[align=right]
المطران الراحل بولس كما عرفته
يتساءل كثيرون بعد رقاد بولس مطران عكار، هل كان هذا الإنسان قديساًً؟ بالنسبة لي أظن أن الله سوف يعطي بطرقه الخاصة في نهاية المطاف الجواب على هذا السؤال، وليس إنسان -ولا سيما اذا كان قليل التمييز، كثير الضعفات والخطايا مثلي. لهذا أعفي نفسي من مسؤولية الإجابة على هذا السؤال. لكنني لا أستطيع إعفاءها من مسؤولية تقديم شهادة، أشعر أنه عليَّ شخصياً تقديمها، وخاصة بسبب معرفتي الوثيقة به، والقرابة الروحية اللصيقة معه، وخاصة في السنوات الأخيرة من عمره.
في حداثتي عرفته عن بعد، ولكن فيما بعد إبتدأت أن أتعرف عليه عن قرب، وتحديداً منذ أوائل سبعينات القرن الماضي. فقد عرفته حينها طالباً في معهد اللاهوت الذي كنت أعمل فيه، ومديراً للمدرسة الاكليركية التي علمت فيها، وشريكاً، في بعض الأحيان، في السهرات أو الزيارات الرعائية التي كان يقوم بها في بعض القرى. مما أذكره عنه في تلك الفترة أنه كان يخصص نهار الأحد بأكمله للعمل البشاري في كنائس الكورة، الأمر الذي حدا بالبعض أن يطلق عليه لقب فارس الكورة. ومما رواه لي بعض المطَلعين -وكان حينها يخدم ككاهن في قرية بشمزين- أنه في نهاية القداس كان ينتظره عدد من الفقراء، فيوزع عليهم كل ما كان معه. ولهذا لم يكن غريباً أن يلاحظ البعض أن جراباته كانت بالية مخرّقة، وقنبازه كان قديماً ملطخاً. أما هو فلم يكن يعنيه هذا الأمر في شيء، مهما سمع من ملاحظات.
وقد ازدادت معرفتي به قرباً، بعد مدة قصيرة على توليه مسؤولية مطرانية عكار(1983). إذ بدأ يطلب مني أحاديث، أو محاضرات، أو مساعدة في مجال مجابهة البدع التي كانت قد تفشت في أبرشيته، أو لقاءات مع الكهنة، أو استشارات في مواضيع حسّاسة، أو اعطاء دروس في مدرسة التنشئة المسيحية التي كان أسّسها.
ووصل تعارفنا إلى ذروته في السنة والنصف الاخيرة من حياته. ففي نهاية السنة الدراسية السابقة للسنتين الأخيرتين، كنت قد أخرجت من عملي بحجة الإحالة على التقاعد،وبدون أن يكون هناك تقاعد. فاضطررت أن أبدأ من جديد مرحلة بحث عن عمل.وكان سيدنا بولس هوالوحيد الذي عرض عليَّ عملاً وبدون أن أطلب منه أي شيء. لا بل أتى إليّ بذاته إلى بيتي كي يرجوني بإلحاح أن أعمل عنده مظهراً حاجته
الشديدة إليّ للعمل في أبرشيته. لكنني اعتذرت منه حينها، لأنني كنت على علم بالضغوط المادية التي كان يتعرض لها ، ولم أشأ أن أشكل عبئاً إضافياً عليه. وعندما سمع أنني ذهبت الى اليونان، ولم أتوفق في العثور على عمل مناسب، أتى مرة ثانية الى بيتي -قاطعاً ، كما في المرة الأولى، مسافة أكثر من ساعة وربع في السيّارة- ليعرض عليّ من جديد، وبإلحاح أكبر، العمل عنده. وعندما أعدت على مسامعه السبب الذي يمنعني من قبول عرضه، طمأنني بأن لديه مصدراً خاصاً، يستطيع من خلاله إعطائي معاشي الشهري وبدون تشكيل عبء عليه -وهو ما تعطيه إياه الدولة سنوياً كقاض للمحكمة الروحية. وعلى هذا الأساس قبلت. ولم أكن أدري حينها لماذا رتّب الله أن أعمل في أبرشية عكار البعيدة جفرافياً عن مكان إقامتي. ولكنني بدأت الآن أستشف شيئاً فشيئاً، ولو قبساً ضئيلاً جداً، من حكمة ذاك الذي تبعد أفكاره وطرقه بعد السماء عن الأرض، عن أفكارنا وطرقنا. أنّى يكن الأمر، فأهم ما ربحته في هذه الفترة هو أنني تعرفت عن قرب أكثر، على إنسان -ولو أن عنده بعض الضعفات كباقي الناس- إلا أنه أيضاً إنسان غريب، وكأنه ليس من هذا العالم. لأنه يختلف جذرياً عن كل من عرفت من أهل العالم. إنه نسيج وحده. يصلح لأن يكون قدوة، ويمكن لأي إنسان أن يتعلم منه ويقتدي به، ولكنه لن يستطيع البتة أن يماثله. عطية الله الكبرى لي، أنني عشت مع هذا الإنسان نهاراً وليلاً، لحوالي منتصف الأسبوع لمدة سنة ونصف وكنت معه وحتى في لحظاته الأخيرة، فاختبرت فعلياً ما الذي تعنيه الشركة والمحبة النقية والطاهرة في المسيح. أشكر الله لأنه منحني في شخص المطران بولس لا فقط الأب الحنون، بل الصديق الأقرب الى القلب، والأحبّ والأعزّ. وأنا أؤمن أن هذه الصداقة لن تتوقف بعد رحيله المفاجئ عن هذه الأرض، بل ستتقوى، وتتوطدّ بصلواته الدائمة، وبنعمة الله.
والآن، ولكي يتوضّح لماذا كان هذا الإنسان نسيج وحده، لا بدّ أن أشير ولو بطريقة سريعة الى بعض ما كان يتمتع به من فضائل غريبة كثيرة، أنتقي من بينها التالية:
- المحبة والخدمة: لسان حال أغلب من عاشر هذا الإنسان أو عرفه أنه يحبه. والسبب لأنه كان يشعر بمحبة سيدنا بولس تجاهه. روى لي أحد الأشخاص الذي خدم كموظف عنده، ولا يزال، أنه أتى مرة الى المطرانية وكانت السماء تمطر بغزارة، ففوجئ بالمطران بولس -الذي لمحه من الداخل- ينتظره عند باب سيارته وهو يحمل مظلة لكي يساعده على الوصول الى باب المطرانية دون أن يتبلل بالمطر!
أما من جهة الخدمة فحدّث ولا حرج. فالكل يعرف أنه كان لا يكلّ ولا يملّ. وكان يحتاج في الماضي –ولا سيما حين لم يكن ثمة أساقفة يساعدونه في أبرشيته المترامية الأطراف بقسميها اللبناني والسوري- لا فقط الى أكثر من سيارة بل والى أكثر من سائق. وكان هؤلاء السائقون يتعبون ويتشكوّن، أما هو فلم يكن يتعب ولم يكن يتشكىّ. ولأنّه لم يكن لديه الوقت الكافي للنوم، فقد تعوّد أن ينام في السيارة. وكان يضطّر في كثير من الأحيان لقلة الكهنة عنده، أو لتكليفه من أكثر من رعية، أو لرغبة أن يكون مع رعاياه في الأعياد المهمة، أن يقدّس في اليوم الواحد أكثر من قداس، وقد يصل العدد الى خمسة! وكثيراً ما كان يقضي يوماً واحداً أو أكثر خارج مطرانيته، وهو يتنقل من مكان الى مكان، متفقداً أحوال رعاياه وزائراً المرضى ومبشّراً بكلمة الله في البيوت، وخاصة من خلال السهرات الرعائية، التي كان يلتقي فيها أفراد بيوت متجاورة. أما ما ميّزه بشكل خاص، فهو إصراره على حضور جميع الجنازات في أبرشيته دون إستثناء، فضلاً عن زيارات التعزية التي تعقبها –وبدون تكليف من أحد- حيث كان يغتنم الفرصة ليعظ ويعزّي. وحجته هو أنه يريد أن يكون الى جانب الفقراء في حزنهم، كما الأغنياء.
- عدم محبة المال والقنية: لم يشتهِ ولا مرّة واحدة شيئاً ما ليقتنيه لنفسه. ولم يفتكر ولا مرّة واحدة أن يبقي قرشاً واحداً في جيبه. كل ما وجدوه في غرفته بعد موته خمسين ألفاً من الليرات اللبنانية! وكانت هذه معدّة كي تعطى من أجل شراء بنزين للسيارة!
- الاتكال على الله والرجاء: كان يعيش حرفياً القول السيدي: "من سألك فاعطه، ومن طلب منك فلا تردّه". ولأنه كان يعطي بلا تردد وبلا حساب، فمن الطبيعي أن لا يبقى معه شيء. ومع كثرة إلتزاماته وتشعّبها، وضرورة وجود معه مال لكي يفي بها، لم يكن يقلق البتة، وكان دائماً يتكل على الله. ولم يكن الله -كما روى لي الكثيرون ممن يعرفونه عن قرب- يخيّب رجاءه البتة. إذ كان دائماً يرسل له ما يحتاجه في الوقت المناسب، وبطريقة لم يكن يتوقعها أحد!
- الوداعة والإتضاع: قال الرب يسوع: "تعلموا مني. لأني وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم" (مت29:11). أقولها بالفم الملآن –وأظن أنه يوافقني في ذلك كثيرون- أنني لم أعرف أحداً تعلم من الرب هاتين الفضيلتين كما تعلمهما هذا الإنسان، ولهذا أمكن أن يقال عنه كسيده: "لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ". إذ لم يحضره إنسان غاضباً مرةً على أحد، أو موبخاً لأحد بكلمة جارحة واحدة، بل الجميع كانوا يسمعونه يردد بهدوء كلمة واحدة: "ما تواخذني"، معتذراً عمّا يعتبره هو أخطاء له. أما عن تواضعه فقد خرج بالكلية عن حدود المألوف. فهل قليل أن يشفى إنسان بالكلية من محبة المجد الباطل، فلا يتكلم البتة عن نفسه، أو يشير من بعيد أو قريب الى شيء حسن فعله، أو يسر بمديح يسمعه؟ وهل قليل أن يصل في تواضعه مثلاً الى حد أن يوعز للمرتلين في نهاية سهرانية يقيمها أحد كهنته أن يرتلوا الدعاء بطول العمر للكاهن! وحتى أن يحاول، وهو المطران، أن يقبل يد الكاهن طالباً منه البروتي!
وهنا يعوزني الوقت والمجال إن تكلمت عمّا أعرف من فضائله الكثيرة التي لاحظها مثلي كثيرون، مثل طول الأناة والصبر، وعدم دينونته لأحد لا في حضوره ولا في غيابه، وحرارة صلاته، وعظمة وصدق إيمانه، وصلابته وعدم تزحزحه عن المواقف التي يؤمن بها...، مع هذا، أود أن أتوقف قليلاً عند فضيلة أدهشتني حقاً وهي:
العفة وطهارة الجسد والنفس: تعاش البتولية
عادة –بحسب خبرة الكنيسة الأرثوذكسية- في الأديرة، ومن قبل البعض، "الذين أعطي لهم" (مت11:19). أما أن يعيش إنسان وهو في العالم البتولية وهو محاط بتجارب مختلفة –ومنها وجود نساء يعملن معه نهاراً، ويضطّر لقبول خدمتهنّ له حتى ليلاً بسبب مرضه وشيخوخته- ويحتفظ مع هذا بطهارة لا عيب فيها، فهذا أدعى للعجب والدهشة. ما أظنه أن عفة هذا الإنسان وطهارته ومعاملته النبيلة لهؤلاء النسوة، قد إنعكست عليهن –فضلاً عن إستعداد طبيعي لديهن- فكرسّن حياتهنّ لخدمته. ما أريد أن أشهد به أمام الله والناس أنني أعرف لا فقط المطران بولس معرفة وثيقة بل وهؤلاء النسوة أيضاً، وأتحمل أمام الله مسؤولية كذبي إن كنت أكذب. إنهنّ أطّهر وأنبل من عرفت من نسوة في حياتي. إنهن أطّهر وأنبل من أمي وأختَّي وزوجتي وبناتي الجسديات والروحيات.
وأخيراً، ولكي تكتمل الصورة وتكون واقعية أكثر، لا بد من التوقف قليلاً عند ضعفات هذا الإنسان التي أشرنا إليها أعلاه. أهم نقطة ضعف عنده في نظري، أنه إذا قبل إنساناً عنده في عمل ما في مؤسساته التعليمية والطبية التي أسسها، يعتبر أنه قد إلتزم معه طوال حياته ولا يعود يخرجه من عنده، وحتى لو اكتشف عدم صلاحيته وعدم أمانته، ومهما كانت ضخامة الرواتب التي يتقاضاها منه. يمكن أن يغير له نوعية عمله، ولكن يستحيل أن يقطع عليه رزقه! للمطران بولس منطقه الخاص في هذا الأمر والذي لا يمكن أن يتراجع عنه!
سيدي وأبي وصديقي الحبيب، يا من "سمعت كلام الرب وآمنت بالذي أرسله، فانتقلت من الموت الى الحياة".
آمل بصلواتك أن تستمر مسيرة جهادك التي بدأتها في حياتك وشئتها أن تتحقق في أبرشيتك عبر كهنتك، والرعاة الذين سيأتون بعدك، والتي هي بالذات مشيئة الراعي الصالح ربنا يسوع له المجد والسجود الى أبد الدهور. آمين.
(الأب د.جورج عطية)
[/align]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات