة إلى اليهوديّة، ولذلك نبذها المسيحيّون. وما تبنّيه لهذه النظريّة التي تقول إنّ "ال†††††" الحقيقيّين هم الأبيونيّون إلاّ إدانة لهم.
فكيف يقول عن ال††††† إنّهم الأبيونيّون، والقرآن يتّهم ال††††† بالكفر لأنّهم يقولون إنّ الله "ثالث ثلاثة"، أو لأنّهم يتّخذون أمّ عيسى وابنها "إلهين من دون الله" أو غيرها من الآيات التي تدين ال††††† بسبب إيمانهم المنحرف. ففي الوقت الذي شاء فيه الجابري الرفع من شأن كل من الأبيونيّين والآريوسيّين، أدانهم من كتابه العزيز. وهنا لا بدّ من القول إنّ الكاتب لا يعرف فُرق المسيحيّة ولا الفرق في ما بينها. ففي عرضه عن الآريوسيّة يقول الجابريّ إنّها تؤمن بأنّ المسيح مخلوق، وهذا القول عنها صحيح، إلاّ أنّه ناقص. فالمسيح، بحسب الآريوسيّة، هو بكر كلّ خليقة، وقد خلقه الله قبل تكوين العالم. والإسلام لا يوافق على هذا القول الآريوسيّ، إذ إنّه لا يعتبر أنّ الله خلق عيسى بن مريم قبل خلق العالم بأسره. وهذا النقص في معرفة المسيحيّة يبدو عنده فاضحًا، وذلك لانعدام المراجع المسيحيّة. على الأقلّ، عندما يريد المجادل مجادلة خصمه، ينبغي له أن يذهب إلى مصادر الخصم ليستقي ما يقولونه عن أنفسهم، ثمّ إن شاء محاربتهم فليكن ذلك على أسس سليمة.
وفي العودة إلى مسألة ال†††††، يسمح الكاتب لنفسه أن يتّهم المسيحيّة بأنّها تبنّت مؤامرة الرسولين بولس وبطرس ورفاقهما حين اعتمدت تعاليمهم المشوّهة في ما يخصّ عقيدتي الثالوث والتجسّد، بعد أن أخلصت للتوحيد فترة من زمان نشأتها. وفي الوقت عينه يسخر من نظريّة "المؤامرة" عند الحديث عن التأثير النصرانيّ الأبيونيّ في الدعوة المحمّديّة. هو يحقّ له أن يتبنّى نظريّة قابلة للنقاش عندما تتعلّق بالمسيحيّة، وأن يرفضها عندما تتعلّق بالإسلام. لماذا هذه الازدواجيّة الصارخة والبدائيّة في آن؟
ما يلفت أيضًا في هذا الكتاب هو التعامل مع الروايات التراثيّة بكونها وقائع تاريخيّة. فبعد أن يقول: "تؤكّد الروايات التي جمعها مؤرّخو السيرة النبويّة انشغال الناس، قبل قيام الدعوة المحمّديّة، بترقّب نبيّ جديد، مع ظهور ميول توحيديّة في مختلف أجزاء جزيرة العرب، لدى كثير من الرهبان والقساوسة وغيرهم ممّن تصفهم مصادرنا بكونهم حنفاء يبحثون عن الدين الحنيف، دين إبراهيم"، يورد دليلاً على ذلك من روايات غرائبيّة غير مدقّقة ولا محقّقة بمعايير العلم الحديث. فيروي قصّة سلمان الفارسيّ العجائبيّة معتبرًا "أنّها لا تتناقض مع الوقائع التاريخيّة التي ذكرناها من قبل"، ويعني بذلك المقتطف الذي أوردناه في بداية الفقرة. كما يروي قصّة "شيخ الحنفاء" زيد بن عمرو بن نفيل الذي خرج إلى بلاد الشام ليسأل عن دين الحنيفيّة، فالتقى براهب قال له: "قد أطلّ خروج نبيّ وهذا زمانه". كذلك قصّة الراهب بحيرا وسواه...
هذه الروايات الغرائبيّة لا يمكن الأخذ بها إلاّ بالإيمان، ولذلك لا يمكن وصفها بالوقائع التاريخيّة. هي روايات يقبلها المؤمن، ويصمت عنها العالم ولا يستند إليها في دعم رأي أو دحض آخر. وبخاصّة أنّ ما من وثيقة واحدة، ما قبل الإسلام، تؤكّد النبوءات التي رواها سلمان الفارسيّ وسواه ممّن يذكرهم الجابري. ثمّ كيف لمّن كتب "نقد العقل العربيّ" أن يمرّ على نصوص هي من وضع بشر، من دون أن ينقدها النقد السليم والبنّاء. ذلك أنّ السيرة النبويّة ليست قرآنًا، ويسع الباحثين أن ينقدوها كما نقدوا الحديث الشريف وصنّفوا الصحيح من غير الصحيح. كما أنّ هذه الروايات الغرائبيّة لا تضيف براهين قاطعة لا بدّ منها في تأكيد صحّة النبوءة المحمّديّة.
لا يجد الكاتب في خاتمة المطاف سوى "شعوره"، لا علمه، بأنّه "قد تمكّنا من جمع شتات حقائق تاريخيّة على درجة كبيرة من الأهمّيّة نعتبرها ضروريّة في أيّ فهم للقرآن" (ص 72). في هذا الصدد نردّ على الجابري في ما يقوله هو نفسه عن المسيحيّة "إنّ الإيمان بعقيدة دينيّة يكفي نفسه بنفسه، فلا يحتاج إلى برهان عقليّ أو تاريخيّ!" (ص 73). هذا بالضبط ما وقع فيه الجابري حين استند إلى تراثه الإسلاميّ، الذي نحترم جدًّا، لكي يحتجّ على المسيحيّة. فتعامل مع النصوص الإسلاميّة بكونها صحيحة لا لبس فيها، ليحارب المسيحيّة. ونحن نقول له بدورنا إنّ أكثر ما ينطبق على منهجيّة كتابه هو قوله "إنّ الإيمان بعقيدة دينيّة يكفي نفسه بنفسه، فلا يحتاج إلى برهان عقليّ أو تاريخيّ". من فمك أحتجّ عليك.
لم نشأ في هذه المقالة سوى التأكيد على أهمّيّة التقيّد بمنهجيّة علميّة حياديّة في مقاربتنا للأديان الأخرى. فالأدبيّات الجداليّة كثيرة على مرّ العصور، ولسنا في حاجة إلى المزيد منها ووضع التآليف الجديدة التي لن يكون مصيرها سوى الاصطفاف إلى جانب تلك الكتب التي لم تقدّم شيئًا معرفيًّا جديدًا. فبؤس هذا الشكل من تطبيقات "نقد العقل العربيّ" عندما ينحدر على هذا النحو إلى هاوية بلا قرار.
[align=left]
النشرة العدد الأول 2007
[/align]
المفضلات