[frame="8 80"]
هل يعترف الكتاب المقّدس بالأرواح والجن والشيطان؟
أولاً: هل للجن وجود؟
لقد اعتقد الناس، منذ القديم بوجود أرواح قادرة على أعمال خارقة لا يستطيعها إنسان ما. وقد تستطيع هذه الأرواح أذيّة البشر أو إسعادهم. فتعبّد لها الكثيرون، وامتدّ ببعضهم الحال فألّهوا هذه الأرواح، وأقاموا لها الهياكل والمعابد، يحرقون لهم أفخر أنواع العطور والبخور. وبعضهم راح يستنبط الأقسام ويستحضر بها هذه الأرواح ويستنطقوها، ويسألونها عن المستقبلات، والأرواح تخبر بما تعرف، حسب ما زعموا. ولكن من يعرف المستقبل غير الله، حتّى أنّ السيّد المسيح نفى عن ذاته البشريّة معرفة ذلك اليوم وتلك الساعة، مع أنّه الله المتجسّد[1].
لو عدنا إلى الكتاب المقدس نجد أنّ للجن وجود، ولكن الله منع ذلك منعًا باتًا: "لا يوجد بينكم... من يتعاطى عرافة ولا مشعوذ ولا متفائل ولا ساحر ولا من يرقي رقية ولا من يسأل جانًا أو تابعة أو يسأل الموتى..."[2]. وأيضًا قوله: "... وأي إنسان مال إلى أصحاب التوابع والجان أي مستحضري الأرواح، والعرّافين ليزني وراءهم جعلت وجهي ضدّ ذلك الإنسان وفصلته من بين شعبه"[3] وأيضًا: "لا تلتفتوا إلى الجان ولا إلى مستحضري الأرواح، ولا تقصدوا العرّافين فتتجنسوا بهم..."[4]. ثمّ أمر الله بقتل أصحاب الجان ومستحضري الأرواح[5].
من طالع العهد القديم، مطالعة متفحّص يجد ذكرًا للأرواح، وقد يسمّي هذه الأرواح جانًا، كما رأينا، وقد يسميها: "اسهمًا طائرة في النهار... وغائله تفسد في الظهيرة"[6] وفي المزمور 73 أو 74/14 يسميه لويثان. ونرى في كثير من المزامير صلوات وأدعية كلّها متّجهة إلى الله للخلاص. راح بعض المقسّمين الحقيقيّين يستعملونها في طرد الأرواح الشريرة ثم راح الناس يسألون عمّا هي الأرواح؟
ثانيًا: الأرواح
نجد في جميع اللغات القديمة، كما في لغة الكتاب المقدس أنّ لكلمة "روح" معانٍ كثيرة، وفي كلّها نراها مستوفيّة لمعناها المطلوب، فإن تكلّمنا عن الأرواح الخيّرة فنراها: "ترسل لخدمة الذين يرثون الخلاص"[7] وهي مخلوقة: "الصانع ملائكته أرواحًا وخدّامه لهيب نار"[8]، فالروح، من هذا المنطلق نوعان: روح صالح يهدي إلى الخير والصلاح ويقود إلى البرارة وروح شرير يجر إلى الجنون: "روحًا مستقيمًا جدّد فيّ يا الله"[9].
الروح هو العنصر الجوهري وغير الملموس في الكائن، وهو الذي يجعل هذا الكائن يعيش ويتصرّف دون إرادته؛ والروح قد يسيطر على الإنسان عندما يفرغ هذا الإنسان من الله. وقد قال الرّب يسوع في ذلك: "إنّ الروح النجس إذا خرج من الإنسان هام في البريّة يطلب الراحة فلا يجدها، فيقول: أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي فيجده خاليًا مكنوسًا مزينًا. فيذهب ويأتي بسبعة أرواح أخبث منه فيدخلون ويقيمون فيه فتكون حالة ذلك الإنسان الأخيرة أسوأ من حالته الأولى"[10].
قد نرى الإنسان في كثير من الأحيان واقعًا تحت سلطة قوّة غريبة، فلا يستطيع معها أن يملك زمام نفسه، إذ يكون هناك كائن آخر يسكنه. وهذا الكائن هو روح وقد يكون هذا الروح شريرًا، كالذي سكن شاوول[11] وكالأرواح التي كان الربّ يسوع يخرجها من الممسوسين.
ثالثًا: الشيطان
الشياطين، هم كائنات روحيّة شريرة، ظهروا في الكتاب المقدّس شيئًا فشيئًا، واتّضح وجودهم بصورة واضحة أيام حياة يسوع البشريّة على الأرض[12]؛ فنرى الشيطان أنّه جاء إلى الرّب يسوع، بعد اعتماده وخروجه إلى البريّة، يستطلع حقيقة أمر السيّد المسيح، إذ ظنّه إنسانًا عاديًا، ولكنّه إذ سمع الصوت الصادر من السماء[13]، حار في أمره، ولما رأى انفراد يسوع في البريّة جاءه مجرّبًا إيّاه، علّه يستطيع أن يسبر غور هذا الذي ظنّه إنسانًا فقط، بتجارب مغريات هذا العالم الذي لا يزال يجرّبنا بها ونحن ننساق وراءه، وهي: حبّ الملذات الأرضيّة والمسكرات وما يتبعها من شرور، حبّ الكبرياء والظهور والزهو، وحبّ المال وامتلاك الأراضي والعقارات ناسين أنّنا سنترك كلّ ذلك ونعود للوقوف أمام الله، وتبقى هذه الممتلكات في العالم[14]. لكنّ الربّ يسوع طرده طردًا ذريعًا ولم يمكنه من اكتشاف حقيقته[15].
ثلاثة من البشريّين كتبوا ما كتبوه بوحي الروح القدس[16]، ولا يمكن أن يكتبوا لنا وهمًا أو شيئًا لا وجود له. والربّ يسوع كان يخرج الشياطين أو الأرواح من الممسوسين وفصل متّى ومرقس شفاء الأمراض عن طرد الشياطين: "فطرد الأرواح من الممسوسين، وشفى جميع المرضى"[17].
الشيطان موجود، وله سيطرة على الناس ويجعلهم يقومون بأعمال لا يستطيعون القيام بها وهم في السلامة.
لقد طرد الربّ يسوع جوقة الشياطين من الممسوسين في بقعة الجرجسيّين، وقد حاور الشيطان يسوع وقال له: "ما لنا ولك يا يسوع ابن الله؟ أجئت إلى هنا لتعذبنا قبل الأوان؟"[18]. وبالبرهان على وجود الشيطان والأرواح الشريرة هو: عندما نعت الفريسيّون يسوع بأنّه رئيس الشياطين، وأنّه بعل زبول أو بعلزبوب، أجابهم يسوع: "إن كنت أنا أطرد الشيطان ببعل زبول فبمن يطرده أبناؤكم؟"[19].
مراجع كثيرة في العهد القديم تدلّ على وجود الشيطان، في قوله: "وتلاقي وحوش القفر الضباع ويصيح الأشعر (اسم الشيطان) بصاحبه وهناك تقر ليليت (اسم لشيطان أنثى يسكن الخراب) وتجد لنفسها مكانًا مريحًا"[20].
أمّا العهد الجديد فمراجعه كثيرة، وكلّها تدلّ على وجود الشيطان وعلى قوّته وعمله وانكساره أمام يسوع المسيح وأمام الإنسان الذي يعيش مع الله. نذكر أنّه في أيام بولس الرسول تبعته جاريّة فيها روح عرافة، وبها يربح ساداتها أموالاً، وراحت تصرخ في أثر بولس ورفاقه، وتقول: "هؤلاء الرجال هم عبيد الله العلي... فطرد بولس الروح منها... فسجن بولس وسيلا..."[21]. ثمّ أولاد سكاوى السبعة، وسكاوى هذا كان أحد رؤساء الكهنة، وكانوا من المعزمين وكيف كانوا يطردون الشياطين باسم يسوع المسيح، وكيف كاد الروح الشرير يقتلهم... وكيف كان السحرة متفشيين، وكيف أحرقوا كتبهم[22]... وسيمون الساحر الذي كان يفتن الناس بسحره وقد آمن على يدي فيلبّس[23]، ثمّ بدا يشوع أو عليما الساحر الذي عاقبه بولس بالعمى[24] وكان فيلبس يخرج الشياطين من الممسوسين فيخرجون وهم يصرخون صراخًا شديدًا، كما شفى كثيرًا من المرضى في السامرة[25].
لقد أخذت الكنيسة المقدّسة سلطانها على طرد الأرواح الشريرة من الربّ يسوع نفسه، حين منح تلاميذه السلطان على الأرواح[26] والشياطين خضعت للرسل باسم يسوع فيسقط الشيطان كالبرق من السماء[27].
يحذّرنا بولس من "مكايد إبليس، فنكافحه بالصوم والصلاة"، تبعًا لقول الربّ: "إنّ هذا الجنس لا يخرج إلاّ بالصلاة والصوم"[28]، ويقول بولس: "البسوا سلاح الله لتستطيعوا مقاومة مكايد إبليس. إذ ليس صراعنا مع اللحم والدم بل مع أصحاب الرئاسة والسلطان وولاة هذا العالم عالم الظلمة والأرواح الخبيثة في السماوات"[29]. والمسيح يسمّي الشيطان "سيّد هذا العالم"[30].
يخبرنا بولس بأنّ للشيطان قدرة على التحوّل، كما يريد، فإنّه "يتزيّا بزي ملاك النور"[31].
وقد شاعت في مشرقنا، منذ القديم، معتقدات وجود الأرواح والشيطان، بدليل واضح على وجود هذه القوى غير المرئيّة بما يصدر عنها في الإنسان الذي تهاجمه فيصاب هذا الإنسان باختلال في العقل، وبالهلوسة، وبباقي الآفات التي نراها في عصرنا هذا، ويقدر على طردها بعض من الكهنة الموهوبين نعمة طرد الشيطان وتخليص الناس من شرّه.
راح البابليون قديمًا، وبعض الناس حديثًا، كما تقدّم القول، يستعملون التعاويذ والتمائم، وكلّ هذا بشركة مع الشيطان إذ يستعمل في كلّ تعويذة أو تميمة نوعًا من الطلسمات فيراها الشيطان فينفّذ المطلوب، ولكن إلى حين وقد تدخل هذه الأعمال السحريّة في الطب، وبعضهم يعزو هذا العلم إلى سليمان الذي، على ما زعموا، سخّر الله له الأنس والجان...
يقرّ العهد القديم، كما رأينا، بوجود كائنات شيطانيّة، غير مرئيّة لها قوّة غريبة، وإنّها تسكن في الخرائب والأماكن المقفرة. فكان اليهود يأتون بتيسين: أحدهما للاعتراف بالخطايا على رأسه وإرساله إلى البريّة إلى عزازيل: "ثم يأخذ التيسين... ويلقي عليها هارون قرعتين: أحدهما للربّ والأخرى لعزازيل... ويرسل تيس عزازيل إلى البريّة، بعد أن يكون قد حمّله خطاياه وخطايا الشعب"[32].
عزازيل هذا، حسب رأي المفسرين، هو الشيطان أو الجن الذي يقيم في البراري والصحاري والأماكن المقفرة، أو الملاك الساقط[33]...

انضم لنا على فيسبوك
جديد المنتدى
تابعنا على تويتر
تابع أعمالنا على يوتيوب
تابعنا على جوجل بلاس
تابعنا على اينستغرام
تابعنا على لينكدين
تابعنا على بينتريست
تابعنا على سكريبد
تابعنا على سلايدشير
تابعنا على ساوند كلاود
تابعنا على تامبلر
رد مع اقتباس
المفضلات