رقد باسيليوس بالرب عام 379 عن عمر لا يتجاوز الخمسين، قضى منها نحو عشر سنوات اسقفاً على قيصرية من أعمال كبادوكية. لُقّب بالكبير بسبب أعماله اللاهوتية التي دافع بها عن إيمان الكنيسة الارثوذكسية. وعُرف عنه أنه كان خطيباً متفوهاً وعالماً في علوم عصره وراعياً محبا للفقراء. اختبر الحياة الرهبانية ووضع لها قوانين ونظّمها. ترك باسيليوس مؤلفات كثيرة منها كتاب في "الروح القدس" وشرح لسفر المزامير ومواعظ في شرح "ستة أيام الخليقة" ومواعظ مختلفة و563 رسالة. وقد كتب باسيليوس "الكلام الجوهري" القداس المعروف باسمه وعني بإصلاح العبادات.
لعب القديس باسيليوس دوراً كبيراً في دحض آراء الهراطقة "محاربي الروح القدس". اذ انه بعد المجمع النيقاوي الأول (325) نبتت هرطقات كثيرة حاربت إيمان المجمع وبخاصة القول بأن الآب والابن "في جوهر واحد". طالت الهرطقات أيضا مكانة الروح القدس في الثالوث حيث اعتبر الزائغون ان الروح مخلوقٌ وليس هو بإله. عانى الارثوذكس كثيراً من هذا الوضع فهُجّر الأساقفة عن مراكزهم واضطُهدوا، نخص بالذكر أثناسيوس الكبير أسقف الاسكندرية الذي أُبعد خمس مرات عن كرسيه.
كتب باسيليوس مقالة في الروح القدس وذلك رداً على الذين أنكروا ألوهة الروح القدس، فأكّد على المساواة في الكرامة بين الآب والابن والروح القدس وتالياً المساواة في التمجيد. كما قال في إحدى رسائله بأن الروح القدس "هو أحد الثالوث، الذي هو من طبيعة اللاهوت المغبوطة عينها". اعتمد المجمع الثاني الملتئم في القسطنطينية (381) صيغة باسيليوس "مسجود له وممجّد" للتأكيد على ألوهة الروح، فأقرّ: "بالروح القدس، الرب، المحيي، المنبثق من الآب، الذي هو مع الآب والابن مسجود له وممجَّد، الناطق بالأنبياء". أكّد المجمع الثاني ايضا ربوبية الروح القدس آخذاً ذلك عن باسيليوس الذي قال بان الروح رب. أقرّ إذاً المجمع المسكوني الثاني أن تعليم باسيليوس فيما يخص الروح القدس هو تعليم الكنيسة جمعاء.
تكمن أهمية باسيليوس اللاهوتية في أنه استطاع مع القديسَين غريغوريوس النيصصي أخيه وغريغوريوس النازينزي المعروف باللاهوتي، وضع تحديد للتمييز بين الجوهر والاقنوم، فقال القديس باسيليوس: "الجوهر هو الى الاقنوم كالعام الى الخاص". وأكّد أن الأسماء الثلاثة للاهوت، اي الآب والابن والروح القدس، تعني ثلاثة أقانيم متميزة، في جوهر واحد هو جوهر الألوهة. هذا يعني أن الجوهر يدل على ما هو مشترك بين الأقانيم الثلاثة، بينما الاقنوم يشير الى ما هو مُميز عند كل منهم. فالأبوة هي خاصة الآب، والبنوة هي خاصة الابن، اما خاصة الروح القدس فهي التقديس.
برع باسيليوس في الميدان الاجتماعي ايضا، إذ انه اعتنى بالفقراء والمرضى وأسس مدينة المحبة في وسط أبرشيته لإيوائهم، كانت المدينة تحوي كنيسة ومستشفى ومأوى للعجزة ونزلاً للمسافرين والحجاج وبيتاً لباسيليوس الذي أراد ان يبقى بمعية السقماء والفقراء. أطلق القديس غريغوريوس النازينزي على هذا التجمع اسم "المدينة الجديدة"، بينما أطلق عليه الشعب اسم "الباسيلياد" تقديرًا لمؤسسها الكبير. يضيف القديس غريغوريوس قائلاً في هذا التجمع: "في تلك المدينة الجديدة، المرض هو موضوع فلسفة، والبؤس غبطة، والشفقة موضع اختبار. إزاء هذا العمل تتضاءل في أعيننا أسوار بابل والأهرام والنصب النحاسي الجبار لأبولون في رودس، إنجازات لم تعد على أصحابها الا بمجد حقير".
في المجال نفسه، كان القديس الكبير يعزّي الفقير بتذكيره دوماً ب "أنه ابنٌ لله على صورته". ويتوجّه اليه قائلا: "وبما انك على صورته، يمكنك ان تبلغ كرامة الملائكة ضمن حياة اجتماعية منظّمة"، ويدعوه طالبا منه أن "افرح إذاً فهذا يكفيك". من ناحية أخرى يدعو باسيليوس الأغنياء الى التخلي عن المجد الباطل والتمعن في الموت، فيقول: "ايها الغني، لماذا تترفع بغناك وتفخر بأمجاد أجدادك؟ أتفاخر بموطنك وتسرّ لجمال جسدك وتفرح لشرف زائل؟ انتبه لنفسك. تذكّر بأنك انسان مائت وانك >تراب والى التراب تعود< (تكوين 3: 19)... انحنِ وانظر الى القبور، فهل تميّز بين عظام الفقراء وعظام الأغنياء؟ بين عظام العبيد وعظام الأسياد؟...
افطن لذاتك اذاً وتخلَّ عن التكبر والبخل وقساوة القلب".
لا تكفي هذه المقالة لكي نحوط بكل ما قام به هذا القديس العظيم. لقد استطاع من خلال الكتاب المقدس، عشيره اليومي، ان يصل الى الكمال، إذ انه، بعد ان درس حكمة العالم التي تفوقها الحكمة الإلهية، يقول: "ثم قرأت الإنجيل ورأيت ان لا سبيل الى بلوغ الكمال الا بأن يبيع المرء ما له ويعطي للفقراء نصيبيهم...". وهكذا فعل فأضحى كبيراً في ملكوت السموات.

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر

رد مع اقتباس
المفضلات