خشبة الصليب الثالثةالأب فلاديمير بيرزونسكيتعريب الأب حنانيا حكيمة
"وكان واحد من المذنبَين المعلَّقَين يجدِّف عليه، قائلاً: إن كنت أنت المسيح فخلِّص نفسك وإيَّانا. فأجاب الآخر وانتهره، قائلاً: أَوَلا أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. أمَّا نحن فبعدلٍ، لأننا ننال استحقاق ما فعلنا. وأما هذا، فلم يفعل شيئاً ليس في محله. ثم قال ليسوع: اذكرني يا رب، متى جئتَ في ملكوتك. فقال له يسوع: الحقَّ أقول لكَ إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو39:23-43).
عندما تُسأل عن الخشبة الثالثة للصليب الموضوعة (مائلة) عند أقدام السيد، يمكنك الإجابة إنها عبرة للناظرين إليها. إنها تحدثنا عن حياتنا وموتنا، وتكشف لنا إلى أين سيقودنا موتنا، إما للملكوت أو للعنة الأبدية. كما تصف لنا طريقة العبور من هذه الحياة، إلى المكان الذي سنقضي الأبدية فيه. وهذا ينطبق على كل البشر، سواء آمنوا بالحياة بعد الموت أم لم يؤمنوا. فهذه الخشبة تعطي المعنى لطريقة حياتنا على الأرض، ولمصيرنا بعد نهايتها.
لم يبدِ أحدُ اللصين (الذي على اليسار) أيَّ إدراك لذنبه، هذا حالُنا عندما نتجاهل، نسيء إلى صورة الله فينا ونتحداها، وأخيراً نفقد الطريق لنحيا الحد الأدنى من إنسانيتنا. كان هذا اللص غاضباً من كل إنسان، وعندما شعر أن نهايته كانت قاسية جداً. لم يغضب اللص من نفسه، بل كان يظن أنه الضحيَّةَ الوحيدة، ولم يتذكر من احتال عليهم وسرقهم، تآمر عليهم وأهانهم وربما قتلهم. إن هكذا مجرم، لا سبيل لتقويمه أبداً. وغالباً ما يكون البعض قد حاول إصلاحه، أو على الأقل توجيهه للتراجع عن غيِّه أو دفعه ليكفِّر عن خطاياه، ولكن كلَّ هذا غير نافع.
ولسوء الحظ، فإن كثيرين من هؤلاء يحيطون بنا ويعيشون بيننا وهم مصابون بالخلل الروحي والأخلاقي نفسه، يعوزهم الإحساس بالآخر والرأفة به، وبتعبير آخر يصبحون مفترسين، ويصبح مَن حولهم مجرد ضحايا لهم.
أما اللص الآخر (الذي على اليمين)، فلم يفتش عن عذر لخطاياه، حاله كحال كثيرين يحاكمون أنفسهم بحرصٍ: يُقال إن الإنسان، قُبيل موته، تمر حياته أمام عينيه خلال لحظات قليلة...!!
ربما هذا ما حصل لهذا اللص، ومن هنا تأتي مرافقة للذين يحتضرون على فراش الموت ليرقدوا بالرب. إنها الفرصة الأخيرة للتحلل من خطايا الماضي، ووقت التوبة والاستغفار، للحصول على الراحة والسلوان.
من المحتمل، أنه نظر إلى الكلمات المدوَّنة فوق رأس الرب. لقد علم أن يسوع بريء، وأنه يمكن أن يكون أيَّ نوع من البشر، لكنه حتماً ليس بمجرم. إنما قُّدم ضحية لمؤامرة رُتِّبت من قِبل مَنْ هم في السلطة، الذين يستخدمون قوةَ سلطتهم لمآربهم الشخصية. لقد سمعهم يسخرون من المسيح، صارخين: "السلام عليك يا ملك اليهود". كلُّ ذلك ليذلّوه، لكنَّ صورة الله الساكنة في هذا اللص لم تتخلَّ عنه. الروح القدس الحاضر في كل مكان والمالئ الكل، نفخ روحه كاشفاً له أن التهمة المعلَّقة فوق رأس يسوع الناصري التي هي علَّةُ صلبه وسببُ سخرية اليهود منه، كانت حقيقةَ حقيقته، إنه حقاً "ملك اليهود". لقد كان هذا اللص صاحبَ القلب الشفوق أيضاً يهودياً، لذلك كان أوَّلَ مَن تبع المسيح يسوع إلى ملكوته.
هل خدع هذا اللصُّ بكلامه المعسول مَلِكَهُ، حتى دخل الملكوت؟. هل كان ذكياً على قدر كافٍ، ليسرق الفردوس؟. كلا على الإطلاق!!! ألم يقل السيد محبّ البشر نفسُه هذا الكلام: "لم آت لأخلص الصديقين، بل الخطأة". وكذلك: "أقول لكم إنه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة" (لو7:15).
مَن غير يسوع عرف ما في قلب (اللص الحسن) حتى دافع عن المسيح، ربما كان يريد أن يُسكت (اللص الجاحد) ويوقف هزأه، ربما كان يريد أن يقدم بضع كلمات لطيفة لضحيةٍ بريئةٍ مقابل الغضب والخداع الذي شهده من الجموع، مهما كانت دوافعه لقد تلقّى هذا اللص جائزةً أكبر بما لا يُقارن مما كان يتوقعه أو يستحقه. هكذا يتبيَّن لنا مقدار حب الله، الحب الغامر لمن يقدِّم كأس ماءٍ بارد فقط لعطشان.
ملاحظة: عُرِّبت هذه المقالة بعد أخذ الأذن بذلك من قبل الأب بيرزونسكي.
النشرة العدد السابع 2007

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس.gif)

المفضلات