الإعاقة الداخليّة تُخفى لأنّها تخيف!


بقلم: رشا ارنست




رشا فتاة من مصر من جوار النيل، في الخامسة والعشرين من عمرها. تصرّ على أنّ الحياة جميلة، بالرغم من العقبات والصلبان. فقد تعرّضت قبل ست سنوات لحادث في القطار، ممّا جعلها تتحرّك على كرسي متحرّك طوال عمرها.
لم تيأس. بل صممّت على إكمال المشوار مع الرب على طريق الجلجلة، هو حامل صلبيه، وهي محمولة على الكرسي.
رشا توجه صرخة إنسانية مؤثرة :
يا عالم لا تنظروا إلى ضعفي بل إلى مكامن القوة لديّ!.. فالرب لم ينسني وهو يحبّني في كل نهار بشكل جديد. وفي هذا فخري وغناي...
باستطاعتي السير حيثما تسيرون والقيام بذات بالأعمال التي تفعلون يوميّاً.
أنا إنسانة... وكفى!
لنقرأ لرشا. التي تبعث لنا هنا بهذا المقال. ونحن بدورنا، نشدّ على يديها، ونعدها بالصلاة من أجلها ومن أجل كل المجروحين في هذه الحياة. ونقول لها، شكراً لأنك تذكّرينا بكلماتك أنّ وهن الجسد وضعفه ليس كلّ ضعف يواجهه الإنسان، فكم من أصحاب أجساد قويّة وعضلات مفتولة، لا يقوون على الصمود لحظة أمام تجربة تشدّهم نحو الخطأ والخطيئة. وهذه الأخيرة هي الإعاقة الكبرى التي يتعرّض لها الإنسان، كل إنسان يومياً.
منذ أكثر من ستة سنوات تعرضت لحادث قطار نتج عنه جلوسي على كرسي متحرك مدى الحياة.ويومها لم أشعر بأسى أو حزن ولو لحظة واحدة لما حدث لي، ورغم أن كل آلامي وطموحاتي تبدّلت على الفور إلا أن ثقتي بوجود الله معي في كل لحظة، فهو لم يُعطِني الفرصة للبكاء على الأطلال.
كان دائماً السلام والأمل يملأ قلبي الصغير واستطعت أن احلم من جديد. ورغم انه حتى الآن معظم أحلامي لا استطيع أن أحققها - ذلك ليس لضعفي، إلا إنني ما زلت قادرة على أن أحلم.
أحداث غريبة أمرّ بها كل يوم، ومفاجآت!.. والغريب فيما يمرّ بي من أحداث، أنني أقبل ما أنا عليه برضى تام، وأكيّف نفسي حسب قدراتي وإمكانيّاتي. هذه بالتأكيد نعمة خاصّة من الله. ولكن للأسف، فانّ بعضاً ممّن حولي لا يستطيعون ذلك وكأنّه من المفروض أن أغضب وأتمرّد وأعلن اعتراضي على ما يحدث لي.
منذ الحادثة التي تعرضت لها، وأنا في التاسعة عشر من عمري، وأنا لا أكفّ عن التفكير في مَن هم في مثل ظروفي. ما يدهشنـي أنّنا نحن، ذوي الاحتياجات الخاصّة، محذوفون من قائمة القادرين على فعل أي شيء. حتى لو استطعنا أن نفعل كلّ شيء. كل ما يتردّد عن حقوق الإنسان ليست سوى شعارات نملأ بها الجزء الفارغ في صُحفنا ومجلاتنا، كما نملأ بها الجزء المتبقي من وقتنا للكلام عنها. ومن يقول غير ذلك يخدع نفسه قبل أن يخدعنا. فأنا واحدة ممن أجلستهم الدنيا على مقعد مدى الحياة. أقول لكم أن الكرسي الذي أجلس عليه يتحرّك باستمرار، أما عقول البعض ممّن حولي فهي ساكنة لا تتقدم خطوة واحدة!... فبالرغم من أننا في القرن الواحد والعشرين، إلا أن هنـــاك مَن ما زالوا لا يعرفون الكثير، وأوّلها كيف يقبلون الآخر، وبخاصّة من به إعاقة خارجيّة ظاهرة، ولا يدرون إنهم بذلك يملكون بداخلهم إعاقة خفية... للأسف هذه أعاقة أخطر بكثير من الإعاقة الخارجيّة، لأن مَن به إعاقة ظاهرة ليس مضطراً أن يخفيها طوال الوقت خوفاً أن تنكشف كما يفعل مَن به إعاقة خفيّة في داخله.
حتى الآن، ورغم كل الإعلام العام والخاص بشأن ذوي الاحتياجات الخاصة، واحترامهم ودمجهم مع الآخرين، ومعاملتهم معاملة الأسوياء. إلا أن أغلبيّة البشر يطلقون علينا اسم "مُعاقين". حتى النخبة المثقفة منهم، لن أقول الجميع فهناك بعض، وهم قلّة قليلة، يتمتّعون ببصيرة تجعلهم يعرفون ويدركون معنى كلمة معاق. فالمقصود بـِ "ذوي الاحتياجات الخاصة" أنّ هؤلاء الأشخاص يحتاجون لاحتياجات تزيد قليلاً عن احتياج الآخرين، ولن أقول "الأسوياء"، لأن ذوى الاحتياجات الخاصة أيضاً أسوياء، ربما عدا الذين تكون احتياجاتهم ذهنية، فهؤلاء يقلّ ذكائهم بحيث لا يستطيعون الإدراك.أما "المُعاق الفعلي" هو الشخص الغير قادر على الحب، الغير قادر على العطاء أو التضحية، المعاق هو من يعشق الحرب ويكره السلام، هو مَن لا يرى غير نفسه.. احتياجاته هذه لا يستطيع أحدّ غيره مساعدته في انجازها دون أن يرغب هو.
فذوو الاحتياجات الخاصة احتياجاتهم معروفة ومحدّدة يستطيع أي شخص مساعدتهم بها، ولكنّ "المعاق الفعلي"، كيف نساعده أن يحبّ وهو لا يرغب في ذلك؟.. كيف نساعده أن يُعطي وهو لا يرغب في العطاء؟.. فمفهوم المعاق بهذا المعنى، مجهول في أغلب العقول.
تدور بذهني عاصفة تساؤلات كثيرة جداً، أحاول أن أجد لها ردّا.. ولكن الجواب مفقود دائماً.. من هذه الأسئلة: كيف أكون معاقاً وأنا أفكّر؟ كيف أكون معاقاً وأنا أحب؟ و أنا أتحرّك وأتابع و أصغي؟ كيف أكون معاقاً وأنا ابتكر وأبدع؟.. كيف أكون معاقا وأنا استطيع محاورتك؟ وأنا استطيع أن أعمل ما تعمله وأتفوق عليك؟..كثيراً ما قدّمت أعمال مع مجموعة أصدقاء لي، ولكن رؤية الناس لي تثيرهم أكثر ممّا يثيرهم ما أعمله وأقدّمه. فالكل ينتبه إننّي أفعل، ولكن لا ينتبهون لما أفعله.. ولا يدركون قيمته.
مازال هناك مسافة كبيرة بين ما نراه بعيوننا وما نراه بعقولنا أو قلوبنا.
أحلامي كبيرة و مداها طويل، منها أن أستطيع تغيير مفهوم الإعاقة لدى الناس، أن أجعلهم يعرفون الفرق بين من لديه احتياجات شخصية أكثر قليلاً من غيره، ومن هو معاق في داخله.
يا ليتنا نفتح عقولنـا وقلوبنـا، لا عيوننــا حتى نعرف أنفسنا والآخرين، عندئذٍ نستطيع أن نواجه كل شيء، متأكدين أن كل إعاقة لها ما يُعوّضها، لأن الله قــــادر على كل شيء. و لأنّه أعطانا هذه القدرة على عمل أيّ شيء.




اقرأ المزيد عن نفس الشخص على :
http://www.orthodoxonline.org/forum/...ead.php?t=7622 الإشراف