الانقسام (الانشقاق)

"الانقسامات هي بنت الشيطان دائماً". لماذا هي بنت الشيطان؟ لأنه بها لم يعد من اشتراك لا بالفكر ولا بالتكوين. فالانقسام أو الانشقاق يحدث في قلب الجسم ويبعد الواحد عن الآخر. ألم نختبر هنا أنه حتى نصبح كنائس متعددة انقسمت عائلاتنا في البيت الواحد، ألا نلاحظ ذلك؟ هذا لا يلتئم لأن الانشقاق فعل يحدث في كياننا في تكويننا. الانفصال يحدث مسافة بعيدة بين فلان وفلان ومن الصعب جداً أن يلتقيا.
الله لن ينقسم، المسيح لن ينقسم، لن تنقسم كنيسة دستور الإيمان، الذي انقسم هو أناس صار المسيح عندهم مقسوماً وصارت الكنيسة عندهم مقسومة. يعني صار كل واحد يتخذ وحدة الكنيسة لنفسه، وإنه وحده فقط يعرف ماذا تعني "وبكنيسة واحدة جامعة مقدسة رسولية". وحتى اليوم عندنا في الفاتيكان "من أجل العمل من أجل الوحدة"، ليس هنالك من هيئة تعمل من أجل وحدة الكنيسة ولكن يقال من أجل وحدة المسيحيين. يعني الكنيسة هي الكنيسة الكاثوليكية وحدها ولم تنقسم. هكذا تماماً يقول الأرثوذكس. الكنيسة لن تنقسم الناس انقسموا، إذاً علينا أن نتكلم بالوحدة ليس بين الكنائس.
إذاً الجميع يدعي أن الحق معه وإنه يملك الحقيقة وحده. نحن لسنا كل الدنيا والطوائف الأخرى ليست كل الدنيا. هذا هو الجو السائد وليس بمقدورنا أن نفعل حالياً أكثر من شيء واحد.
الانقسامات حصلت بناءً على عداوة نستطيع أن نحولها إلى مجرد تعددية . إن كوننا عيالاً متعددة لا يعني أن كل واحد منا يقاتل الآخر. كل فرد في البيت الواحد يختلف عن الثاني وهذا لا يعني أنه يرفض الثاني أو يحاول أن يحل محله أو يزيله على غرار ما حصل في الماضي (بناء كنائس ومدارس و...)، لا تصدقوا أنه يمكن لاثنين أن يختلفا دون أن يكون الحق على الاثنين كليهما ولو بمقادير مختلفة، ولكن لا شك أن جزءاً من الحق يقع دائماً على الاثنين.
الوحدة:
انطلاقاً من هذا الواقع وهذا المفهوم للتعددية يطرح السؤال ما هي الوحدة؟ وهل من وحدة؟
لا شيء اسمه وحدة، لأنه في هذه الدنيا كل إنسان وحده الموضوع هو كيف يتقارب اثنان. لا يجب أن نتصور الوحدة في شكل خاطئ، أنها انصهار أو اندماج أو امتصاص.
فعندما نتكلم عن الوحدة نتكلم على صعيدين اللاهوتي الفكري والشعبي أي اللاهوت المعاش. فالأول يتركز بين فئة محددة وتتعاطى به لجنة الحوار الكاثوليكي + الأرثوذكسي. أما الثاني فهو للجميع دون استثناء.
أنا مقتنع بضرورة استمرار الحوار اللاهوتي، ليس من أجل أن يهدي واحدنا الآخر إلى ما يعتبره كل منا حقيقته "الخاصة"، لكن من أجل أن نهتدي معاً إلى ملء حقيقة المسيح. إن هذه الحقيقة ليست مفهوماً مجرداً وهي ليست ملكاً لنا، بل هي دائماً منفتحة ولا يمكن تلمسها إلاّ من خلال بذل الذات وفي الحب. ولنضع أنفسنا سويّة في موضع الإصغاء لما يقوله الروح للكنائس.
إلاّ أنه يبدو لي أحياناً أن الروح غالباً ما يشعر أنه غريب في كنيسته وأنه يئن عندما يرى أن الذين ينسبون أنفسهم إلى الابن يرتاحون إلى الوضع القائم ولا تزعجهم البتة عثرة انقسامهم الفاضحة. "ويل للذي تأتي به العثرة" (متى 7:18). العثرة هي فقدان الشوق إلى الرغبة في أن نلتقي وفي أن نبتكر السبل لذلك. السؤال ما الذي يلزمنا، حتى نستفيق، أكثر من انحراف العالم ومن فقدان جماعي لمعنى الحياة، ومن الحاد لا مبالٍ أو الحاد يلجأ فيه المرء إلى حركات تديّن تؤمن بالأوهام أو تمارس صوفية غامضة؟ ألا نرى حولنا حضارة الاستهلاك المفرط والربح غير المكبوح والعنف المتزايد؟ وماذا عن استكبار العظماء غير المحدود وافقار نصف البشرية؟ أننتظر أكثر من التشكيك بقيم الإنجيل الأساسية؟ ماذا يلزمنا أكثر حتى نقر بأن انقساماتنا تشوه وجه السيد و"تقسمه" (1كو 13:1) وبأنها متناقضة مع إرادته الواضحة بأن يرانا واحداً "حتى يؤمن العالم" (يو 21:17)؟ إذا لم يهتم الذين أنعم عليهم أن يرو وحدة الثالوث القدوس في تعدده وغيريته بإظهار وحدتهم من خلال الأفعال كمطلب أوّلي ومطلق، فكيف لهم أن يجيبوا على التعدي المزدوج المتمثل في التوحيد الشامل للكون من جهة وفي ازدياد حدة الاختلافات والقوميات من جهة أخرى؟ إذا لم يقرر هؤلاء عدم التحاور كعقائد بين متكبرين بل تغليب لغة الشركة عوض لغة القانون، فكيف يستطيعون بَعد الدعاء بأن المسيحية تختلف عن الإيديولوجيات التي تفرق الناس وتدفع بهم إلى التصادم؟ أنا لا أدعوا هنا ـ حتى نكون واضحين ـ إلى أي نوع من أنواع التلفيق أو إلى أي تنازلات. إنها بالأحرى دعوة إلى نبذ الخوف والانكماش والحسابات الضيقة كما والتفكير ضد الآخر. إن المقصود هو أن نحب بعضنا بعضاً في اختلافاتنا. فالحب الحقيقي يطرد الخوف ولا يتردد أن يتألم من أجل المحبوب وأن يبذل ذاته حتى الموت لاستقباله كي يولد له. فبالفعل، إذا ما أردنا أن نكون حقاً تلامذة ليسوع السيد، علينا، ليس فقط أن نصلي من أجل الآخر، بل أن نصير الآخر، أن نحبه "كما نحب ذاتنا" (متى 39:22)، وأن نقبله كسر الاتحاد بالله والاتحاد بالقريب. لذلك علينا أن نتحرر من عقدنا القديمة ومن معوقاتنا ومن رغبتنا بأن نكون دائماً على حق. تلك الرغبة التي بات يصعب علينا أن نخبئها وراء عبارات التهذيب الدارجة. علينا أن نكون منتبهين للآخر وأن نعتاد على رؤية الأفضل مما عنده، علينا بأن نلتزم بأن لا نُقْدِمْ على أي أمر من شأنه أن يزعجه أو يجرحه. علينا أن نقتنع أنه أخ حقيقي لنا، لا بل الأخ بامتياز، لأننا كلينا نصير بالمسيح أبناء الآب الواحد بالتبني. فلا نضعن شروطاً لمحبتنا لأن الحب لا يكون حقيقياً إلاّ إذا كان بلا شروط.
"لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه بل كل واحد إلى ما هو للآخرين أيضاً" (في 4:2) بهذه الطريقة سعت الجماعة المسيحية الأولى إلى عيش إيمانها.
يجب على المسيحيين ـ أي ـ الكنائس أن يدخلوا في نوع من معاهدة شرف ولكن الجرح الذي فيّ يدفعني لأن أقول "معاهدة عدم اعتداء" ذلك إن ثمة تصرفات ـ حديثة وقديمة ـ قامت بها كنائسنا يمكن اعتبارها على أنها عدوانية تجاه الأخوة. غير أن رجاءنا وإيماننا بأن "أبواب الجحيم لن تقوى عليها" (متى 18:16) يدعونا للاعتقاد بأن معاهدة كتلك ستدفع بكنيستنا إلى الالتزام ـ أمام الله وأمام الكنيسة الشقيقة ـ بألاّ تقومان بأي عمل من شأنه أن يسيء إلى الآخر أو أن يعرقل عمله الرعائي أن يسبب له العثرة وذلك مهما كانت أهمية العمل الذي تنوي إحداهما القيام به حتى ولو اعتقدت أنه من حقها أن تقوم به. محبة الأخ هي أولاً، فالمحبة تأتي قبل المعرفة. إنها تسمح للحقيقة بأن تلامسنا فنؤخذ بها، وهي، في النهاية، لا تعاش إلاً في الشركة. إنها معاهدة للتعاون في كل المجالات الممكنة أو الواجبة، أي في خدمة المعدمين وفي الدفاع عن الحياة وعن البيئة، والجهاد من أجل أنسنة النظام العالمي. وكما قال غبطة البطريرك إغناطيوس لقداسة البابا في زيارته لسوريا عام 2001 "إننا مدعوون لأن نمسح كل دمعة من أعين الذين يبكون".
أختم بقول لصاحب الغبطة في المعهد الكاثوليكي في باريس: "ألعلنا لا نسمع رجل العدم وهو يسخر منّا ويقول: كفاكم! كفاكم! توقفوا عن اللعب بهذه النار، إنها الروح القدس، روح النار والنور تلك التي تتكلمون عنها ولكن يبدو أنها لا تحرقكم البتة! لا يجوز اللعب بالنار، فإما أن نطفئها أو أن نرمي أنفسنا فيها كي تلهب الكنيسة كلها وبها، الإنسانية جمعاء والكون".

المكتب الإعلامي البطريركي