[frame="11 90"]
إنّ الكنيسة المقدّسة، التي هي عمود الحقّ وقاعدته[1]، منذ نشأتها أخذت تعلّم بألوهيّة الروح القدس، كما علّمت بألوهيّة الابن، السيّد المسيح، وكما علّمت بوجود إله واحد مثلّث الأقانيم ذي طبيعة إلهيّة واحدة وجوهر إلهي واحد، لا انقسام فيه ولا انفصال، وهذا الجوهر الإلهي، له عمل واحد وقوّة واحدة وإرادة إلهيّة واحدة، ثالوث في وحدانيّة ووحدانيّة في ثالوث، وبأمره كان هذا الكون بكلّ ما ومن فيه...
لكنّ بعض الناس راحوا يتأوّلون على الله تأويلات معوجّة ومنحرفة عن جادة الصواب، راحوا يتأوّلون على الله ويفسّرون ما يحلو لهم، وما ينطبق على مفهومهم القاصر الضعيف، آيات الكتاب المقدس، ثم خرجوا بهذه النتيجة:
الابن ليس الله، الروح القدس ليس الله، وإنّ الابن والروح القدس دخلا في الزمان في إلوهيّة الآب، لذلك رأوا أن إلوهيّة كلّ من الروح القدس والابن مستعارة، وتعاموا عن آيات الكتاب المقدّس، التي تشهد بوحدانيّة الله وتثليث أقانيمه. فرأيت، بمعونة الروح القدس الله الناطق بالكنيسة (الكنيسة منذ البدء حتّى آخر الدهر)، أن أوضح، على ضوء الكتاب المقدس بعهديه، وعلى ضوء تعاليم الكنيسة المقدّسة، ألوهيّة الروح القدس، كما أوضحت قبلاً ألوهيّة الابن، تنويرًا للجميع، ليعرفوا الحقّ والحقّ يحررهم[2].
1. الكتاب المقدس والروح القدس
إنّ الكتاب المقدّس يشدّد على وجود روح قدس ومقدِّس الكلّ، ومصدر لكلّ تحوّل وكلّ تجديد في داخل الإنسان، كما نرى في قوله: "يخرج قضيب من جذع يسّى وينمي فرع من أصوله. ويستقر عليه روح الربّ، روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوّة، روح العلم وتقوى الرّب"[3]. ويذكر الروح القدس حزقيال حيث يقول: "وأعطيكم قلبًا جديدًا واجعل في أحشائكم روحًا جديدًا وأنزع من لحمكم قلب الحجر، وأعطيكم قلبًا من لحم، وأجعل روحي في أحشائكم وأجعلكم تسلكون في رسومي وتحفظون أحكامي وتعملون بها"[4].
2. الروح القدس هو شخص مميّز عن الآب والابن
إنّ روح الله لا يمكن مطلقًا أن يكون منفصلاً عن الآب والابن، فإنه يوحي مع الآب والابن في يسوع المسيح، ولكن له طريقته الخاصّة في الوحي، كما أنّ له شخصيّته المميّزة. فالابن بإنسانيّته المشابهة لإنسانيّتنا[5]، قد أوحى لنا مرارًا عن وجه الآب، وعن صورة الابن. أخذنا صورة واضحة للأب[6]، ولكنّ الروح القدس ليس له وجه على الإطلاق، ولا اسم يؤدي إلى تمثيل وجه بشري له، بيد أنّنا نشعر بوجوده، له المجد، وبتأثيره في الكنيسة، وفي الأنبياء والرسل، في العهد القديم كما في العهد الجديد على حدّ سواء. فنراه في العهد القديم بوجوه متعددة ولكنّه واحد، فهو روح السلام، الذي يحلّ في القضاة، فالقضاة الذين ينفعلون بروح الله، دون أن يروه، أو يلمسوه، لا يقدرون على مقاومته، ولا يستطيعون تفسير أعماله، ونراه، له المجد، يحل في أحقر أبناء القرويّين الفقراء، الذين هم نكرة النكرات، فيجعلهم أشهر من الشمس والقمر، ولهم الصفحات المجيدة في كتاب الله، أمثال شمشون، وجدعون وشاوول، إذ وهبهم روح القوّة والقدرة على القيادة والحكم، وجعلهم يكملون رسالته بين الشعب، فحرّروه من قيود العبوديّة والذلّ. وقد أطال روح الله سير العبرانيّين في الصحراء. فنراه في أصول وجذور الشعب، فعمله داخلي لا يظهر إلاّ من خلال أعمال البشر وتصرّفاتهم التي تبدو أحيانًا مدهشة وغريبة، فقد عمل الروح في عتنيئيل: "وكان روح الربّ على عتنيئيل فتولّى القضاء لإسرائيل..."[7] وعمل في يفتاح، "فكان روح الربّ على يفتاح فعبر جلعاد ومنسّى..."[8]. والروح القدس يهب القوّة لمن يحلّ عليه، كما وهبها لشمشون[9]، أو يلبسه قوّة كما ألبسها لجدعون: "وحلّ روح الرّب على جدعون..."[10].
يحل في الملوك:
خلف الملوكُ القضاة، فكان النبي يمسح الملوك، ولم تكن مسحة الملوك سوى رمز لروح الرب الذي يمسح بمسحته الجميع ويهبهم جلالة مقدّسة، كما نرى في قوله: "فأخذ صموئيل قارورة الدهن وصبّ على رأسه وقبّله وقال: إنّ الرّب قد مسحك قائدًا على ميراثه"[11]وكذا في مسحة داود: "فأخذ صموئيل قرن الدهن ومسحه من بين أخوته فحلّ روح الرّب على داود من ذلك اليوم فصاعدًا..."[12].
. يحلّ في المسيح ـ 1: يسوع ـ 2: في الملوك الممسوحين ـ مسيح الربّ
إنّ المسحة الطقسيّة، لا تكفي بأن تقيم وتمسح ملوكًا وخدّامًا أمناء لله قادرين على تأمين السلام والعدالة والصلح، بل يلزم لتكميل هذه الرسالة عمل يتغلغل أكثر وله فعاليّة كبرى، وهذا العمل هو مسحة الروح القدس، التي ظهرت في السيّد المسيح حسب قول أشعيا: "...روح العلم روح الحكمة..."[13]، ونرى هذا الروح يهب روح الفن لبصلائيل فصنع خباء المحضر[14]، كما وهب لسليمان المشورة والقوّة، ولداود مخافة وتقوى الربّ[15]، وهذه العطايا قد جعلت للبلاد التي يملكها الروح القدس تاريخًا مليئًا بالسعادة والقداسة، فتمتلئ الأرض من معرفة الربّ، كما تغمر المياه البحر[16]...
[1] 1 تيموثاوس 3/15.
[2] يوحنّا 8/32.
[3] أشعيا 11/1-2 و42/1-12 راجع 1بطرس 4/14.
[4] حزقيال 36/26-27، يوئيل 3/1-5، أعمال 2/17-21، أشعيا 32/12 عدد 11/25-29...).
[5] عبرانيين 4/15 وروما 8/3.
[6] راجع يوحنّا 14/9.
[7] قضاة 3/9-10.
[8] قضاة 11/29-40.
[9] قضاة 14/5-6 و14.
[10] قضاة 6/34.
[11] 1 صموئيل أو 1 ملوك 10/1.
[12] 1 صموئيل أو 1 ملوك 16/13.
[13] أشعيا 11/2... وأشعيا 61/1-2.
[14] خروج 35/31.
[15] 3 ملوك أو 1 ملوك 3/4-12 و2أخبار 1/3-12.
[16] أشعيا 11/9 حبقوق 2/14.
[/frame]

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات